ذكرنا في مقال سابق أن تجربة مصر في التنمية وهي في نهاية القرن العشرين تضعها في مرتبة متوسطة بالمقارنة مع باقي الدول النامية؛ حيث تتفق مع السياق العام لمجمل هذه الدول، فلا هي تقدمت الصفوف كما «دول المعجزة» الاقتصادية في آسيا، ولا هي تدهورت إلى مستوى «الدول الفاشلة» كما بعض الدول الأفريقية جنوب الصحراء، كذلك أشرنا إلى أن هذا الإنجاز المتوسط أمر يدعو إلى القلق أكثر مما يبرر الاطمئنان. لماذا؟

السبب في الشعور بخيبة الأمل هو أن أوضاع مصر الاقتصادية في منتصف القرن العشرين كانت تضعها في ظروف تبدو أفضل بكثير من جميع الدول التي حققت المعجزة الاقتصادية في نهاية القرن العشرين. ويكفي في هذا أن ننظر إلى مختلف المؤشرات الاقتصادية، فمصر كانت تتمتع بمستوى للدخل الفردي يزيد عما كان معروفًا في الهند أو الصين أو كوريا، فضلًا عن ماليزيا أو سنغافورة أو تايوان، بل إن هذه الدول الأخيرة لم تكن قد عرفت بعد مفهوم «الدولة». وقد عرفت مصر آنذاك زراعة متقدمة نسبيًّا، وكانت صادراتها عشرة أضعاف صادرات كوريا في منتصف القرن، كما تمتعت مصر بمستوى معقول من البنية الأساسية في الطرق والسكك الحديد والموانئ مع نظام بالغ التقدم في الري والصرف، فضلًا عن صناعات تحويلية لا بأس بها، كذلك عرفت نظامًا للتعليم لا غبار عليه من حيث النوعية، وإن كان قاصرًا من الناحية الكمية؛ حيث زادت معدلات الأمية بأكثر مما ينبغي. والخلاصة هي أن مصر كانت مؤهلة لأن تكون في مقدمة دول «المعجزة»؛ بحيث كان يتوقع لها أن تنجح بتقدير ممتاز في نهاية القرن، فإذا بها تتخرج بدرجة «مقبول». كيف حدث ذلك؟ وأين الخطأ؟

لقد عرفت مصر منذ بداية القرن التاسع عشر «ثورة ديموغرافية» مع ارتفاع معدلات نمو السكان، وإن واكبها في نفس الوقت «ثورة اقتصادية» تركزت في تطوير الزراعة والارتقاء بها حتى كادت تصل الزراعة إلى حدودها الإنتاجية في بداية القرن العشرين، ومع ذلك استمرت «الزيادة السكانية» بمعدلاتها المرتفعة، وهكذا واجهت مصر في تلك اللحظة التاريخية مأزقًا اقتصاديًّا؛ زيادة مستمرة في السكان رغم استنفاد الطاقة الإنتاجية المتوافرة في الزراعة. وهنا أصبحت مصر في حاجة إلى «ثورة صناعية»، وهي كانت مهيَّأة وقادرة بالفعل على إطلاق هذه الثورة، ولكن محاولاتها جاءت قاصرة، وهذا هو نفس الوقت (النصف الثاني من القرن العشرين) الذي انطلقت فيه دول «المعجزة الاقتصادية» في آسيا إلى التصنيع بتصميم وكفاءة من أجل التصدير في كوريا وتايوان وفي سنغافورة وهونج كونج، وبعد قليل في ماليزيا والفلبين، وأخيرًا في الهند والصين.

وعندما نتحدث عن «ثورة صناعية»، فإن الأمر لا يقتصر على مجرد إقامة مشروعات صناعية هنا أو هناك، وإنما يحتاج الأمر إلى خلق «مجتمع صناعي» جديد مختلف السلوك والقيم والمؤسسات، كذلك فإن الحديث عن «المجتمع الصناعي» لا يعني إطلاقًا إهمال الزراعة، بل على العكس الارتقاء بها إلى مرتبة أعلى تعتمد الأساليب الحديثة. وهنا تظهر المفارقة بين السهولة النسبية التي نجحت فيها تجربة مصر الاقتصادية خلال القرن التاسع عشر، وبين التجربة الأكثر صعوبة عند محاولة الانتقال إلى «المجتمع الصناعي» منذ منتصف القرن العشرين؛ فمصر مجتمع زراعي منذ آلاف السنين، ومن ثم فقد كان من السهل تطوير الزراعة وزيادة إنتاجها دون أن يحتاج الأمر إلى تغيير جوهري في أسلوب الحياة أو في المؤسسات. وهذا هو ما تحقق في مصر إلى حد بعيد خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. أما الانتقال إلى «المجتمع الصناعي» فإنه يتطلب تغييرًا جوهريًّا في «العقلية» وفي المؤسسات وفي القيم السائدة. والمشكلة هي أننا لم ننجح بدرجة كافية في تغيير المؤسسات المدنية والسياسية لمواجهة متطلبات المجتمع الصناعي. وهي تغيرات تتناول مساحة عريضة تمتد من التعليم إلى توفير البنية الأساسية إلى خلق مناخ قانوني سليم وإقامة المؤسسات السياسية المناسبة.

وعندما جاء محمد علي إلى مصر كان عدد سكانها يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين نسمة، وكان حجم الرقعة الزراعية حوالي ٢٫٥ مليون فدان (أي معدل فدان لكل فرد). وبدأ محمد علي بإصلاح نظم الملكية والاستغلال الزراعي، فألغى «نظام الالتزام» حيث أصبحت الأراضي في ملكية الوالي، واحتكر التجارة الخارجية، وقام باستثمارات هائلة في نظم الري والصرف وشق الترع الجديدة، وإنشاء القناطر والجسور، وأدخل محصول القطن لأول مرة، وطور ميناء الإسكندرية، وبدأ في نفس الوقت ثورته الصناعية (قبل ستين عامًا من بدء تجربة اليابان).

