نظمُ الشعر في اللغة العربية فنٌّ مستقل بذاته بين الفنون التي عُرِفتْ في العصر الحديث باسم الفنون الجميلة. وتلك مزية نادرة جدًّا بين أشعار الأمم الشرقية والغربية، خلافًا لما يبدو إلى الخاطر لأول وهلة؛ فإن كثيرًا من أشعار الأمم تكسب صفتها الفنية بمصاحبة فن آخر؛ كالغناء أو الرقص أو الحركة على الإيقاع. ولكن النَّظْم العربي فن معروف المقاييس والأقسام بعد استقلاله عن الغناء والرقص والحركة الموقعة، فلا يصعب تمييزه شطرة شطرة بمقياسه الفني من البحور والأعاريض إلى الأوتار والأسباب.

وليست هذه خاصة من خواص اللغات السامية أخوات العربية. فإننا إذا أخذنا سطرًا على حدة من قصيدة عبرية، لم نستطع أن ننسبه إلى وزن محدود أو مقياس متفق عليه، ولا بدَّ من اقترانه بسطور أخرى يتم بها الإيقاع، ولا تطَّرد في قول كل شاعر ولا في سطور كل قصيدة؛ فهو والفاصلة النثرية التي يمكن أداؤها بالغناء أو بالإيقاع على حركة الرقص، متساويان.

ومن الشعر الغربي ما يُعرَف كل سطر منه بعدد من المقاطع والنبرات، ولكنه بغير قافية تنتهي إليها هذه السطور.

أما ضروب النظم التي تُلتزَم فيها القافية، فكلها في نشأتها كانت تُغنَّى أو تُنشَد على إيقاع الرقص، ثم استقلت بأوزانها المحدودة على نحو مشابه للأوزان العربية، وهي الموشحات التي اشتهرت عندهم باسم «استاترا» أو اسم «سونيت».

ويدل كلا الاسمين على أصلهما من الرقص والغناء … فإن استاترا كلمة إيطالية بمعنى الوقوف، تقابلها ستاند Stand بالإنجليزية، وسونت Sonnet من كلمة سونج Song بمعنى الغناء.

فالشعر الذي لا يُضبَط بالوزن أو بالقافية موجود في اللغات السامية واللغات الآرية، وبعضه لا يزيد الإيقاع فيه على الموازاة بين السطور بغير ضابط متفق عليه، وبعضه يُضبَط فيه الإيقاع بعدد المقاطع والنبرات، ولا ينتهي إلى قافية ملتزَمة في القصيدة أو المقطوعة الصغيرة.

إنما الوزن المقسم بالأسباب والأوتاد والتفاعيل والبحور، خاصة عربية نادرة المثال في لغات العالم. وكذلك القافية التي تصاحب هذه الأوزان.

ويرجع ذلك إلى أسباب خاصة لم تتكرر في غير البيئة العربية الأولى، أهمها سببان؛ هما: الغناء المنفرد، وبناء اللغة نفسها على الأوزان.

فالأمم التي ينفرد فيها الشاعر بالإنشاد تظهر القافية في شعرها؛ لأن السامعين يحتاجون إلى الشعور بمواضع الوقوف والترديد، ولكن الجماعة إذا اشتركت في الغناء لم تكن بها حاجة إلى هذا التنبيه؛ لأن المغنِّين جميعًا يحفظون الغناء بفواصله ولوازمه ومواضع النبر والترديد في كلماته وفقراته، فينساقون مع الإيقاع بغير حاجة إلى القوافي عند نهاية السطور. وإنما تنشأ الحاجة إلى القافية، أو وقفة تشبه القافية، عند تفاوت السطور وانقسام القوم إلى منشدين ومستمعين.

يقول العلامة «جلبرت موري» — وهو من ثقات البحث في الأوزان والأعاريض: «إن إحدى نتائج هذا الاختلاف زيادة الاعتماد على القافية في اللغات الحديثة. ففي اللغتين اللاتينية واليونانية يَنْظِمون بغير قافية؛ لأن الأوزان فيهما واضحة، وإنما تدعو الحاجة إلى القافية لتقرير نهاية السطر وتزويد الأذن بعلامة ثابتة للوقوف. وبغير هذه العلامة تثقل الأوزان وتغمض ولا تستبين للسامع مواضع الانتقال والانفصال، بل لا يستبين له: هل هو مستمع لكلام منظوم أو كلام منثور؟

وقد اختلف الطابعون عند طبع الكتب هذا الاختلاف في بعض المناظر المرسلة من كلام شكسبير، فحَسِبها بعضُهم من المنثور، وحسبها الآخرون من المنظوم.

