يعجبني من وزير ماليتنا العظيم أنه حازم جدًّا، حازم لا نظير له في الحزم، لا يُقْرَنُ إليه فيه وزير الداخلية ولا وزير التقاليد، فضلًا عن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، حازم قد انفرد بالحزم، عازم قد استبدَّ بالعزم، قويٌّ قد استأثر بالقوة.

ولكن هذا كله مقصور على القول، وعلى القول وحده؛ فوزير المالية إذا قال زلزلت الأرض بمن عليها، واضطربت القلوب في الصدور أشدَّ اضطراب، وامتلأت النفوس هلعًا وفزعًا وجزعًا، ولكنه إذا همَّ بالعمل لم يعمل شيئًا؛ فحزمه كلام في كلام، وعزمه ألفاظ في ألفاظ، وقوته محصورة في هذا الصوت، الذي يحسن رفعه، وإشاعة الرهبة فيه، وإسباغ البأس عليه.

وهذا الصوت قد يخيف سامعه، وقد يشيع الخوف منه في كلام الوزير إذا كتب على القرطاس، ونشر في الصحف، فيخاف منه بعض القراء. ولكن هيبة وزير المالية لا تستطيع أن تتجاوز هذا الحد، بل تقف عنده وقوفًا مؤسفًا حقًّا. فما أسرع ما يأمن الخائف! وما أسرع ما يطمئن القلق! وما أسرع ما يبسم هذا وذاك! وما أسرع ما يقول هذا وذاك: كلام سمعناه من قبل، كما نسمعه اليوم، وكما سنسمعه ما دام صبري بك مسيطرًا على وزارة المال!

منذ عام صرَّح وزير المالية بأنه ما دام وزيرًا فلن يدفع الدين العام وفوائده إلا ورقًا، ولن يفاوض في ذلك، ولن يسمح بالمفاوضة، وقد مضى العام، واتصلت المفاوضات في مصر أولًا، ثم انتقل لها مندوب مصر إلى باريس، ثم ترك أمرها إلى المندوب السامي يعالجه كما يشاء، وصبري بك وزير المالية، لم يستقل، ولم يُكْره الدول على أن تنزل عند رأيه، بل لم يحمل زملاءه الوزراء على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه.

ومنذ عام قال وزير المالية صبري بك: إنه ما دام وزيرًا فلن يسمح ببقاء الأزمة العقارية، ولن يرضى من المصارف أن تشتطَّ على المدينين، أو تتحكم فيهم، ولن يسمح للوزارة أن تقدم على الحلول النصفية التي لا تحل شيئًا أو التي تحل نصف الأزمة وتدع نصفها الآخر معقدًا غير محلول، وقد مضى العام والأزمة العقارية قائمة، والمصارف تشتدُّ على المدينين، والوزارة لا تُقْدِم على الحلول النصفية، بل على الحلول الجزئية، التي لا يمكن أن تنسب إلى الربع، أو إلى الثلث، وصبري بك ما زال وزيرًا للمالية، لم يَسْتَقِلْ ولم يُكْره المصارف على شيء، ولم يحمل زملاءه على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه، بل صرح هو أو رضي أن يُصَرِّح عنه رئيس الوزراء في مجلس النواب بأن الوزارة قد فعلت ما تستطيع.

ومنذ عام أثار وزير المالية أزمة حادة، عنيفة، في وزارته بينه وبين الموظفين، كبارًا وصغارًا، وصرَّح لبعض الصحف بأنه ما دام وزيرًا، فلن يسمح للموظفين في وزارة المالية كبارًا وصغارًا بأن ينسوا أن لهم وزيرًا يجب أن يرجعوا إليه في كل شيء.

ولم يكن الموظفون في وزارة المالية قد نسوا أن لهم وزيرًا، ولكن صبري بك خُيِّلَ إليه ذلك، وقد مضى العام، والأمر في وزارة المالية كما كان، قبل أن يُشْرِف عليها صبري بك، لم يزد علم الموظفين، ولم ينقص، بأن لهم وزيرًا يرجعون إليه، وما زال صاحب السعادة عبد الوهاب باشا وكيلًا للمالية، وما زال صاحب العزة الفلكي بك وكيلًا آخر، وما زال كبار الموظفين وصغارهم حيث كانوا يصرِّفون الأمور كما كانوا يصرِّفونها من قبل، وسلطان صبري بك عليهم كسلطان غيره من الوزراء. ولم يستقل صبري بك، ولم يفكِّر في الاستقالة، مع أنه لم يغير شيئًا، أو لم يحاول أن يغير شيئًا على كثرة ما أعلن رغبته في التغيير.

ومنذ عام، صرح صبري بك بأنه ما دام وزيرًا فلن يسمح بمثل ما كان يقع في الوزارة السابقة من المحاباة في مصلحة الأملاك، في بيع الأرض وشرائها، ولكن الأمر اتصل كما كان من قبل؛ فاشترى فلان واستبدل فلان، وأجاز صبري بك شراء فلان واستبدال فلان دون أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل.

