ليس من شك في أن الشرق الأدنى سيشغَل الرأي العالمي العام إلى حَدٍّ بعيد في هذا اليوم وفي الأيام المقبلة التي تليه. بل ليس من شَكٍّ في أنه سيكون أهم ما يشغل الرأي العالمي العام بعد شئون الحرب في هذه الأيام. فهناك حادثان خطيران في الشرق الأدنى سيكون لهما أبعد الأثر وأعمقه في الحياة العالمية المقبلة. أمَّا أولهما فيحدث في القاهرة بعد ظهر اليوم حين يجتمع مؤتمر الجامعة العربية، وحين يُوقَّع ميثاق هذه الجامعة، وحين تصبح هذه الجامعة حقيقةً واقعةً ومؤثرًا خطيرًا في حياة الأمم التي تشترك فيها من جهة، وفي العَلاقة بين هذه الأمم وبين العالم الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى.

ويكفي أن ينظر أيسر الناس ثقافة وأقلهم علمًا بشئون الحياة العالمية إلى حال البلاد العربية في أول هذا القرن، ثم فيما بين الحربين العظيمتين، ثم فيما تستقبل هذه البلاد من حياتها الجديدة منذ اليوم؛ ليرى أن الشرق العربي قد خطا خُطُوات بعيدة هائلة، لا في سبيل استرجاع حريته واستقلاله فحسب، بل في سبيل إقناع العالم الأوروبي والأمريكي بأن له حقوقًا يجب أن تُرد وحرمات يجب أن تُرعى وكرامة يجب أن تُحفظ.

فقد كانت هذه البلاد العربية كلها خاضعة لسلطان الترك العثمانيين خضوعًا يختلف قوةً وضعفًا، ولكنه خضوع على كل حال. وكانت مصر تمتاز عن هذه البلاد في أول هذا القرن بحُرِّيَّة داخلية وخارجية مدخولة إلى حدٍّ بعيد. كانت مصر حرة حرية محدودة بالقياس إلى تركيا، ولكن الجيوش البريطانية كانت تحتل أرضها، والسياسة البريطانية كانت تسيطر على أمرها. وكانت مصر على ذلك أحسن حالًا من جاراتها، فيها حرية الرأي موفورة، وحرية الأفراد والجماعات مكفولة. وكانت القاهرة من أجل ذلك مثابة وأمنًا، تهوي إليها أفئدة العرب من جميع البلاد العربية، ويأوي إليها الذين كان يخيفهم السلطان التركي، فيجدون فيها الأمن والحرية، ويُظهرون فيها من النشاط ما ينفعهم وينفع المصريين على السواء.

ثم كانت الحرب الماضية، واختلفت على هذه البلاد العربية خطوب معروفة، وانتهت كل هذه الخطوب إلى خير محدود، ولكنه خير لا شك فيه. فقد استردت مصر كثيرًا من استقلالها، ولا تزال تطلب ما بقي لها منه، وخطت بلاد العراق خطوات واسعة، فحققت من استقلالها مثل ما حققت مصر، واستردت جزيرة العرب استقلالها كاملًا، وظفرت سوريا ولبنان باستقلال كان يشوبه الانتداب، ثم تحررت من هذا الانتداب بعد أن تقدمت هذه الحرب. ومن المحقَّق أن الفرق بين حياة هذه البلاد في أول هذا القرن وحياتها بين الحربين العظيمتين هائل حين ينظر إليه الأجنبي من أهل أوروبا وأمريكا، ولكنه بعيد عن أن يرضينا نحن لأن مُثُلَنَا العليا أعظم جدًّا ممَّا بلغنا وأجلُّ خطرًا من هذا الطور الذي انتهينا إليه. ومن المُحقَّق أيضًا أن الخطوة التي نخطوها اليوم ستكون خطوة حاسمة في تاريخ هذا الشرق العربي؛ لأنها ستَثِب بها وثبة عظيمة إلى مثله العليا.

كان الشرق العربي خاضعًا في أول هذا القرن ثم أصبح حرًّا في وسط هذا القرن، ثم هو يشتغل بتنظيم أمره ويشارك في تنظيم العالم منذ اليوم. كل هذا ولم ينتصف القرن. يستطيع المتشائمون أن ينظروا إلى هذا التطوُّر بما يحب لهم تشاؤمهم من سوء الظن، ويستطيع الماكرون من ساسة الغرب أن يُظهروا الرضى ويضمروا السخط، وأن يعلنوا إكبار هذا التطور ويُسِرُّوا الاستخفاف به. فكل هذا لن يغير من الحق شيئًا. والحق هو أن في هذا الشرق العربي جذوة من الحياة الحرة لم تنطفئ قط، ولكنها قد أخذت تتوهَّج منذ أول هذا القرن حتى ملأت شرق البحر الأبيض المتوسط قوةً وحرارة ونورًا، وأصبحت أقوى من أن تُغلب، ووضعت الاستعمار الأوروبي وضعًا يَضطره إلى أن يتراجع شيئًا فشيئًا، سواء أرضيَ ذلك أم كان له كارهًا.

