يتمناها أكثر الناس؛ لأنها تُزيل عنهم همًّا ثقيلًا، ويخافها أقل الناس؛ لِأَنَّها تُغْلِقُ في وجوههم أبواب الأمل، وتأخذ عليهم سُبُلَ الحَيَاةِ، ويتحدَّث عنها المحبون لها، والمثقفون منها، فيطيلون الحديثَ. أولئك يسألون متى تنشأ، ويتلمَّسون الأسباب لنشوئها، ولا يكادون يسمعون أنَّ حدثًا قد حَدَث، أو نَبأً قد أُذيع، حتى يَجِدُّوا في استكشاف ما بينه وبين الأزمة من سبب، وحتى يتمنوا أنْ تُحقق الأيام ما خيلت الأحلام، وهؤلاء يسألون عنها أيان مرساها، لا يسمعون حديثًا إلا اضطربت قلوبهم، ولا يلقى إليهم نبأ من الأنباء إلا طارت نُفُوسهم. فهم يَتَمَنَّونَ أَنْ تمحوَ الأيام ما خيَّلَت الأحلام. أولئك وهؤلاء قلقون، ومن أولئك وهؤلاء تأتلف الأمة، ويتكوَّن الشعب، كثرة قلقة لأنَّها تُريد سقوط الوزارة، وقلة ضئيلة قلقة لأنها تريد بقاء الوزارة.

ما نرى أن حالة سياسية تستطيعُ أنْ تكون شرًّا من هذه الحال التي لا يبرأ فيها مصري من القلق، ولا يأمن فيها مِصْري من الخوف، ولا يطمئنُّ فيها مصري إلى غد، ولا يخلو فيها مصري إلى نفسه إلا أنكر ما كان، وأشفق مما سيكون، وتمنَّى على الله شيئًا يحلم به، ولا يكاد يطمع فيه، ومع ذلك فهذه هي حال المصريين.

تحدث إلى من شِئْتَ من الناس؛ فسيكون أول الحديثِ في الأَزْمَةِ السِّيَاسِيَّةِ وسيكون آخر الحديث الأزمة السياسية، وسيلم الحديث بين هذا وذاك بأطراف من موضوعات مُخْتَلِفَةٍ، ولكنه سينتهي دائمًا إلى الأزمة السياسية، كأنَّ الناس لا يعيشون إلا بالأزمة السياسية، وكأن أمسِ الناس ويومَهم وغدًا لم تخلق إلا للأزمة السياسية.

ومع ذلك كله؛ فالذين أقاموا هذه السياسة السعيدة، وفرضوها على المصريين فرضًا، لم يكونوا يُريدون هذا، ولا يسعون إليه، إنما كانوا يُريدون أن يصرفوا المصريين عن السياسة، فإذا هُم يدفعونهم إليها دفعًا، وأن يزهدوا المصريين في السياسة فإذا هم يرغبونهم فيها ترغيبًا، فإذا كان هُنَاكَ إِخْفَاقٌ يمكن أن يهنأ به المُخفقون، وفشلٌ يُمْكِنُ أَنْ يهنأ به الفشلون، فهو هذا الإخفاق وهو هذا الفشل. فأصحابُ هذا العهد السعيد لم يوفَّقُوا إلى شيء، ولم يظفروا بشيء؛ كانوا يريدون أن يلهوا المصريين عن حقوقهم، فإذا هُم ينتهون إلى أنْ يزيدوا المصريين حرصًا على هذه الحقوق، كانوا يريدون أن يأخذوا المصريين بالخضوع والخنوع، فإذا هم ينتهون إلى قطع الأسباب بين المصريين وبين الخضوع والخُنوع، ثم كانوا يُريدون أَنْ يردوا المصريين إلى حياة القرون الوسطى، تلك التي لم يكن الشعب يعنى فيها بالسياسة وإنما كان يترك الأمر لأولي الأمر، فإذا هم ينتهون إلى أنَّ الشَّعب قد أَصْبَحَ يُعْنَى كله بالسياسة، ويُؤمن أَصْدَقَ الإيمان بِأَنَّهُ وَحْدَهُ صاحب الأَمْرِ، وَبِأَنَّ غيره إنْ عني بالسياسة فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يعنى بها إلا نائبًا عنه، ومفوضًا منه ليس غير.

مهما يكن من شيء فقد عاد الناس إلى حديث الأزمة السياسية، أو إلى حديث الأزمة الوزارية إنْ أَرَدْتَ التدقيق.

قوم يؤكدون أنها قائمة، وقوم يُقسمون بالله جهد أيمانهم أنها وَهْمٌ من الأوهام، وخيال من الخيالات؛ أولئك ينظرون إلى طبائع الأشياء، وهؤلاء يعتمدون على الأماني والآمال، فإذا سألت حقائق الأشياء فالأزمة قائِمَةٌ منذ نهضت الوزارة بأعباء الحكم، بل منذ فرضت هذه السياسة على المصريين فرضًا، فَفَرْضُ هذه السياسة نفسه أَزْمَةٌ، لم تخلص منها البلاد بعد، وكل الأحداث التي حدثت أيام صدقي باشا كانت خليقة أن تسقط ألف وزارة ووزارة، ولكن صدقي باشا ظل قائمًا في مَنْصِبِهِ رَغْمَ الشَّعب ورغم الأحداث ثلاثةَ أعوام وبعض العام، ثُمَّ هوى في يوم من الأيام؛ لسببٍ لا تزال حقيقتُه مَجْهُولة من الشعب على الأقل إلى الآن. ونهوض الوزارة القائمة بالحكم كان في نَفْسِهِ غريبًا، وأعمال الوزارة القائمة منذ نهضت بالحكم كان كل واحد منها يكفي لإسقاط وزارة.