ومما يُلاحَظ أنَّ اللاتين اعتمدوا على القافية حين فقدوا الانتباه إلى النسبة العددية … وأن الصينيين يحرصون على القافية؛ لأنهم يلتزمون الأوزان. وأن انتشار القافية في أغاني الريف الإنجليزية، يقترن بالترخص في أوزان الأعاريض.»

ويستطرد الأستاذ «موري» إلى الشعر الفرنسي، فيقول: «إن اللغة الفرنسية حين رجع فيها الوزن إلى مجرد إحصاء للمقاطع، وأصبحت المقاطع بين مُطوَّلة وصامتة … نشأت فيها من أجل ذلك حاجة ماسَّة إلى القافية، فصارت في شعرها ضرورة لا محيص عنها، ودعا الأمر إلى تقطيع البيت أجزاء صغيرة ليُفهَم معناه.»

ومن أسباب الاكتفاء بالوزن دون القافية في أشعار الغربيين، سبب لم يذكره الأستاذ «موري»، وهو غناء الجماعة للشعر المحفوظ كما تقدَّم.

فحيث شاعت أناشيد الجماعة قلَّ الاعتماد على القافية، وكثر الاعتماد على حركات الإيقاع، ولو لم تكن متناسقة الوزن على نمط محدود؛ لأن الغناء بالكلام المنثور ممكن مع توازن الفواصل وموازاة السطور.

وأناشيد الجماعة قد شاعت بين العبريين؛ لأنهم قبيلة متنقلة تحمل تابوتها في رحلتها، وتنشد الدعوات معًا في خلواتها الجامعة، وفي هذه الدعوات ترانيم على وقع الدفوف كما جاء في الإصحاح الخامس عشر من سفر الخروج:

أخذت مريمُ النبيَّةُ الدُفَّ بيدها، وخرجتْ جميعُ النساء وراءها بدفوف ورقص. وأجابتهم مريم: رنِّموا للرب؛ فإنه قد تعظم …

وكذلك شاعت بين اليونان أغاني المسرح التي ترجع في نشأتها إلى الشعائر الدينية، ثم انتقلت منها إلى الأمم الأوروبية.

ومما يؤيد الصلة بين غناء الفرد والتزام القافية أن شعراء الأمم العربية الذين ينشدون قصائدهم للمستمعين قد لجأوا إلى القافية، والتزموا في مراعاتها أحيانًا ما يلتزمه عندنا شعراء الموشحات.

أما البيئة العربية، فلم تكن فيها قبل الإسلام صلوات جامعة منتظمة بمواعيدها ومحفوظاتها. وإنما كان الحداء هو الغناء الذي يصاحب إنشاد الشعر على بساطة كأنها بساطة الترتيل، ينشده الحادي على انفراد، وتصغي إليه القافلة أحيانًا في هدأة الليل؛ إذ يعتمد الحس كله على السمع في متابعة النغم إلى مواضع الوقوف والترديد، فتقفو النغمة على وتيرتها، ويصدق عليها اسم القافية بجملة معانيها.

لهذا استقل النظم بحقه في الصنعة؛ لأن هذه الصنعة لازمة لتمييزه مع الغناء ومع غير الغناء، فانتظمت قوافيه وانتظم ترتيله انتظامًا لا بدَّ منه لكفايته، مع بساطة أفانين الغناء.

وإذا التمسنا مدخلًا لفن الحركة الموقعة مع الحداء، فهناك إيقاع واحد نتابعه في خطوات الإبل وفي خطوات الهرولة التي تصاحبها على القدم.

وإلى هذا الإيقاع يرجع وزن الرجز على قصد وعلى غير قصد، ومجيئه على غير قصد أدل على تمكن العادة وعلى أصالتها في الحياة البدوية:

أنا النبي لا كذِبْ

أنا ابن عبد المطلِبْ

***

هل أنتِ إلا أصبع دميتِ

وفي سبيل الله ما لقيتِ

وقد تكون حركة الهرولة في الطواف بالكعبة ملحوظة في كل دعاء مروي كيفما اختلف المختلفون في صحة الرواية، كما قيل عن امرأة أخزم بن العاص حين نذرت ولدها للكعبة، فقالت:

إني جعلت رب من بُنيَّهْ

ربيطة ﺑ «مكة» العليَّهْ

فبارِكَنَّ لي بها أليَّهْ

واجعله لي من صالح البريَّهْ

فهكذا يفهم الناظم كيف تكون حركة الدعاء مع الهرولة، أيًّا كان صاحب النظم أو من يُنسَب إليه.

هذه المرددات الفردية التي ميزت النظم العربي باستقلال فنه ووضوح قافيته وترتيله.