وأمس قال وزير المالية صبري بك لمندوب الأهرام:

إني أرجو أن تنقل عني هذا التصريح الحاسم.

إنني ما دمت وزيرًا للمالية؛ فلن أسمح مطلقًا بأن تقعد وزارة المالية عن تحصيل الأموال في مواعيدها، ولن أسمح بأن تفقد وزارة المالية مليمًا واحدًا من الأموال الأميرية، ولن أعير استصراخ الذين يلتمسون الإعفاء من جزء منها أيَّ الْتِفَات، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية.

أسمعت إلى هذا التصريح الحاسم الحازم، العازم، الحازم المخيف؟! إنه مع ذلك لا يزيد على أن يكون تصريحًا كغيره من التصريحات التي ملأ بها صبري بك جو مصر منذ عام؛ فهو ما دام وزيرًا لن يسمح، ولكنه مع ذلك سيسمح وسيظل وزيرًا. وهو ما دام وزيرًا لن يرضى، ولكنه مع ذلك سيرضى وسيظل وزيرًا؛ لأنه سمح بأشياء ولم يكن يريد أن يسمح بها، ورضي عن أشياء ولم يكن يريد أن يرضى عنها، ومع ذلك فإن الأدب والمجاملة وحسن الذوق تقضي علينا بأن نُظْهِر لوزير المالية أن تصريحه قد أخافنا، فليعلم إذن أننا خِفْنَا، وليعلم إذن أننا أشفقنا، وليظهر له كبار الزراع أنهم خائفون، وأنهم مشفقون، ولكن ليظهر له كبار الزراع أيضًا أنهم طامعون، في عفوه وحلمه، وكرمه؛ فعفوه آتٍ لا شك فيه، وحلمه واقع لا جدال فيه، وكرمه محتوم لا نِزَاع فيه.

وكبار الزراع سيستمتعون إن شاء الله بكل ما كانوا يستمتعون به من قبل من الرحمة والرأفة ولين الجانب، لا يشترط عليهم إلا أن يكونوا أولياء للوزارة يُظْهِرُون الميل إلى سياستها، وسيظل صبري بك مع ذلك وزيرًا.

لندع إذن هذا الحزم الذي لا حزم فيه، وهذا الوعيد الذي لا وعيد فيه، ولنقف مع وزير المالية موقف جد، عند أمر واحد لا ثاني له؛ فوزير المالية يصرح بأن خير ما كسبته مصر في هذا العصر الحديث هو سمعتها المالية، وبأنه سيحافظ على هذه السمعة، وبأن المحافظة على هذه السمعة تضطره أن يتقاضى الضرائب ممن يجب عليهم أداء الضرائب.

وهذا كله صحيح. ولكن ما رأي وزير المالية في أن هناك شيئًا آخر صحيحًا لا ينبغي لمثله أن يجهله؛ فحسن السمعة ليس رهينًا بجمع المال فحسب، ولكنه رهين قبل كل شيء بحسن القيام على هذا المال، وبحسن الاقتصاد في إنفاقه، فإذا كان وزير المالية حريصًا حقًّا على جمع المال احتفاظًا بالسمعة المالية لمصر، فقد يجب عليه أن يكون حريصًا حقًّا على حماية هذا المال من التبذير، ومن إنفاقه في غير مواضع الإنفاق، احتفاظًا بهذه السمعة المالية، وإذا كان وزير المالية لا يسمح بالتقصير في جمع المال، ولا بالتقصير في أداء الضرائب، فقد يجب على وزير المالية أن لا يسمح لزملائه بالإسراف في إنفاق المال، ولا بالغلو في إنشاء المناصب والمصالح، وإرسال الوفود والبعثات، وإقامة المباني والعمارات، ومنح الإعانات، وما يعرفه وزير المالية من ضروب الإسراف الذي تُقْدِم عليه الوزارات في غير تحرج ولا احتياط.

من الخير جدًّا يا سيدي أن تجمع المال من دافعي الضرائب، ولكن من الخير جدًّا كذلك أن تذكر أن هذا المال الذي تجمعه ليس لك ولا لزملائك، وإنما هو أمانة في يدك وفي أيدي زملائك؛ تجمعه من المصريين كافة لتنفقه على المصريين كافة، في غير إسراف ولا تبذير، وفي غير إيثار ولا محاباة. فهل تستطيع أن تقول لمندوب الأهرام إنك ما دمت وزيرًا للمالية فلن تسمح بأن ينفق المال في غير موضعه.

نعم أنت تستطيع أن تقول ذلك، ولعلك قلتَه، ولكنه كلام كغيره من الكلام، يخيف من يسمعه أو يقرؤه، ثم يقف الخوف منه عند هذا الحد، فلا يمنع إسرافًا، ولا يكفُّ عن تبذير، ولا يحول دون إيثار ولا محاباة.

قل ما شئت يا سيدي الوزير؛ فقد عرف الناس أقصى ما ينتهي إليه الكلام!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.