من أعجب ما يلاحظ على آداب الأمم قلة ما نظمه الشعراء في رثاء النساء، ولا سيما الزوجات.

فعلى كثرة الغزل في المرأة نرجع إلى شعر الأقدمين والمُحدَثين وإلى شعر العرب وغيرهم من الأمم، فلا نرى في لغة من اللغات إلا قصائد معدودات في رثاء النساء والزوجات منهن على الخصوص.

فليس أكثر مما نظمه الشعراء في التغزُّل بالمرأة، ولا أقل مما نظموه في الحزن عليها.

وقد رثى شعراء العربية الأمهات، كرثاء المتنبي لجدته ورثاء الشريف لأمه، ونظموا العزاء في أَخَوات الأمراء وقريباتهم، كما نظم المتنبي تلك القصيدة اللامية في رثاء أخت سيف الدولة، ولم ينسَ أن يقول منها:

ولو كان النساء كمن فقدنا

لفُضِّلَتِ النساء على الرجال

كأنه يعتذر من هذا الشذوذ في قواعد الرثاء بحالة مستثناة لا يقاس عليها، وهي حالة هذه السيدة التي تَفضُل السادةَ الرجال!

بل وجد في صدر الإسلام من يرثي امرأته معتذرًا حيث يقول:

لولا الحياء لهاجني استعبار

ولزرت قبرك والحبيب يُزار

ولم يظهر المعنى الإنساني في رثاء المرأة — حليلة كانت أو غير حليلة — قبل عهد ابن الرومي الذي قال في بستان المغنية:

بستان وا حسرتا على زهر

فيك من اللهو بل على ثمر

وقال من القصيدة بعينها يذكر وفاتها في ريعان الشباب:

يا غَضَّة السن يا صغيرتها

أصبحت إحدى المصائب الكُبَر

ورثى امرأته رثاء يدل على هول الفجيعة فيها، فقال:

عينيَّ سحا ولا تَشِحَّا

جَلَّ مصابي عن العزاء

ونظم قصيدة أخرى في مثل هذا الرثاء.

***

وليس بالعسير تعليل هذه الظاهرة المتفقة في جميع الآداب العالمية؛ فإن الأمر مرتبط بمكانة الزوجة في العصور القديمة، ثم في هذه العصور الحديثة. ومما لا اختلاف فيه بين الأمم أن الزوجة كانت في أقدم العصور كالقينة المملوكة التي لا فرق بينها وبين الجارية الرقيقة. ثم ارتفعت مكانتها فظهرت الزوجة ربة البيت، ولكنها لم تزل في عُرف المجتمع شهوة من شهوات الضرورة التي يلجأ إليها الرجل في ساعة ضعفه أو الساعة التي تغلبه فيها الطبيعة الحيوانية. ولم تظهر المرأة التي هي «شريكة حياة»، أو سكن للرجل كما جاء في القرآن الكريم إلا في العصور الأخيرة، وإن كانت لها رائدات سابقات بين بعض الأُسَر فيما تَقَدَّمَ من العصور.

فالشاعر كان يتغزل في المرأة ولا يخجل من ذلك؛ لأن الغزل منسوب إلى الظُّرف واللباقة.

وكان يرثي أمه أو جدته؛ لأن حب الأمهات والجَدات محسوب من البر المشروع الذي لا ضعف فيه.

وكان يرثي أمهات الأمراء وقريباتهم؛ لأن عزاء الأمراء واجب من واجباته المفروضة عليه.

ولكنه لم يكن يرثي الزوجة المتوفاة؛ لأنها شيء يخصه ولا يفهم معنى الفجيعة فيه عند أبناء عصره إلا على معنى الضعف الذي لا يَجمُل بالرجال. وكيف كان يجمل بهم أن يتفجعوا على الزوجة المفقودة، وقد كانت زيارة قبرِها ممَّا يحتاج إلى اعتذار؟

ولا شك أن آداب الأمم هي خير مسجِّل لأخلاقها الاجتماعية، سواء تعمدها الشعراء أو لم يتعمدوها.

فمن الظواهر الحديثة التي تسجل في الأدب العربي — أو الأدب المصري — أن الزوجة «شريكة الحياة» تمثلت في شعرنا العصري تمثلًا واضحًا بليغًا صادق المدلول؛ لأننا قرأنا في سنوات متقاربات ديوانين كاملين في رثاء الزوجة الفقيدة، وكلاهما لم يكن ظهوره بالمفهوم قبل هذا الجيل؛ لأن وجود شاعرين اثنين يفيان لذكرى فقيدتيهما لا يكفي لإظهار ديوانين في هذا المعنى، ما لم يكُن هذا المعنى ملحوظًا مُقدَّرًا عند الكثيرين من أبناء الجيل الذي ينشآن فيه.

