لم يكن الرجل السياسي في أقدم العصور رجلًا من الناس في نظر رعاياه؛ لأنه كان إلهًا أو شبيهًا بالإله. وبقيت أثارة من هذا الرجل السياسي المعبود، أو الشفيع عند المعبود إلى عصور متأخرة ظل الملوك فيها يدَّعون أنهم يحكمون «بالحق الإلهي» ولا يُسألون عن حكمهم أمام أحد غير «الله» الذي تَلَقَّوْا منه حق الولاية على الناس.

ولما خضعت شئون الحكم لأحكام الفكر الإنساني كان المفكِّرون يختلفون في وصف الرجل السياسي بمقدار اختلافهم في وصف الأمم المَسُوسة، ويجعلون حقوق الراعي معلقة بحقوق رعاياه.

فكان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس يعتبر السياسي راعيًا بالمعنى الحرفي الذي يُفهم من رعي الإنسان للحيوان؛ لأنه كان شديد البغض للديمقراطية، وكان يقول إن الماشية تُساق بالعصا إلى مرعاها الذي تشبع فيه وتسمن، وكذلك الدهماء من المحكومين لا يُساقون إلى خيرهم إلا بعصا في يد من يسوقهم؛ فهم لا يفكِّرون، بل يفكرون في اليقظة كأنهم يحلمون، ومَن حكَمَهم فهو راعيهم المتصرف فيهم بالمعنى الذي قدمناه.

وكان ديمقريطس على نقيضه، يفضل النظام الديمقراطي على جميع الأنظمة الحكومية، ويقول إن الفقر في الديمقراطية مفضَّل على الغنى في ظل الطغيان، كتفضيل الحرية على الرِّقِّ، وتفضيل الخُلق الذي يجيء من طريق الإرادة على خُلق يجيء من طريق الإكراه.

وكان الرجل السياسي في رأي فيثاغوراس مزيجًا من الحاكم والكاهن؛ لأنه كان من أصحاب النِّحَل السرية التي تضن بالحقائق على غير أهلها، فليس من اللازم عنده أن يعرف المحكومون كل ما يريده الحاكم؛ لأنهم محجوبون عن كثير من الحقائق التي تنكشف للحكماء.

أما أفلاطون وأرسطو — وهما أعظم فلاسفة اليونان في مباحث السياسة وفي غيرها من المباحث — فقد كان رأيهما في الرجل السياسي قريبًا من قريب. وكل ما هنالك أن الأستاذ كان أقرب من التلميذ إلى النظر، وأن التلميذ كان أقرب من أستاذه إلى العمل، كشأنهما في جميع الموضوعات.

فالناس عند أفلاطون ثلاث طبقات: طبقة القادة، وطبقة الجند، وطبقة العامة.

والقادة هم الفلاسفة والحكماء، فالرجل السياسي إذن هو الفيلسوف الحكيم، وهو أحق أبناء الأمة أن يسوسها ويتصدى لتعليمها وتدبير أمورها.

ومن المعلوم أن أفلاطون يشبِّه المفكر الذي يعيش في عالم الفكر المجرد بالرُّوح التي تسبح في عالم الضياء، ويشبِّه أبناء الدنيا المغمورين في شهواتها ومطامعها بسُكَّان كهف تنعكس على جدرانه الظلال، فلا يعرفون من الحقائق إلا بمقدار ما تعرف الأجسام من الظلال.

وليس بالميسور أن يتخلى الحكيم باختياره عن عالم النور الذي يسبح فيه بين الأرباب والأرواح، ولكنه مَدِينٌ لقومه بالهداية والتهذيب، وعليه أن يبرئ ذمته من دينه بالدخول معهم في ذلك الكهف حينًا بعد حين. وكلما دخله متكرِّهًا متبرِّمًا كان ذلك أدعى إلى الإخلاص في حكمه والتجرُّد من الغاية في عمله؛ لأن الذي يطلب الحكم متلهفًا عليه إنما يطلبه لغرض يثنيه عن توخي المصلحة الكبرى، ويشغله بإفادة نفسه عن إفادة محكوميه.

ولا جُناح على الرجل السياسي عند أفلاطون أن يحتال على تربية الرعية بالعقائد الخيالية والأكاذيب المُلفَّقة؛ لأن المبالغة في تمثيل الفضائل المحبوبة أمر لا مندوحة عنه في تشويق القاصرين إلى مآثر الراشدين؛ فهو من هذه الوجهة يأخذ من فيثاغوراس كما يأخذ منه في ضروب شتى من مسائل المَلَكات الروحية والأخلاق.