ولو وُجِدَتْ في الجاهلية العربية صلوات جامعة تُنشَد فيها الدعوات المحفوظة، لوُجِدت فيها القصائد التي تُمثِّل لنا حياتهم الدينية، وحياتهم الاجتماعية. إما من أناشيد الصلاة كما عرفها العبرانيون، أو من أناشيد المسرح كما عرفها اليونان.

ولكننا نعرف العرب من قصائدهم الفردية، كما نعرف الأمم الأخرى من أمثال تلك القصائد، فلا يفوتنا منها غاية ما تدل عليه.

هذا سبب من أسباب تلك الظاهرة النادرة التي ظهرت لنا في القصيدة العربية وكانت نادرة بين الأمم السامية والأمم الآرية على السواء.

أما السبب الآخر، فهو أصالة الوزن في تركيب اللغة؛ فالمصادر فيها أوزان، والمشتقات أوزان، وأبواب الفعل أوزان. وقوام الاختلاف بين المعنى والمعنى حركة على حرف من حروف الكلمة تتبدل بها دلالة الفعل، بل يتبدل بها الفعل فيُحسَب من الأسماء، أو يحتفظ بدلالته على الحدث حسب الوزن الذي ينتقل إليه.

هذه أصالة في موضع الوزن من المفردات والتراكيب لا يُستغرَب معها أن يكون للوزن شأنه في شعر هذه اللغة، وأن يكون شأنها في نظم أشعارها على خلاف المعهود في منظومات الأمم الأخرى، ولو صرفنا النظر عن أثر الإنشاد الفردي في تثبيت القافية واستقلال فن العروض عن فن الغناء في القصائد العربية.

نعم؛ إن اللغات السامية تجري على قواعد الاشتقاق وتوليد الأسماء من الأفعال، ولكن المقابلة بين هذه اللغات في أقسام مشتقاتها وتفريع الكلمات من جذورها تدل على تمام التطور في قواعد الأوزان العربية، وعلى نقص هذه القواعد أو التباسها في أخواتها السامية، بل تدل في باب الإعراب خاصة على تفصيل في العربية يقابله الإجمال أو الإهمال في أخواتها وفي غيرها من اللغات الآرية التي دخلها شيء من الإعراب.

***

وواضح مما تقدم أننا قَصَرْنا القول على النظم من حيث هو أوزان عروضية، أو قوالب تحتوي الكلم المنظوم فيها.

فهذه القوالب هي التي تطورت في اللغة العربية، فأصبحت فنًّا مستقلًّا بمقاييسه عن فن الغناء أو فن الحركة الموقعة.

أما الكلام المنظوم في تلك القوالب فهو عمل ممتد مع الزمن، يأتي فيه كل عصر بما هو أهله من الإبداع أو الزيادة أو المحاكاة، وإنما نعود إلى القوالب والأوزان في كل عصر لنسأل:

هل هي صالحة لأداء المقاصد الشعرية ومجاراة الأمة في تطورها الذي يمتد مع الزمن على حسب حالاتها من الشعور والفهم والقدرة على الأداء؟ وهل تتسع للتعديل إذا وجب التعديل للوفاء بمطلب جديد من مطالب التعبير؟

إن تجارب العصور الماضية تتجلى عن صلاح القوالب العروضية لمجاراة أغراض الشعر في أحوال كثيرة، ويبدو منها أن أساس العروض العربي قابل للبناء عليه بغير حاجة إلى نقضه وإلغائه.

فقد كانت بضعة بحور من أوزان الشعر كافية لأغراض الشعراء في الجاهلية؛ أشهرها: الطويل، والكامل، والوافر، والخفيف.

ثم نشأت من أوزانها مجزوءات ومختصرات صالحة للغناء، حين استحدثت الحاجة إليه في الحواضر العربية التي عرفت الغناء على إيقاع الآلات.

ثم اتخذت هذه البحور أسماطًا وموشحات وأهازين تتعدد قوافيها مع اختلاف مواقعها، وتطول فيها الأشطر أو تقصر، مع التزام قواعد الترديد فيها.

واختار بعض الشعراء نظم المثاني أو المزدوجات، وبعضهم نظم المقطوعات التي تجتمع في قصيد واحد متعدد القوافي، أو تتفرق وتتعدد بأوزانها مع توحيد الموضوع.

ولما نُقِلت الإلياذة اليونانية إلى النظم العربي، لم تضق بها أوزانه ولم يُظهِر سياقُ الترجمة أن هذه الأوزان قاصرة عن التنويع فيها على نمط غير هذا النمط لمن يشاء التنويع، واستجابت الأوزان لمطالب المسرح كما استجابت للملحمة المترجمة ولما يشبهها من القصائد التاريخية المطولة.