قرأنا بالأمس ذلك الديوان الحزين الذي نظمه الشاعر المطبوع الأستاذ عزيز أباظة، وسمَّاه «الأنَّات الحائرة»؛ لأنه أقوى من أن يُسمَّى بالدموع.

وقرأنا هذه الأيام ديوانًا آخر في هذا المعنى للشاعر الألمعي الأستاذ عبد الرحمن صدقي سماه «من وحي المرأة»؛ لأنه لم يكن إلا وحيًا فاض به حزنه على فقيدته العزيزة، فخرج في جملته منظومًا كأنه لا يحتاج إلى ناظم، وجاء فيه بقصائد ومقطوعات ستبقى في عداد الشعر الخالد، سواء ما نظم في هذا الموضوع أو غير هذا الموضوع.

ويدل على أن ظاهرة الزوجة شريكة الحياة هي الباعث على نظم هذين الديوانين أنهما قد نُظِمَا في زوجتين لا تجمع بينهما صفة تعزها غير صفة المشاركة في الحياة، فلا يقال إن القرابة هي باعث الرثاء؛ لأن إحدى الزوجتين أجنبية عن البلد فضلًا عن الأسرة، ولا يقال إن الذرية هي علة الإعزاز؛ لأن إحدى الزوجتين لم تعقب ذرية بعدها، ولا يقال إن الحب العاطفي هو مصدر هذا الوحي؛ لأن الحب العاطفي قد يوجد ولا يوجد معه التفاهم في الأفكار ولا التعاوُن على أعباء الأسرة وشواغل النفوس، ولكنها المشاركة في الحياة وحدها هي التي يرجع إليها الإيحاء بهذين الديوانين، حين فهم العصر كله معنى الزوجية التي تقوم على هذه المشاركة بين حياة إنسانين.

والزوجة شريكة الحياة — حياة الأديب على التخصيص — هي التي يقول الأستاذ صدقي في وصفها:

وكنت الغنى من مشكل بعد مشكل

وعقدات نفس تستديم قلاقلي

مشاكل شتى: حاجة النفس للهوى

وحاجة ذي حس، وحاجة عاقل

جمعت لي الدنيا فأغنيت معدمي

وأمتعت محرومي وزيَّنت عاطلي

أو يقول في ذكرياتها من قصيدة أخرى:

وخير رفيق أنت في كل رحلة

وخير سمير للحديث ينضد

ونجلس في حضن الطبيعة صمتنا

مناجاتها، إن الطبيعة معبد

ونجلس للأشعار ندرسها معًا

كأن ليس غير الكتب في العيش مقصد

وقد تكون شريكة حياة ولا يكون قوام المشاركة بينها وبين قرينها طول الشغل بالدراسة والمطالعة، كما قال الأستاذ عزيز في قصيدته الداليَّة في يوم ميلاده:

أقول والقلب في أضلاعه شوق

بالدمع لا عدت يا يوم ميلادي

نزلت بي ودخيل الحزن يعصف بي

وفادح البث ما ينفك معتادي

وكنت تحمل لي والشمل مجتمع

أنسًا يفيض على زوجي وأولادي

فانظر تر الدار قد هيضت جوانبها

وانظر تجد أهلها أشباح أجساد

فقدتها خلة للنفس كافية

تكاد تغني غناء الماء والزاد

وموئلًا أجد الأمن الكريم به

إذا تعاودني بالبغي حسادي

تحنو عليَّ وترعاني وتبسط لي

في غمرة الرأي رأي الناصح الهادي

وهذه هي صفة الزوجية التي تشترك فيها حياتان بالرأي والعطف، وتكاد تغني غناء الماء والزاد، بل تكاد تجعل يوم الميلاد يومًا مشتركًا لا يستقل فيه الزوج بذكرى وِلادة له لا ترتبط بذكرى الزواج.

هذه الحياة أعجوبة الأعاجيب، وهي أعجب ما تكون في مألوفاتها الشائعة كل صباح ومساء، ومن تلك العجائب أنها لم تجُد بخير لا شر فيه ولا تصيب بشر يخلو كل الخلو من الخير. وليس عزاء الإنسان على شطر نفسه وصنو حياته باليسير، ولكنه على كل حال من العزاء النبيل للشاعرَيْن الفاضلَيْن أن مصابهما قد أغنى الأدب العربي بهذه الذخيرة النفيسة، وسجل للمجتمع المصري هذه الظاهرة الكريمة التي تقترن أبدًا بالتهذيب والارتقاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Mohammad Banghazi ·١١ مارس ٢٠١٦، ٩:٢٥ ص

    رحم الله أستاذنا العقاد فقد كان فارساً من فرسان العرب والمسلمين