في الحياة متناقضات عجب تشهد بها الحِكم والأمثال التي خلَّفتها لنا العصور. من ذلك الرأي في أثر الإحسان؛ فَبَيْنَا تقول حكمة: الإنسان عبد الإحسان، تقول أخرى: اتقِ شر من أحسنت إليه. وهاتان حكمتان متناقضتان كل التناقض. فبأيِّهما يأخذ الإنسان في سلوكه مع الناس. وبأيِّ عين يجب أن ينظر الإنسان إلى من يُحسِن إليهم؟ بعين الاطمئنان، أم بعين الريبة والحذر …؟

يختلف هذا باختلاف نظرة المحسن إلى إحسانه؛ فإذا كان يقصد إلى المَنِّ على من أحسن إليه، فقد وجب عليه أن يحتاط وأن يتقيَ شره. أما إن كان يُحسِن لأن في طبعه أن يُحسِن، ولأن الأخوة الإنسانية تهزه إلى الإحسان، فإنه لن يعنيَه موقف من أحسن إليه، سواءٌ استمع إلى قوله تعالى: ()، أم أنه كان من الذين يشعرون بالحسد، ويرون في إحسان من أُحسِن إليه تفوقًا عليه يدعوه إلى مقابلة الخير بالشر.

وعندي أن خير الإحسان ما لم يقصد منه صاحبه إلى شيء غير إرضاء طبعه المندفع نحو الإحسان. هؤلاء الذين تحركهم عواطفهم النبيلة إلى الخير لا يريدون من إحسانهم جزاءً ولا شكورًا، بل هم أكثر الأمر ينسون ما صنعوا، فإذا ذكَّرهم به مُذكِّر شعروا بشيء من الغضاضة، وازدادوا تناسيًا لما صنعوا؛ هذه هي الطباع الكريمة، وأصحابها هم أولو النفوس السامية التي ترتفع بشعورها فوق الضعف الذي تتحرك بسلطته نفوس الكثيرين.

والذين يستعبدهم الإحسان هم كذلك أصحاب النفوس الكريمة؛ هؤلاء تُلجئهم الحاجة أحيانًا إلى التماس المعونة عند مَن يقدرون عليها، ولكنهم يلتمسونها مضطرين تحت ضغط الحاجة، لكنهم يشعرون أن من أعانوهم قد أسْدَوْا إليهم يدًا يعتبرونها دَينًا عليهم أقلُّ صورة من صور أدائه الاعتراف بجميل من أسداه. فإذا هم فعلوا ذلك اطمأنت نفوسهم ولو بعض الطمأنينة.

فأما الذين يتقي المحسنون شرهم، أو يجب أن يتقوه، فأولئك مرضى النفوس، متخاذلو الهمم. هم إن احتاجوا ذلوا، وإن استغنَوْا طغَوْا وتمردُوا؛ يطلبون إحسان المحسِن في خضوع ومسكنة إذا رأوه قديرًا على أن يمدهم بإحسانه. فإن أغنتْهم الظروف عنه فلا تعجب إذا رأيتهم يزعمون أنهم أصحاب الفضل على من تفضَّل عليهم، وإن لم تصدر منه كلمة بشأنهم، وإن تسامى عن أن يذكر أنه أحسن يومًا إليهم.

ولو أنصف الناس لتذكروا دائمًا أن الإحسان جزاء الإحسان، وأن أقل الإحسان ألا تصدر منك مساءةٌ لأحد، ومن باب أولى لمن أحسن إليك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.