زارتنا منذ أيام سيدة مهذبة، واسعة الفكر، ذات ثقافة رفيعة، جابت البلاد العربية كلها، وزارت أقطارًا كثيرة في أوروبا وآسيا، ولعلها زارت أمريكا كذلك، وفي أثناء الحديث ذكرت أنها دعيت يومًا لتحاضر شابات في إحدى البلاد العربية، فألقت عليهن قبل أن تبدأ محاضرتها سؤالًا، قالت: كثيرات منكن يبدو عليهن اليأس من نعمة الحياة! فهل بينكن من تنظر للحياة من وجهها الباسم؟ وما سبب عبوس الحياة في رأي العابسات منكن؟

وانتظرت السيدة الفاضلة جواب الشابات على سؤالها فلم تذكر واحدة منهن أنها سعيدة بالحياة، وبدأت كلٌّ تشكو همها وألمها، قالت السيدة: وقد لاحظت أن هذه الحال ليست قاصرة على البلد الذي دُعيت للمحاضرة فيه، بل هي حال عامة في بلاد الشرق العربي كله، وسببها — في رأي هذه السيدة — أننا في فترة انتقال من حياتنا الاجتماعية الماضية إلى حياة جديدة لم تتبلور بعدُ، فلا تعرف الفتاة لها في هذه الحياة الجديدة غرضًا ولا مصيرًا؛ لقد كان لأمها وجدتها مصير محتوم، ذلك أن تتزوج وهي في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمرها، فإذا ما تزوجت فسرعان ما تشغل بأطفالها وبزوجها، وتعتبر ذلك غاية حياتها، وكل ما لها في العيش من رجاء وأمل، أما اليوم فقد تفتحت أمامهن أبواب كثيرة، انفتح أمامها باب التعليم، وخرجت من حجابها إلى الحرية، فبهرها هذا النور الجديد الذي واجهها، فهي لا تعرف كيف تختط طريقها في وهج ضيائه، وهذه الحيرة هي سبب ذلك الألم، وتلك الكآبة التي تعلو وجوه الشابات، وتجعلهن يتمنين لو أنهن كنَّ كجداتهن، فبقين محجبات وتزوجن في السادسة عشرة من سنهن، فأغناهن ذلك عن التفكير في المستقبل، وعن الحيرة أمامه والخوف منه.

وهذا لا ريب تصوير دقيق لحال قائمة بنفس الكثيرات من بنات البلاد العربية في العصر الحاضر، لكن حل المشكلة لا يكون بالعود إلى ما كانت عليه جداتهن، فمثل هذا العود مستحيل، ولو أنه حدث لثارت الشابات به أكثر من ثورتهن بحيرتهن الحاضرة، وإنما يتأتى حل المشكلة إذا قدرت الشابات أن الزواج حاجة طبيعية كالطعام والشراب، وأن هذه الحاجة ضرورية لحفظ الحياة وحفظ النوع بالنسبة للإنسان والحيوان على سواء، لكنها لا يمكن أن تكون مصدر سعادة إلا في مراكز السعادة الدنيا، أما مراكز السعادة الرفيعة فإنما تكون بأن يصور الإنسان رجلًا كان أم امرأة مثلًا أعلى تصبو إليه نفسه، ويسعى لتحقيقه، فينعم بما يبلغه منه، ويرجو من ورائه خيرًا لأمته وللإنسانية.

لقد تزوجت مدام كوري فلم تكن سعادتها بزواجها تعدل شيئًا إلى جانب سعادتها بما حققته للإنسانية من خير بعلمها واكتشافها الراديوم، وكثيرون ممن رأوا آثار الفنانة المصورة مدام لبران، واستمتعوا بالصورة التي رسمتها لنفسها ومعها ابنتها يؤمنون بأنها كانت أكثر سعادة بفنها منها بأمومتها، ولا يذكر الناس باحثة البادية بما أنجبت، بل بما كتبت؛ فإذا استطاعت الشابة المتعلمة أن تصور لنفسها مثلًا أعلى في الحياة تأمل في تحقيقه فتح الأمل أمامها باب السعادة، فالأمل في تحقيق المثل الأعلى هو الذي يسعدنا؛ لأنه يرتفع بنا إلى مرتبة الإنسانية، أما الضرورات الطبيعية في الحياة فتُسعد من لا يعرفون التفكير الإنساني الرفيع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.