***

ومعيار الحكم القويم عند أرسطو هو الحكم لمصلحة المحكومين، وعنوان الحكم الفاسد عنده هو الحكم لمصلحة الحاكمين. وهو يقسم الناس إلى قسمين في شئون السياسة: قسم شبيه بالآلات، وقسم شبيه بالصناع الذين يستخدمون تلك الآلات.

والقادة المُدرَّبون هم الصُّنَّاع الذين يُحسِنون استخدام هذه الآلات الآدمية، ولكنهم لا يكتفون بتحقيق حاجاتها لأن الاكتفاء بهذا إبقاء لها في موضعها من العجز والجهالة، وإنما يحكمونها لتحسين أحوالها والارتقاء بها من طبقة إلى طبقة في معارج الآدمية المختارة، أو الآدمية التي لا تشبه الآلات.

وخير القادة في رأيه هم القادة الذين تتساوى أقدارهم، وتتقارب حظوظهم في المعاش ومتع الحياة، فلا يتنافسون ولا ينصرفون عن تدبير مصالح الرعية إلى التناظُر في جميع الأموال والتهافُت على أسباب النفوذ والسلطان، وأَحَقُّهُم بالحكم من كان الحكم في تقديره تكليفًا يؤديه ولم يكن شهوة تعنيه وتستهويه.

***

وانقضى دور الفلسفة اليونانية وجاء بعدها دور الحكمة الدينية، وأقدم دعاتها في العصر المسيحي القديس أوغسطين.

وقد بدأ القديس أوغسطين في تأليف كتابه الضخم عن مدينة الله De Civitate Dei في سنة ٤١٣ للميلاد، ولم يفرغ منه إلا في سنة ٤٢٦.

وخلاصة هذا الكتاب الضخم أن مدينة الله قد بدأت بخلق الملائكة والأرواح النورانية، وتقابلها المدينة الأرضية Civiatas Terrena وقد بدأت بسقوط الشيطان.

ولا يفهم من هذا أن القديس أوغسطين يعني سلطان الكنيسة بكلامه عن المملكة السماوية، أو أنه يعني سلطان الدولة بكلامه عن مملكة الأرض تارة ومملكة الشيطان تارة أخرى. ففي عصر القديس أوغسطين لم يكُن للكنيسة سلطان يقارن سلطان الدولة، وليس سلطان الكاهن خاليًا في رأيه من الشواغل الأرضية، أو منقطعًا للشواغل السماوية. وربما اعترف لبعض الوثنيين بالفضائل المحمودة قبل دعوة السيد المسيح عليه السلام، وإن كانت فضائلهم للمجد والجاه، ولم تكن فيها استجابة لأوامر الله.

إنما كان الفارق الواضح في أطواء الكتاب كله بين مدينة السماء ومدينة الأرض هو الفارق بين مجمع القديسين ومجمع الضائعين أو الضالِّين، وإلى الله وحده يرجع الحكم في تمييز هؤلاء من هؤلاء، ولعل القديس لم ينسَ سنواته الطوال في اعتقاد المانوية حين قسم السلطان هذه القسمة بين السماء والأرض، وبين النور والظلام.

وزُبدة ما يُستفاد من هذه التفرقة أن العامل في مملكة السماء يتجاوز هذا العالم الدنيوي إلى العالم الآخر، ويقيم على الأرض دعائِم مدينة السماء، وأن العامل في مملكة الأرض قد يمزج الخير بالشر كما يمتزجان في الحياة الدنيوية، ولكنه من حزب الشيطان إن لم يكُن في دولته نصيب للمملكة الإلهية. وفيصل التفرِقة بين العاملين على وجه الإجمال أن ذكر النفس ونسيان الله هو علامة مدينة الأرض، وأن ذكر الله ونسيان النفس هو علامة مدينة السماء. وكيفما كان الأمر فالكنيسة على ما كانت عليه في عصره أحق بالطاعة من الدولة، وأمر الأحبار الذين يدينون الناس باسم الله، مُقَدَّمٌ على أمر الحكام الذين يُخضعون الناس بقوة الدول والجيوش.