وقد أفرد الموسيقار العصري الأستاذ «خليل اللاوردي» فصلًا وافيًا في كتابه «فلسفة الموسيقى الشرقية»؛ لبحث التوزين والإيقاع وتطبيق العروض العربي على الضوابط الموسيقية، فانتهى من بحثه إلى إمكان التنويع في الأوزان العروضية، واستطاعة الموسيقى والشاعر أن يفتتح أشكالًا غير محدودة من أشكال الموازين. واعتمد في تجاربه على الجهاز الفني المسمى بالمترونوم؛ وهو: «صندوق صغير من الخشب، هرميُّ الشكل، يُفتَح من إحدى جهاته الأربع؛ فينكشف عن قضيب معدني مقسم بخطوط، وعليه ثقل متنقل يحدث حركة متساوية … فيقسم الدقيقة الواحدة من الزمن إلى نقرات بين أربعين ومائتين وثمانٍ. فيُمثِّل الحد الأدنى النقرات المتناهية في البطء، ويُمثِّل الحد الأعلى النقرات المتناهية في السرعة.»

ولم يلجأ الموسيقار إلى وحدات للنغمات غير وحدات الفواصل والأوتار والأسباب التي يستخدمها العروضيون، ولم يجعل لها أقسامًا غير أقسامهم المعروفة كالسبب الخفيف والسبب الثقيل، والوتد المقرون والوتد المفروق، والفاصلة الصغرى والفاصلة الكبرى.

وإنما استخدم الضوابط الموسيقية لبحث الموضوع بمصطلحات فنِّه، وترك مجال بحثه للعروضيين يتفاهمون فيه بمصطلحاتهم التي لا تحتاج إلى التخصص أو التوسع في فنون الألحان، فخلص من بحوثه الموسيقية والعروضية معًا إلى نتيجة محققة؛ خلاصتها — كما قال — أن أشكال الموازين الشعرية غير محدودة، أو أن حدودها — على ما نرى — أشبه بحدود الكلمات التي تتألف من الحروف الأبجدية، على حين أن الحروف الأبجدية قلَّما تزيد على الثلاثين.

فإذا نظرنا إلى ما تم من أشكال العروض، وما يتأتى أن يتم منها مع التنويع والتوزين؛ ثبت لنا أنها قائمة على أساس صالح للبناء عليه وتجديد الأنماط والأشكال فيه، على نحو يتسع لأغراض الشعر ولا يلجئنا إلى نقض ذلك الأساس.

وهذا كله مع التسليم — بداهة — بالتفرقة بين الكلام المنثور والكلام المنظوم في السهولة أو الصعوبة؛ فإن التسهيل المطلوب لفن من الفنون — كائنًا ما كان — ينبغي أن ينتهي عند بقاء الفن فنًّا مقرر القواعد والمقاييس. وما جهل الناس قط أن الكلام أسهل من الغناء، وأن المشي أسهل من الرقص، وأن الحركة المرسلة أسهل من الحركة الرياضية. ولم يكن ذلك قط مسوغًا للاستغناء بالكلام عن فن الغناء أو بالمشي عن فن الرقص، أو بتحريك الأعضاء بغير هدى عن أصول الحركة الرياضية أو الحركة في ألعاب الفروسية. فمهما يكن من تيسير الأوزان بالتنويع والتوفيق، فلا مناص — في النهاية — من التفرقة بينها وبين الكلام المرسل في سهولة الأداء. وإنما المطلوب أن تكون فنًّا سهلًا، وليس المطلوب مجرد السهولة التي تخرجها من عداد الفنون.

ولا بدَّ في هذا السباق من تفرقة أخرى، هي التفرقة بين القواعد والقيود في كل فن من الفنون. فلا سبيل إلى الاستغناء عن القواعد في عمل له صفة فنية. ولا ضرر من الاستغناء عن القيود التي تعوق حرية الفن ولا يتوقف عليها قوامه الذي يسلكه في عداد الفنون.

ومن تجاربنا في تاريخ الشعر العربي يتبين لنا أن قواعد النظم عندنا مواتية للشاعر في كل تصرف يلجئه إليه تطور المعاني والتعبيرات في مختلف البيئات والأزمنة، فلا موجب للفصل بين قواعد النظم وأغراض الشعر في تجربة من التجارب العربية التي وعيناها، منذ نشأت أوائل الأوزان إلى أن بلغت ما بلغته في منتصف هذا القرن العشرين.

ذلك شأن التجارب العربية … فما بال التجارب في أمم الحضارة التي تتصل بنا ونتصل بها، وتبادلنا مطالب الفنون والآداب. كما يحدث الآن بيننا وبين أمم الحضارة الغربية؟ ماذا تفرض علينا هذه الثقافة المتبادلة في ميدان النظم والشعر على اتصال بينهما أو على انفراد؟

أما في النظم، فلا خفاء بالأمر من أيسر نظرة إلى آدابنا وآداب الأمم الغربية التي نتصل بها في العصر الحديث.

