لتكن عادلة أو جائرة، فليس هذا هو المهم؛ لأن هذه الأيام تمتاز بأنها لا تحفل بالعدل والجور وإنما تحفل بالحقائق الواقعة، وهذه القسمة حقيقة واقعة فيما يظهر، نريد أن ننكرها فتُكْرِهنا على أن نؤمن بها، ونريد أن نَشُكَّ فيها فلا نجد إلى الشك فيها سبيلًا.

وهذه القسمة قد تولتها الظروف، وأنت تستطيع أن تحلل الظروف كما تشاء، فبعضها قوة لا تُرَدُّ، وبعضها ضعف لا يُقاوَم، وبعضها اضطراب لا يستقر.

وقد تحالفت هذه الظروف كلها على أن تُقسِّم أمور هذا البلد الشقي في هذه الأيام السُّود، بين المندوب السامي البريطاني وبين الوزارة المصرية القائمة، فتجعل لهذا شطرًا ولهذه شطرًا آخر.

وواضح جدًّا أن ظروف المندوب السامي قوة كلها، وأن ظروف الوزارة القائمة ضعف كلها، وأن ظروفًا أخرى بين المندوب السامي وبين الوزارة كلها تردد واضطراب؛ فليس غريبًا إذن أن يكون للمندوب السامي أوفر الشطرين وأقومهما، وأن يكون للوزارة أيسر الشطرين وأقلهما شأنًا، وأن يقف المصريون بين هذين المقتسمَيْن ينظرون وقلوبهم يملؤها الأسى ويفعمها الحزن اللاذع العميق.

فأما المندوب السامي فقد أرادَتْ ظروفُه — وكلها قوة كما تَعْلَمُ — أن تجعل إليه حماية مصر في هذه الأيام، وحماية مصر بأوسع معاني هذه الكلمة وأشملها وأدقها وأدناها إلى التحقيق؛ فالمندوب السامي يفتش على حدودنا في الشرق والغرب ليكون على علم صادق محقق بما تحتاج إليه حماية هذه الحدود، والمندوب السامي يفتش على جيشنا ليكون على علم صادق محقق بحاجة هذا الجيش إذا دَعَتِ الظروف إلى استخدامه لحماية هذه الحدود أو لحماية مصر في داخلها، والمندوب السامي يفتش على شرطتنا ليكون على علم صادق محقق بقدرة هذه الشرطة على حماية الأمن وإقرار النظام إذا احتاج الأمن إلى حماية، أو احتاج النظام إلى إقرار.

فالمندوب السامي إذن يُعنَى بحماية مصر حماية مادية، من غارة الأجنبي أو اضطراب الأمر في داخل الأرض. ولا تَنْسَ أن المندوب السامي يتغلغل في أعماق مصر زائرًا لبعض الوزراء أو متخيرًا لبعض الأماكن التي تصلح مُستَقَرًّا للطيارات في قلب مصر.

ثم المندوب السامي يُعنَى بحماية مصر حماية معنوية سياسية، يفاوض الفرنسيين في مسألة الدَّيْن قبل أن يفاوضهم المصريون في هذا العام، ثم هو يلاحظ أن المفاوضات لم تنتهِ إلى غايتها فيحتفظ بها ليستأنف فيها الحديث، ثم هو يشرف على هذه المشكلات التي أُثِيرَتْ في المحاكم المختلطة، ويُلاحِظ مِنْ قُرْبٍ ما يكون بين وزارتنا وبين القضاة الأجانب في هذه المحاكم مِنْ أَخْذٍ ورَدٍّ، ثم هو يرفع الأمر إلى حكومته، ويتلقى رأي حكومته فيه، ثم هو يستطيع أو تستطيع الظروف أن تؤجل المذكرة التي كانت وزارتنا تريد أن ترسلها إلى الدول حتى يستقر رأي وزارة الخارجية البريطانية على شيء، ثم تقول الصحف هنا وهناك إن أمر هذه المذكرة أصبح مشكوكًا فيه فقد ترسلها الوزارة المصرية إلى الدول مباشرة، وقد تتحدث فيها وزارة الخارجية البريطانية إلى الدول نيابة عن مصر!