ويعتبر القديس توما الإكويني تلميذًا للقديس أوغسطين في الحكمة الدينية، كما يُعتبر تلميذًا لأرسطو في الحكمة الفلسفية؛ ولهذا يجمع بين مذهب الأستاذَيْن في تعريفه للسياسة، ويقول كما يقول أرسطو بأن الإنسان مدني بالطبع، وأن الحاكم الأمثل هو الحاكم الذي يحقق مصالح الجماعة، وينبغي أن يطاع لأن اجتماع القوة في يديه يُعينه على خدمة رعاياه، ولا يجوز إصلاح الحكم بالتمرُّد أو الثورة بل بالنصح والتزام الحدود القانونية، ولكن الحاكم مسئول أمام الكنيسة لأنه يتولَّى الحكم باسم الله، والكنيسة هي التي تُفصح للناس عن إرادة الله.

فالرجل السياسي على هذا هو وكيل الكنيسة على الأرض، والكنيسة هي وكيلة السماء.

أما الرجل السياسي في الإسلام فهو وكيل الشعب؛ لأنه يتولى أمره آخر الأمر بالمبايعة، ومن ثَمَّ فهو وكيل الله لأنه مسئول أمام الله عن رعاياه. وجاء في حديث النبي عليه السلام: «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه. ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته.»

والخارج على السلطان آثم، ولكنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وخير الولاة في الإسلام كخيرهم في حكمة أفلاطون وحكمة أرسطو، فقال عليه السلام: «تجِدُون من خير الناس أشد كراهة لهذا الأمر حتى يقع فيه.» وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتَها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطيتَها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها.»

***

وقد انقسم الفلاسفة من العصور الوسطى إلى العصر الحاضر إلى قسمين في تعريف الرجل السياسي، وهما أنصار الحكم المطلق وأنصار الحرية الفردية أو الحكومة النيابية، فعلى رأس الفريق الأول: ماكيافلي الإيطالي، وهوبس الإنجليزي، وجروتيوس الهولندي، وهيجل الألماني. وعلى رأس الفريق الثاني: جون لوك وجون ستيوارت ميل وهربرت سبنسر من الإنجليز، وفولتير وروسو من الفرنسيين.

فالحاكم عند ماكيافلي مُطالَب بواجب واحد، وهو حفظ النظام، وتوفير أسباب الرفاهة للمحكومين، وفي سبيل ذلك يجوز له الخروج على قوانين الأخلاق والبطش بمن يثيرون القلق ويشغبون على الحكومة، ولا وسيلة عنده غير هذه الوسيلة لبلوغ الآحاد مبلغهم الذي يَصبُون إليه من الحرية والثقافة، فلا يُعاب السياسي عنده بالغدر والقسوة والكذب والنفاق؛ لأنها ضرورات لا غنى عنها لعلاج الفساد في عصور الفساد ولا يفل الحديد إلا الحديد.

والحاكم عند هوبس هو الحاجز الذي لا بد منه بين محكومين مطبوعين على العدوان؛ إذ من حق كل إنسان في عُرفه أن يفعل ما يشاء، وعليه أن يحمل التبِعة كلها فيهلك بين المطامع المتضاربة، أو ينزل عن هذه التبِعة لحاكم مطلق السلطان يتولى المُحاجَزَة بينه وبين سائر الآحاد، فهو إذن مختار في النزول عن بعض ما يختار.

ومذهب جروتيوس الهولندي قريب من هذا المذهب في إجماله دون تفصيله؛ لأنه يرجع بالسلطان المطلق إلى القانون المتَّفق عليه، فالحاكم في مذهبه هو مُنَفِّذُ القانون المودع بالفطرة في طبائع البشر، وليس هو المرجع الأخير في وضع القانون.

والحاكم في مذهب هيجل هو رمز الفكرة المطلقة أو الفكرة الإلهية، وإنما ينوب بهذا الرمز عن الدولة التي هي الأقنوم الإلهي في تاريخ البشر، وقد كانت الدولة البروسية في تقديره هي الأقنوم الأعلى الذي يستحق مع الزمن أن يمثل الفكرة الإلهية في الكرة الأرضية بأسرها، فينتهي التاريخ إلى انتصار الفكرة من هذا الطريق، ويبلغ الفكر حريته المُثلى بهذا الانتصار.

وتبدو المسافة بعيدة بين ماكيافلي وهيجل في الزمن والنزعة العقلية، ولكنهما كثيرًا ما يتلاقيان في تعظيم الحاكم العظيم والارتفاع به عن قيود الأخلاق؛ فإن هيجل الفيلسوف المثالي لَيقول كما قال ماكيافلي «الواقعي» المداوِر بين الفرص: إن رجالًا كالإسكندر وقيصر ونابليون لذوو حق — بما لهم من عظمة — في إعفاء أنفسهم من قيود الأخلاق التي يتقيد بها سائر الناس.