وقد أُجهضت تجربة محمد علي الصناعية بعد هزيمته أمام البريطانيين، وفرض معاهدة ١٨٤٠ التي حرمته من الحماية الجمركية، فضلًا أنه كان قد واجه أيضًا صعوبات محلية نتيجة عدم توافر مصادر للطاقة المحلية. ومع استقرار الحكم واستتباب الأمن من جهة، وانتقال الزراعة من نظام الري بالحياض إلى نظام الري الدائم من جهة أخرى، زادت إنتاجية الزراعة بشكل كبير. واستمرت الإصلاحات في القطاع الزراعي مع خلفاء محمد علي؛ فبدأ الاعتراف بالملكية الفردية — على نحو محدود — مع سعيد باشا، واستقر الأمر تمامًا مع الخديوي إسماعيل مع صدور القانون المدني المختلط والأهلي، كذلك أعيد تنظيم القضاء مما وفر مزيدًا من الحماية للملكية العقارية. واستمر التوسع في إنشاء القناطر والجسور وشق الترع والمصارف. ومع قيام الحرب الأهلية في أمريكا (١٨٦٤) أصبح محصول القطن أهم مورد للصادرات، وتجاوزت الزراعة مرحلة الزراعة المعيشة، واندمج المزارعون في اقتصاد السوق، وفي نفس الوقت افتتحت قناة السويس، وظهرت مدن القناة. وكانت السكك الحديدية قد دخلت إلى مصر في عهد سعيد باشا كثالث أو رابع دولة في العالم، وذلك قبل اليابان أو السويد. وكان إسماعيل باشا قد قبِل تأسيس «الجمعية التشريعية» كأول برلمان، وذلك قبل أن تعرف إيطاليا وألمانيا المجالس البرلمانية. وإذا كان الاحتلال البريطاني قد عطل مسار النهضة الداخلية شيئًا ما، فقد حرص الاستعمار — لمصالحه — على تدعيم وتطوير الزراعة وخاصة زراعة القطن وزيادة إنتاجية الأرض.

وعرفت مصر عند نهاية القرن أفضل نظم للري والصرف في العالم، وأصبحت أكثرها تقدمًا في هذا المجال، وقبل نهاية القرن تم بناء خزان أسوان، وتمت تعليته ثلاث مرات آخرها في ١٩١٢. ومع دخول مصر في أتون التجارة العالمية سواء في تصدير القطن أو نتيجة لفتح قناة السويس تحسنت إحصاءات التجارة الخارجية، وبدأ وضع أسس نظام مصرفي، وأنشئت سادس بورصة للعقود (الإسكندرية) في العالم، وازداد الاهتمام بالتعليم. وكان محمد علي قد بدأ بإدخال التعليم المدني إلى جانب التعليم الديني؛ فأنشأ مدارس للطب والهندسة والألسن، وزاد عدد المدارس الحكومية مع إسماعيل باشا، كما تم وضع أساس الجامعة المصرية في ١٩٠٨ التي تحولت إلى جامعة رسمية ١٩٢٥، أي نفس السنة التي أنشئت فيها الجامعة العبرية في القدس.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى حصلت مصر على استقلالها (النسبي) ١٩٢٢، ووضع دستور ليبرالي لها ١٩٢٣، وجاء إنشاء بنك مصر ١٩٢٠ تجسيدًا لاهتمام الرأسمالية الوطنية بالقطاع المالي والتصنيع. وأنشأ بنك مصر العديد من الصناعات للغزل والنسيج (في المحلة الكبرى)، والسكر ثم الأسمدة، مع الاستثمار في الملاحة التجارية، بل وفي السينما أيضًا حيث أنشئ أستوديو مصر، وأصبحت صناعة السينما المصرية أحد أكبر هذه الصناعات في العالم، كما أسست شركة للطيران، وفرض إسماعيل صدقي أول تعريفه جمركية ١٩٣٠ لحماية الصناعة المصرية. وفي خلال الحرب العالمية ومع اضطراب المواصلات البحرية، انتعشت الصناعات المحلية، والتي أصبحت تزود بعض احتياجات السوق فضلًا عن احتياجات قوات الاحتلال البريطاني.

وهكذا لم يكن غريبًا أن تكون مصر في منتصف القرن العشرين أحد أقدر الدول الفقيرة وأكثرها تقدمًا وتأهلًا لتحقيق اختراق اقتصادي واضح، وليس معنى ذلك أن مصر كانت جنة أو بلا مشاكل في منتصف القرن الماضي، بل إنها كانت تعاني في الواقع من مشاكل اجتماعية وطبقية عميقة كما في معظم الدول الفقيرة، ولكنها كانت، على الأقل، تتمتع بظروف مناسبة للانطلاق الصناعي، مع حاجتها إلى مزيد من العدالة الاجتماعية. فماذا حدث؟

لم تفشل مصر كليًّا، ولكنها — على عكس المأمول — لم تتقدم الصفوف وتحقق اختراقًا اقتصاديًّا، وإنما تخرجت بدرجة «متوسط»، وقفز إلى المقدمة دول أخرى كان الاعتقاد السائد أنها أقل استعدادًا للتقدم … لماذا؟ ببساطة لأن مصر لم تنجح في القيام «بثورتها الصناعية» المطلوبة بعد أن وصلت الزراعة التقليدية فيها إلى ما يقرب من حدودها المادية، في حين واصلت الزيادة السكانية رحلتها دون توقف. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.