فمما لا تردد فيه أن هذه الأمم لم تبدع في موازين النظم بدعًا نستفيده منها، ولم نكن قد سبقناها إليه في عصر من عصورنا. فإذا التزموا الأعاريض معتدلين أو مبالغين، فليس عندهم ما هو أدق وأجمل من الموشحة في أوزانها التي تقبل التنويع والتشجير إلى غير نهاية، والتي يُعتبَر تعدد القافية فيها ندحة وزينة في وقت واحد؛ فإن إطلاق الحرية للشاعر في توزيع القوافي — حيث شاء — يوشك أن يعفيه من قيودها، كما يزيد الإيقاع جمالًا على جمال.

ولم يبدع الأوروبيون — حتى في شعر المسرحيات المُلَحَّنة — فنًّا من الأناشيد أتم من الموشحة، وأصلح منها للتلحين وحركة الإيقاع.

فإذا ترخص الشاعر الغربي في القواعد، فأسقط القافية واختار الوزن الذي يسمونه بالنظم الحر — أو النظم الأبيض — فجهد ما بلغوا إليه أنهم عادوا إلى الأسطر المتوازية، أو إلى الاكتفاء بالمقاطع التي لا تبلغ في دقتها مبلغ الأسباب والأوتاد والفواصل. وكل أولئك طور من الأطوار التي تخطاها الشعر العربي في الأزمنة الماضية، أو سبقتهم إليه أمة من الأمم الشرقية، وتوقف بها التطور عنده، لارتباطه بالتقاليد الدينية.

فليس عند الغرب — من فنون النظم — جديد نأخذه منه في أبواب التوزين والتنويع.

ليس في فن النظم جديد نأخذه من الأعاريض الغربية لم تكن عندنا أُسُسه العريقة، ولم تكن عندنا أصوله وفروعه أو جذوره وأغصانه — على حد تعبير «الموشحين».

لكن الأمر يختلف كثيرًا في الكلام على «الشعر» أو الكلام على الأدب ومدارسه ومذاهبه ودعواته التي تجيش بها الحياة الغربية في كل حقبة، ولا تتميز منها دعوة واحدة دون أن يتميز لها حكم خاص بالشعر يتناوله قبل أن يتناول غيره من الفنون الجميلة، ولا سيما فنون التعبير.

هذه المذاهب الشعرية تعنينا كما تعنيهم، وتمتد بآثارها إلى أقوالهم وأفعالهم كما تمتد إلى أقوالنا وأفعالنا؛ لأنها من أطوار الحياة التي لا تنحصر في دوائر الفن ولا في أدوار الثقافة على إطلاقها … وإن يكن مظهرها الثقافي هو الجانب الذي يشتغل به النقاد والمؤرخون في ميادين الفنون.

هذه الدعوات أوسع نطاقًا من أن يُحاط بها في مقال، ولكنها تقترب من الحصر المستطاع، إذا جمعناها في أدوارها الإنسانية العامة التي توشك أن تكون أمواجًا دورية في هذا المحيط الزاخر؛ إذ هي عالقة بطبيعة الإنسان في جملتها، وطبيعة الإنسان واحدة — كما قيل — في كل زمان ومكان.

ونحن نعلم أن «أبقراط» حصر الطبائع الجسدية في أربعة أمزجة؛ وهي: المزاج الدموي، والمزاج الصفراوي، والمزاج البلغمي، والمزاج السوداوي.

ثم جاء العلامة «بافلوف» بعد تقسيم خصائص الأجسام — بين الهرمونات وعائلات الدم وودائع الوعي الباطن والوعي الظاهر — أقسامًا لا تُعَدُّ ولا تُحصى، فعاد إلى الأمزجة الأبقراطية؛ تيسيرًا للفوارق العامة، وجعلها أساسًا لتجاربه النفسية التي تُعَدُّ إلى هذه الساعة من أحدث تجارب العلماء.

فنحن على هذه الوتيرة نقسم الذوق الفني في الإنسان إلى أقسامه الخالدة، حين نقول إن الناس كانوا — منذ فُطِروا — واقعيين وخياليين، ومحافظين على القديم وطلابًا للجديد. أو أنهم كانوا — إذا اكتفينا بقسمتهم إلى قسمين اثنين — صنفًا يمشي في وسط القطيع، وصنفًا ينزع إلى الأطراف، أمام ووراء وعلى كلا الجناحين من اليمين واليسار.

وقد تفكَّه بعضُ العلماء الجادين، فأطلق على الصنف الأول اسم: فريق الضأن، وعلى الصنف الثاني اسم: فريق المعيز.