فالوزارة التي تَعِدُ بإصلاح الحياة الاقتصادية ثم لا تزيدها إلا فسادًا خليقة أن تسقط، ولكنها مع ذلك باقية! والوزارة التي تَعِدُ بحل مسألة الدين العام دون مُفاوضة ولا خروج عن قاعدة الدفع ورقًا، ثم تفاوض، ولا تنتهي إلى شيء، خليقةٌ أن تسقط، وهي مع ذلك باقية! والوزارة التي تأخذ على نفسها العهود، لتحسم داء الدين العقاري حَسمًا، ثم لا تحسم منه شيئًا، خليقةٌ أن تسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن موافقتها للقضاة المصريين على موقفهم في المحاكم المختلطة بإزاء رياسة الدوائر، وبإزاء مسألة اللغة العربية ثم تعجز عن أن تصنع لهم شيئًا، خليقةٌ أن تسقط، وهي مع ذلك قائمة!

الوزارة التي تُعْلِنُ أَنَّها سَتُفَاوِضُ في أمر المَحَاكِم المُختلطة مُفَاوَضَةَ الوزارة التي تقوم على أمر بلد مستقل، ثم لا تُقْدِم على ذلك إلا أن يأذن به الإنجليز خليقة أن تسقط، وهي مع ذلك قائمة!

والوزارة التي يخرج رئيسها من الحكم مُنكِرًا على صدقي باشا حوادث العبث والتعذيب ثم تقع في وزارته حوادث العبث والتعذيب، فلا يُصْلِح منها شيئًا، ولا يردُّ الناس إلى أمن، ولا إلى طمأنينة، ولا يَعْصِمُ أَجْسَامَهُم من العذاب، ولا يُخَلِّي بين نفوسهم وبين الحُرِّية، خَلِيقَةٌ أَنْ تسقط، وهي مع ذلكَ قَائِمَةٌ!

كل شيء يحيط بالوزارة، وكل شيء تأتيه الوزارة خَليقٌ أَنْ يُثير الأزمة الوزارية الحَادَّة، وأنْ ينتهي بالوزارة إلى السقوط، ولكن الوزارة مع ذلك قائمة، تبسم للأزمات، وتبسم لها الأزمات، كأنما بينها وبين الأزمات مودة ومُحالفة؛ ذلك لأنَّ كُلَّ هذه الأزمات إِنَّما تُسقِط الوزارات لو أن الوزارات تقوم على إرادة الشعب، وبإرادة الشعب، وتسقط حين لا يُريدها الشعب، ولا يطمئنُّ إلى بقائها. فأما إذا فرضت الوزارات نفسها، أو فرضتها الظروف على الشعب، فهذه الأزمات لا قيمة لها، ولا خطر، وإنَّما الشيءُ الذي له القيمة، وله الخطر، هو شيء مَجْهُول، لا تَعْرِفه أَنْتَ، ولا أعرفه أَنَا، لا تستطيع أن تتنبَّأ به، ولا أستطيع أنا أن أتنبَّأ به. هو شيء يستطيع أن يهبط من السماء، أو أن ينجم من الأرض، أو أن تأتي به الريح من مكان سحيق، فإذا هو يسقط الوزارة، ويرسل الوزراء إلى دورهم، على حين لم تكن الوزارة تقدر لنفسها السقوط، ولم يكن الوزراء ينتظرون أن يستقروا في الدور.

هو شيء كهذا الذي هوى بصدقي باشا، وقد كان صدقي باشا يُعلن أنه قوي متين، مُستمتع بثقة البرلمان، هو شيء ليس إلى تعليله ولا إلى تأويله من سبيل، هو شيء فوق البَحْثِ، هو شيء فوق الحديث، هو شيء يَجِبُ أَنْ ننتظره، وأن ننتظر وقوعه في كل لحظة، حين ينتظر وحين لا ينتظر، حين يُقَدَّر وحين لا يُقَدَّر، حين يُرْجى وحين لا يُرْجَى، حين يُخاف وحين لا يُخَاف.

فإذا زعم الناس أن الأزمة قائمة فهم صادقون، ولكنها أزمَة لا تغني، وإذا زعم الناس أن الأزمة غير قائمة فهم صادقون؛ لأنَّ أمر الوزارة ليس رهينًا بالأزمات. وإذا قال عبد الفتاح يحيى باشا إنَّ الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فهو صادقٌ؛ لأنَّ النَّاس ما زالوا يُعذبون، ولأنَّ الأحداث والهموم لا زالت تصب على رءوس المصريين، وإذا انْتَشَر خَبَرٌ فجال على غير حساب ولا انتظار بأنَّ عبد الفتاح يحيى باشا قد رفع استقالته إلى جلالة الملك فصدق هذا النبأ فهو ممكن، وقد كان مثله منذ أقل من عام، تستطيع إذن أنْ تُصَدِّق كل شيء، وتستطيع إذن أن تكذب كل شيء؛ لأننا نعيش في عهد لا قيمة فيه للتصديق ولا للتكذيب، ولا لأحكام المنطق ولا لتفكير العقل، وإنَّما القيمة كل القيمة في هذا العهد للمُصادفة، التي لم يوفَّق الإنسان بعدُ إلى أن يُنَظِّمها بقانون، فانتظر كلَّ شيء ولا تنتظر شيئًا، واصبر حتى يظهر قضاء الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.