***

أما الحاكم في مذهب القائلين بالحرية الفردية والحكومة النيابية فهو بطبيعة الحال كل من أوتي الصفات التي تُكسبه أصوات الناخبين. إلا أن هذه الصفات تختلف على حسب الإطلاق أو التقيُّد في حقوق الانتخاب.

فجون ستيوارت ميل يحصر الانتخاب في طائفة منتقاة، وروسو ينكر الانتخاب ويرجع إلى الشعب كله، وبين حاكم هذا وحاكم ذاك فرق كبير، وإن كان كلاهما من أنصار الحرية وخصوم الاستبداد؛ لأن الصفات التي تُرضي الطائفة المنتقاة غير الصفات التي ترضي جمهرة الناس بلا استثناء.

وكذلك يختلف وصف الحاكم بين أنصار الحكومة النيابية على حسب الاختلاف في تقدير الشخصية الإنسانية أو الحرية الفردية، فالحرية الفردية عند سبنسر غاية مقصودة وسيلتها الحكومة، وليس لحاكم نيابي أو غير نيابي من الحق في الحكم إلا على شريطة واحدة، وهي أن ينال الآحاد وسعهم من الحرية، وتنحسر سيطرة الحكومة في أضيق الحدود.

***

ويلاحظ أن نهضة العلم التجريبي كانت لها علاقة وثيقة بتعزيز المذاهب الحرة في السياسة العامة، فإن الحتم المأثور Dogma يناسب الاستبداد، ولكن الحتم المأثور لا يثبت على الدوام في زمان يتعلق فيه الصواب والخطأ بالتجربة والامتحان، ويتعرض فيه كل رأي للمناقشة والتفنيد.

وعلى هذا النحو يُلاحظ أن ضخامة الصناعات كانت لها علاقة بأحدث التطورات التي انتهت إليها الآراء في صفة الرجل السياسي الجدير بتصريف المَرافق العامة، كما يفهمه المعاصرون، ولا سيما الأمريكيين.

فالرجل الجدير بتصريف هذه المرافق في رأي دعاة الحكومة الفنية Technocracy هو الرجل الذي تَخصَّص في الصناعات، وفيما له علاقة بتقويم المصنوعات، وتسعير السلع، واختراع الآلات، ومراقبة أحوال الاقتصاد.

والمشكلة القائمة اليوم هي مشكلة التوفيق بين حكم الفنيين وحكم الساسة المنتخبين. فالرجل الفني لا يعرف ميدان الانتخاب ولا يظفر بأصوات الناخبين، والرجل الذي يعرف هذا الميدان ويظفر بالأصوات لا يدرك المسائل الفنية التي تعقدت في عالم الصناعة وعالم الاقتصاد.

لكن المشكلة لن تُحَلَّ إلا من طريق التعاوُن بين هذا وذاك، وإنما يتأتَّى هذا التعاون إذا كانت شروط الانتخاب كفيلة باختيار قوم لا يتوقف ترشيحهم على الشعوذة والدعاية الوضيعة، وكان للمختصين بالفنون مكان ثابت في الحكومات لا يتأثر بالتقلُّب بين الأحزاب والدعاة، ويومئذٍ يصبح الرجل السياسي في المستقبل هو ذلك الذي يضمن للفنيين حرية العمل والمثابرة عليه، ويُعفيهم من إقناع الجمهور على اختلاف طبقاته وآرائه.

أما أن ينفرد الفنيون بالحكم عنوة فهذا مستحيل في عهد الحرية الفردية، وتعوزهم — ولا شك — وسائله السياسية.

وأما أن يحكم الساسة المنتخَبُون بمعزِل عن ذوي الفن والاختصاص فهذا مستحيل في عهد يتوقف فيه قيام الدول وسقوطها على الاختراع، ويتوقف فيه تدبير الثروة على عُقد فنية قد تعيي الخبراء المتفرغين لها، فضلًا عن غير الخبراء.

وبهذا يُصبِح الرجل السياسي في العصر الحديث هو الرجل الذي يحرس الحرية، ويضمن الانتفاع بالخبرة الفنية، ولو سمح الزمان بمثل هذا الرجل أو بأمثال هؤلاء الرجال لرجح العصر الحديث برجله السياسي على عصور التاريخ كله، وكان هذا السياسي الأخير أحق من أسلافه الأقدمين بانتمائه إلى الله وتقديسه من الناس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.