ونرى من تاريخ الأمم الغربية منذ ملكت حرية التفكير أنها دارت دورتها بين مذاهب الأدب خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وأنها نزعت في دعواتها المتعاقبة كل نزعة طبيعية تستلزمها أطوار الحياة بعد عصر الجمود والتقليد.

ففي فترة اليقظة الأولى كان من الطبيعي أن ينزع الإنسان إلى استقلال «الشخصية الإنسانية» في وجه التقاليد المطبقة، والقيود العتيقة، والأحكام التي تُطاع بغير فهم، بل بغير شعور في أكثر الأحوال. وهذه النزعة التي سُمِّيَتْ بنزعة الإبداع و«الحرية الشخصية» Romanticism.

ومن الطبيعي أن ينتهي هذا الإبداع من كل جانب — على غير هدى متفق عليه — إلى شيء من الفوضى والشرود، يُستحَبُّ معه التوقف إلى حين. وهنا ظهرت دعوة العودة إلى الاتباع والاطراد، على نحو جديد يناسب مطالب الزمن، فنشأت من ثم دعوة الاتباع أو الاطراد الجديد.

وإذا حكم اختلافُ الطبائع حُكمَه بين أنصار الواقع وأنصار الخيال، فهنا مجال الاختلاف بين الواقعيين Realists والخياليين والمثاليين Idealists.

وقد يظهر هذا الاختلاف في صورة أخرى بين الطبيعيين Naturalists وبين الفنيين أنصار الفن للفن Art for arts sake.

ونقول إن الواقعيين والطبيعيين متقاربون؛ لأنهم جميعًا من أنصار الواقع.

وإنما ينفرد الواقعيون بمحاربة النزعات الخيالية، وينفرد الطبيعيون بمحاربة النزعات الصناعية — نزعات الإغراق في التزويق والتنسيق — وإذا اقترنت هذه المذاهب جميعًا في عصر من عصور النهضة العلمية، فالانقسام بينها يَئُول في هذه الحالة إلى قسمين: قسم تغلب عليه الصبغة العلمية، وقسم تغلب عليه الصبغة الفنية.

ويتسع كل قسم منهما لكثير من الآراء وأشتات من الأساليب.

ولا جدوى من متابعة العناوين التي تنتهي في الغرب بصيغة النسبة المذهبية Ism، فإنها تنطوي جميعًا في هذه الدعوات، ويحيط كل منها بعالم من الآراء والأسباب. ولكننا نجمعها في حدودها الواسعة، إذا حجبنا منها الرومانتيزم والنيوكلاسيزم والريالزم والإيدياليزم! فلا يخرج من هذه المذاهب مذهب جاد يُناط به عمل من أعمال البناء والإصلاح في عالم الفنون، ولا تزال حتى اليوم وافية بأغراض البحث والمناقشة بين المختلفين على الفنون فيما يستحق الخلاف.

وعلى تعدد المذاهب والعناوين في الغرب، لا نرى هنالك لبسًا على الإطلاق بين المذاهب التي أشرنا إليها بين عشرات المذاهب التي ينتحلها الدعاة على عجل منذ الحرب العالمية الأولى، ويندر أن تعيش إحداها أو تستقل عن سواها بصفة من الصفات التي يتناولها التطبيق والتمييز.

فلا لبس على الإطلاق بين مذاهب الجد ومذاهب الهزل في الآداب الغربية؛ فمذاهب الجد تدعو كلها إلى البناء وتقوم بالبناء فعلًا ويعيش ما تبنيه، ومذاهب الهزل لا تتحدث بشيء غير الهدم والإلغاء؛ فلا لون ولا شبه ولا رسم ولا قاعدة في التصوير، ولا لفظ ولا معنى ولا منطق ولا مدلول في الشعر والنثر.

وإنه لمن الحظ الحسن أن تقصر هذه الدعوى عن الفنون التي ترتبط بها ضرورات المعيشة والاجتماع؛ فإنها لو تناولتها لسمعنا بفن المعمار الذي لا حجرات ولا جدران ولا حجارة ولا طلاء فيه، وسمعنا بمجامع الموسيقى التي لا تُميِّز بين الضوضاء والألحان، ولا محل فيها للمعازف والآلات.

من هذه المذاهب ما يُطلَق عليه اسم المستقبلية Futurism، أو فوق الواقعية Surrealism، أو الذئبية Fauvism … بل منها ما يُسمَّى بمدرسة التأتأة Daaism. ويقول أصحابه إنهم اختاروا له هذا الاسم من أول تأتآت الطفل Da Da، وتُطلَق أحيانًا على حصان الخشب ليسهل النطق به على ألسنة الأطفال.