وممَّا يملأ قلوب المصريين رِضى وغبطةً، ويشيع فيها عزةً وفخرًا أن مصر قد كانت لها في كل هذا التطور منزلتها الممتازة؛ فهي التي سبقت إلى التحرُّر من سلطان الترك العثمانيين في القرن الماضي، وهي التي دعت إخوانها العرب إلى أرضها وأظلَّتهم بظلها حين كان ضغط هذا السلطان عليهم شديدًا. وهي التي فتحت باب التحرر من النفوذ الأوروبي، وسبقت إليه، ورسمت الخُطَط للراغبين فيه. ثم هي التي دعت إلى المشاورات العربية لتنظيم التعاوُن بين بلاد الشرق العربي، ثم هي التي وضعت الأساس المتين لهذا التعاون في اجتماع الإسكندرية في أكتوبر الماضي. ولن ينسى العرب ذلك الصوت العربي المصري الذي أذاع فيهم بروتوكول الإسكندرية في مساء السبت السابع من أكتوبر سنة ١٩٤٤. ولن ينسى العرب هذه الأصوات العربية التي ستذيع فيهم مساء اليوم أن هذا البناء الذي وُضِع أساسه في أكتوبر الماضي قد تم تشييدُه، وأخذ منذ اليوم في مواجهة الحوادث ومغالبة الخطوب. فمن حق مصر أن ترضى، ومن حق العرب أن يبتهجوا، ومن حق الشرق العربي أن يستقبل الحياة الجديدة بآمال لا حَدَّ لها. ومن الحق على هذا الشرق العربي مع ذلك ألَّا ينسى ولن ينسى أن الحياة ليست آمالًا فحسب، وإنما هي آمال وأعمال.

فهذا أحد الحادثَيْن اللذين سيشغلان الرأي العالمي العام في هذه الأيام. فأمَّا الحادث الآخر فهو لا يشيع في القلوب رِضًى، ولا في النفوس ابتهاجًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعو إلى اليأس، ولا يدفع إلى القنوط. وهو هذا الذي طرأ على العَلاقات التركية الروسية من التعقيد. فقد كانت الأمور مستقرَّةً بين هاتين الجارتين على هذه المعاهدة التي تضمن المَوَدَّةَ والتعاون وحسن الجوار، والتي عُقِدَتْ سنة ١٩٢٥، ثم بدا لروسيا فأنبأت جارتها بأنها لن تجدد هذه المعاهدة كما هي؛ لأن الظروف التي طرأت وأخذت في تغيير العالم تجعلها في حاجة إلى كثيرٍ من التعديل. ومعنى هذا أن روسيا ستسلك مع جارتها إحدى طريقين؛ الأولى: أن تعرض عليها ما تقترح من تعديل للمعاهدة؛ أي أن تتقدم إليها بمطالِبَ تكون موضوعًا للمفاوضات. الثانية: أن تحتفظ كل من الجارتين بحريتها، وأن تعيش كما تعيش الدول المسالمة متعرضتين لما يمكن أن يعرض من الحوادث أو يطرأ من المشكلات.

وليس من المفيد أن نبحث عن الأسباب التي دعت روسيا إلى خطوة الغضب هذه التي خطتها أمس. فهذه الأسباب واضحة كل الوضوح. وليس كل الناس يستطيع أن يَتَّئِدَ ويستأني ويصطنع الرزانة التي هي أشبه شيء بالبرود كما يفعل الإنجليز، بل من الناس من يرى أن هذه الأناة ضعف، وهذه الرزانة بلادة يأباها طبعه ومزاجه. والواقع أن تركيا وقفت من الحلفاء أثناء هذه الحرب موقفًا أقل ما يوصف به أن ظواهره على الأقل كانت تثير الغيظ وتدفع إلى الحرج.

فهي كانت على أصفى ما يكون من الود مع جارتها روسيا، وهي قد تلقَّت من جارتها روسيا كثيرًا من العون المادي والمعنوي على تحرير أراضيها واسترداد مكانتها بعد الحرب الماضية. وهي قد كانت أشبه شيء بالحليفة لروسيا. ثم لم تكَد هذه الحرب تدنو حتى عقدت حلفها مع الدولتين الغربيتين فرنسا وإنجلترا، وكان هذا كله يؤذِنُ بأنها لن تقف موقف الحياد المتصل حين تصل الحرب إلى الشرق الأدنى. ولكنها مع ذلك وقفت موقف الحياد المتصل حين اعتدت إيطاليا وألمانيا على حلفائها في البلقان، وحين كان موقف حلفائها في غرب أوروبا بالغًا أشد الحرج، ثم وقفت موقف الحياد المتصل حين كان هتلر يُخيِّل بالقول والعمل إلى الناس أن القوة الروسية ستنهار، وحين بلغت جيوش الألمان القوقاز.