ولا تَنْسَ أن المندوب السامي على عنايته بالحماية الحربية والسياسية لمصر لا يقصر في إظهار العناية بحماية المصريين أنفسهم أفرادًا وجماعات مما يُظَنُّ أن حمايتهم منه واجبة؛ فالرجل فيما يُقال معنيٌّ بقصة الاستبدالات وبقصة الكورنيش، وهو فيما يُقال معنيٌّ بأمور الري، وهو فيما يُقال يتلقَّى ما يرفعه إليه ضعاف المصريين من الشكوى؛ فيدرسه ويسأل عنه ويدخل فيه متحدثًا إلى الوزراء أو مرسلًا مَنْ يتحدَّث إليهم وإلى غيرهم من الموظفين.

والرجل بعد هذا كله وفوق هذا كله يدرس شئون الأحزاب ويفكر فيما كان، ويقدِّر ما سيكون، فإذا أضفتَ إلى هذا كله أنه مسيطر على أمور التحفظات الأربعة عرفتَ أن نصيبه من شئون مصر هو نصيب الأسد وأنه قد أخذ من الشطرين أوفرَهما وأقومهما وأوفاهما وأشدهما ملاءمة لقوة الأقوياء.

أما وزراتنا فنصيبها متواضع كما أنها متواضعة، ونصيبها ظريف كما أنها ظريفة؛ فلها تنظيم الاستحمام على السواحل، ولها ملاحظة ما يلبس الناس وما يخلعون، ولها مضايقة الصحف، ولها التشديد على الوفد حين يذهب رئيسه وحين يجيء، ولها التصرف في بعض ما يمس العزل والنقل، والتعيين والفصل على أن تستشير في ذلك من يستطيعون أن يُقدِّموا لها المشورة حين تطلبها وحين لا تطلبها، وقد يكون لها أن ترسل الوفود إلى المؤتمرات، وأن تكلف بعض الموظفين سياحات في أوروبا للبحث عن الكتب، أو لدرس شئون التعليم أثناء إغلاق المدارس في فصل الصيف، ولها — قبل كل شيء وبعد كل شيء — أن تقيم في الإسكندرية مستمتعة بجمال البحر، وصفاء الجو، وعذوبة النسيم، وأن تنتقل بين الدُّور للغذاء حينًا والعشاء حينًا آخر ولشرب الشاي مرة ثالثة، ولا بأس بنزهة بَحْرِيَّة أو رحلة إلى مرسى مطروح من وقت إلى وقت!

أرأيت إلى الظروف كيف تقسم أمور مصر بين المندوب السامي والوزارة القائمة فتُحْسِن التقسيم، وتعطي لكل منهما ما يلائم حظَّه من القوة والضعف؟! فأما الشعب المصري، فقد كانت الظروف رفيقة به شفيقة عليه، فمنحته نصيبًا يلائمه كل الملاءمة وهو الصبر على الهموم الثقال، واحتمال الخطوب التي خُلِق لاحتمالها.

وكما أن المندوب السامي يُحْسِن التصرُّف بما جعلت له الظروف، فيفتش في الشرق والغرب طائرًا حينًا وسائرًا حينًا آخر، وكما أن الوزارة تُحْسِن التصرف فيما جعلت لها الظروف فتُعَيِّن وتفصل، وتعزل وتنقل، وتأمر الناس بأن يلبسوا البرانس ولا يخلعوها حتى يبلغوا الماء، فالشعب المصري يُحْسِن الصبر ويُجِيد الاحتمال ويبتسم للخطوب وينتظر ما ستنكشف عنه الأيام.

فلنصبر معه، ولنبتسم، ولننتظر؛ فقد لا يطول هذا الانتظار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.