ويؤدي مذهب هؤلاء الدعاة أن التعبير الصحيح عن النفس الإنسانية إنما يرجع به إلى صورة الطفولة ورموز الأحلام وخفايا الوعي الباطن، كما تبدو للحالم في المنام، أو كما يرسلها الناطق عفوًا بغير تأمل وبغير انتباه!

ومن هؤلاء الملفقين للمذاهب من يختار اللفظة ويسأل عن معناها، فيسخر من السائل لأنه يبحث عن المعنى ولا يكتفي بوقع اللفظة في الأذن أو من منظرها للعين القارئة.

فمن عناوين مارينتي Marinetti أمام المستقبلية «زانزج» Zang-tumb tuum زانج تمب تيايم.

ومن عناوين زميله أردينجو سوفيسي Bif & z+18 ما لا يُفهَم ولا يُترجَم، وإنما هو مقابل عندنا لحرف (الباء، ثم الياء، ثم الفاء، ثم علامة موسيقية، ثم زاي، ثم علامة +، ثم رقم ١٨).

وقد عقب صاحب تاريخ الأدب الإيطالي على إمام هذه المدرسة، فقال: «إنه لم يجاوز حدود السخف في شعره …» ولم يخلُ كلام المؤرخ من مجاملة «لأن السخف معنى يُوصَف بالرداءة» ولا معنى هنا ولا وصف لرديء أو غير رديء (صفحة ٤٨٥ من كتاب تاريخ الأدب الإيطالي، تأليف إرنست هاتش ولكنز Ernest Hatch Wilkins).

ولا بدَّ من وضع هذه الدعوات موضعها من تاريخ الآداب الإنسانية الأوروبية التي تظهر بينها … فما هو موضعها الصحيح؟

موضعها الصحيح أنها تمثل جانب السخافة الذي لا بدَّ أن يتمثل في بيئة يُباح فيها القول لكل قائل والقراءة لكل قارئ، ولا يخجل فيها العاجز من عجزه، ولا صاحب اللجاجة من لجاجته، وهم جميعًا في غمرة من محن الحروب والفتن والقلاقل والآفات. فهل تخلو هذه البيئة من جانب سخافة في الأذواق والدعوات؟

وأين هو هذا الجانب إن لم يكن هذا مظهره الذي يتمثل في صوت الفنون؟

ولسنا نقول إن هذه السخافة جانب يُهمَل ولا يلتفت إليه؛ فإنها خليقة أن تُدرَس كما تُدرَس عوارض الأمراض والعلل والنكبات، ولكن البون بعيد جدًّا بين دراستها لهذا الغرض ودراستها للاقتداء بها، واعتبارها من مدارس الفن والأدب ونماذج الذوق والجمال.

ولا تفوتنا — في معرض الكلام عن الشطط الفني — ملاحظة وثيقة الصلة بموضوع الخلط الذي يُقال عنه إنه هو الفن الصحيح، أو إنه هو التعبير الصادق — دون غيره — عن الوعي الباطن والسريرة الإنسانية في أعماقها «اللامنطقية» على حد تعبيرهم المأثور.

فالخلط الهاذر مذهب لم يخلفه دعاة «اللامنطقية» في القرن العشرين، ولكنهم خلقوا شيئًا واحدًا فيه لم يسبقهم أحد إليه، وهو إطلاق العناوين العلمية عليه واستعارتها من دراسات التحليل النفساني، أو من دراسات العلوم الطبيعية. وقديمًا وُجِد في الشعراء والفنانين من يجنح به هواه أحيانًا إلى رفع الكلفة واطراح الحشمة والابتذال في اللفظ أو المعنى، أو في كليهما؛ فيسترسل في الهذر واللغو كأنه في إجازة من «نفسه الفضلى» كما يقولون. ويُنسَب إلى هذه النزوات شعر المجانة والهزل وشعر الإباحة والجموح.

ويُنسَب إليه كذلك ضرب من الشعر الذي يُخيَّل إلى الناس أنه محدثهم بالحكم والأمثال، وهو في أسلوبه الهازل ساخر بضروب الحكمة والمثل، كما صنع ابن سورون البيشيغاوي (٨١٠ – ٨٦٨ ﻫ) في قصيدته البائية التي يقول فيها:

عجب عجب عجب عجَبُ

بقر تمشي ولها ذنَبُ

ولها في بزبزها لبن

يبدو للناس إذا حلبوا

لا تغضب يومًا إن شُتِمت

والناس إذا شتموا غضبوا

من أعجب ما في مصر يرى

الكرم يُرى فيه العنبُ

والنخل يُرى فيه بلح

أيضًا، ويُرى فيه رطبُ

زهر الكتان مع البلسا

ن هما لونان ولا كذبُ

كيهود في دير خُلِطوا

بنصارى حرَّكهم طربُ

وأُدخِل من هذا في باب «اللامنطقية» مذهب من مذاهب الزجل في اللغة الدارجة، يعاقبون بينه وبين الأدوار المقصودة، فيبدءون بالدور العاقل ويتبعونه بالدور المجنون إلى نهاية الزجل، ويُحفَظ من هذه الأزجال كثير في مجموعات. هذا، والأجيال القريبة، من أمثلتها في كتاب «ترويح النفوس» ﻟ «حسن الآلاتي» زجل يقول فيه:

كسرت بطيخة رأيت العجب

في وسطها أربع مداين كبار

وفي المداين خلق مثل البقر

في كل واحدة أربع قواعي خضار

وفي القواعي أقوام طوال الذقون

ودمعهم يجري شبيه البحار

من دمعهم تزرع نجوم السما

في خلقة المشمش عديم المثال

وأحيانًا يقسمون الأدوار إلى دور صاح ودور سكران، أو يصوغون فيها المفارقات على ألسنة الصبيان، كما يجري على ألسنة العامة:

يا ليل يا عين معرفش اكذب

والضفدعة شايلة المركب

وأبو فصاده ريسها

والقط الأعور حارسها

وإلى أشباه هذه «اللامنطقيات» المتواضعة التي يضعها أصحابها في مواضعها، ويسمونها بأسمائها، ولا تعدو عندهم أن تكون «منفسًا» يستبيحونه إلى حين، ويعرضون به «اللامنطقية» في صور فنية، ويعلمون ويعلم الناظرون إليها أنها من قبيل الصور الهزلية أو «الكاريكاتور»، ولا يطلبون من الإنسانية أن تحلها في محل فنونها، وأن تنبذ المنطق في سبيلها.

فإذا كان لا بدَّ من هذه اللامنطقية في الآداب العربية، فعندها منها ما يغنيها، ولها فيها مجال لا يخرج بالعقل من دائرة العقل، ولا بالجنون من دائرة الجنون.

ومما نحمده من أطوار الشعر العربي الحديث أن هذه المذاهب لم يكن لها تأثير ثابت فيه، وأنها تعرض له مع عوارض الزمن، كما تعرض الأزياء والأفانين، ثم … تمضي لطيفها إلى مصيرها العاجل بعد شهور، ولا تطول حتى تُحسَب بحساب السنين.

أما المذاهب التي كان لها أثرها المحمود، فهي مذاهب الجد والبناء؛ فإننا إذا عرضنا الشعر العربي من أواخر القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين لم نخطئ أن نرى فيه أثرًا جديدًا لكل مذهب من المذاهب الواقعية، أو المثالية، أو الطبيعية، أو الاطرادية الحديثة، أو الابتداعية المتحررة.

وقد تتراءى هذه المذاهب في أغراض الشعر كما تتراءى في أساليب الشعراء، ومنها: الأغراض التاريخية، والاجتماعية، والملاحم، والمسرحيات، والأغاني العاطفية، والأناشيد القومية، ولكل مقصد من المقاصد التي ينظم فيها شعراء العرب. مع الفارق الذي يُحسَب فيه حسب التقدم في الزمان، كما يُحسَب فيه الحساب لوفرة المحصول وسعة النطاق.

وعلى الجملة يتقدم الشعر عندنا، ولا تعتريه النكسة أو الجمود. إلا أنه يعاني من أطوار العصر ما يعانيه كل شعر في أنحاء العالم، وذاك هو المشاركة القومية في ميدانه الأول. فهو الآن لا يستأثر وحده بميدان العاطفة والخيال، بل تشاركه فيه الصور المتحركة والقصص المطولة والنوادر الموجزة ومناظر التمثيل ومسموعات الإذاعة وأخبار الصحافة ومبدعات الفنون التي تيسرت لها أسباب العرض في الأندية والمنازل ومجامع الناس في كل مكان. وليس من المنظور أن ينشر الفن مع هذه المشاركة، كما كان ينشر وحيدًا منفردًا بالميدان قبل بضعة قرون.

على أنها مشاركة عارضة يعمل فيها التخصص عمله، ويطول الأمد أو يقصر في هذا العمل المتصل بغير قرار، فإذا عاد الشعر إلى الاستقلال بمجاله بين الفنون فقد يعود إليه أقوى مما كان؛ لأنه يكسب المزية التي لا مشاركة فيها، ويكسب الأنصار الذين لا يستبدلون به سواه، ويتلقى المدد منه، ولعله دور من أدوار الشعر تركه الأوائل للأواخر، على خلاف ما قيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.