ثم هي لم تقِفْ عند هذا، ولكنها كانت كلَّما اشتدت الحرب أكدت صداقتها لألمانيا. فأمَّا فرنسا فلم تكُن تستطيع أن تصنع شيئًا أو أن تقول شيئًا. وأمَّا بريطانيا وأمريكا فقد اصطنعتا الصبر والمصابرة ثم انتهتا إلى الإنذار والوعيد. أمَّا الروسيا فقد كظمت غيظها وآثرت صمتًا مَهِيبًا مريبًا، ثم كانت الهزيمة الألمانية، وكان الاستعداد لتنظيم العالم. وإذا تركيا تعلن الحرب لتشترك في هذا التنظيم، وإذا هي تُدعى للاشتراك في هذا التنظيم. فأمَّا فرنسا فهي لم تقُل شيئًا، وليس لها أن تقول شيئًا؛ لأنها رفضت أن تكون داعية إلى مؤتمر سان فرنسسكو، ولكن هذا لم يمنع صحفها وإذاعتها من أن تُظهر شيئًا من الامتعاض المر، وهي لم تنسَ بعدُ أنها أسخطت العالم العربي حين أعطت تركيا سنجق الإسكندرونة. وأمَّا بريطانيا العظمى وأمريكا فقد أعرضتا عن الماضي وفكَّرتا في مستقبل السلم، فرحبتا بانضمام تركيا إلى الأمم المتحدة.

وأمَّا روسيا فهي قد دعت تركيا مع الداعين إلى سان فرنسسكو، ولكنها لم تُخْفِ ما كان في نفسها من مُوجِدَة، فاندفعت صحفها وإذاعتها في نقد الموقف التركي إلى حدٍّ بعيد. ثم آذنت تركيا بأنها لن تجدد المعاهدة القائمة بينهما لأنها في حاجة شديدة إلى التعديل. وواضح أن هذا الحادث قد وقع موقعًا شديدًا في البلاد التركية أولًا، وفي عواصم الحلفاء بعد ذلك، وأنه سيدعو إلى كثيرٍ من القول وإلى كثيرٍ من التفكير، ولكنه على ذلك لن يكون مثيرًا لخوف أو ريب. ومصدر ذلك شيئان؛ أحدهما: أن في السياسة من المرونة ما يمكن من إصلاح الفاسد وتقويم المعوج واستئناف الود بين الجارتين، الثاني: أن هذه المؤتمرات التي ستعقد لتنظيم العالم وإقرار السلم ستجد من الوسائل من غير شك ما يعصم الجارتين ممَّا يمكن أن يضطرهما إلى سوء الخلاف.

ومن الحق أن مستر تشرشل قد صرَّح في مجلس العموم البريطاني أخيرًا بأن ليس من سبيل إلى أن ننكر الحقائق الواقعة ونجحد البديهيات. ففي العالم أمم كبيرة وأمم صغيرة، وفي العالم دول قوية ودول ضعيفة، ولا سبيل إلى إنكار ذلك ولا إلى إنكار ما يترتب عليه من النتائج. ولكن من الحقِّ أيضًا أن الأستاذ بيفردج قد أحسن التحليل للمشروع الذي سيكون موضوع البحث في سان فرنسسكو.

وأخص ما يظهر واضحًا جليًّا، هو أن تركيا إن لم تكُن حليفة لروسيا، فهي حليفة لبريطانيا العظمى وصديقة لأمريكا؛ وإذن فليس من شك في أن الأمور ستجري على النحو الذي يكفُل السلم في الشرق الأدنى، وتبيح لتركيا أن تستقبل حياتها في العالم الجديد كما تستقبلها الأمم الأخرى في كثيرٍ من الأمل الذي تَحُفُّهُ المشاكل والذي يحتاج إلى كثيرٍ من العمل أيضًا.

ومهما يكُن من شيء، فسيكون الشرق الأدنى موضوع الحديث والبحث في هذه الأيام. ولعله أن يشغل الرأي العالمي العام عن شئون بولندا التي تزداد تعقيدًا لتدنو إلى الحل، وعن شئون رومانيا التي ما زالت مرتبكة، والتي اقتضت مشاورات بين الحلفاء الذين ائتمروا في القرم. ومَن يدري لعل أحداث الحرب في الشرق والغرب أن تذهل العالم إلى حينٍ عن كل هذه الأحاديث.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.