نعم ضحكت.

وما أكثر ما ضحكت وأكثر ما أضحك!

لقد ضحكت حتى أصبحت جديرًا من الناس باسم الضحاك بدل العباس!

ولكنني لو ذهبت أُحْصِي مواضع الضحك الذي ضحكته لاستغرقت مجلدات «الاثنين» عشرة أعوام! … فإن أسباب الضحك في هذه الدنيا كثيرة لا تُحصَى، وإذا انطلقت مع دواعيه فلن تمنعك إلا دواعٍ أخرى مثلها في الكثرة: وهي دواعي البكاء!

فكل ما أستطيعه إذن هو أن أُحصِي «عينات» الأمور التي تُضحِكُني، وعليها تقاس أمثالها من المضحكات.

إنني أضحك من العقل الذي له باب واحد كما يقول الفلاحون.

وأضحك من الورطة التي تُلجِئ إلى الصراحة …

وأضحك من مفارقات الأخطار …

وأضحك من براءة الأطفال وشيطنة الأطفال، وقلَّما تختلف البراءة والشيطنة عند هذه المخلوقات الصغار.

أما العقل الذي له باب واحد فمضحكاته عندي فَيْضٌ لا ينقطع؛ لأنها من الأصناف التي يُحسنها الطباخ الذي يلزمني منذ عدة سنين.

ويعرفه أصدقائي جميعًا بأعاجيبه في سهواته وذهوله … فهو لا يذكر اسمًا يخاطبني صاحبه بالتليفون … وإذا «نَسِيَ» مرة وذكره، فهو كفيل بأن يصحِّفه تصحيفًا لا يخطر على بال، ولا تتبين منه حقيقة الاسم المنقول بحالٍ من الأحوال.

وحرت في أمره؛ فاتفقنا على أن يكتب كل اسم بعد المحادثة التليفونية على الأثر … وتركت له قلمًا وورقة مخصصة لكتابة هذه الأسماء.

وطلبته يومًا بالتليفون لأسأله عن شيء، ثم عدت إلى المنزل، فسألته: «هل تكلم أحد؟»

قال: «نعم … كثير.»

قلت: «هل كتبت أسماءهم؟»

قال: «نعم … كتبت.»

قلت: «هات الورقة …» فجاء بالورقة؛ فإذا في رأس القائمة اسم عباس العقاد …!

ومن عاداته التي لا يحيد عنها أنه ينسى شيئًا من كل شيئين ترسله فيهما لا محالة.

وأرسلته يومًا لشراء جبن، وزجاجات صودا، ثم خطر لي أن أداعبه؛ فناديته قبل أن يبرح المنزل وقلت له: اسمع يا فلان، إنك ستنسى واحدًا منهما، فأيهما الذي تنوي أن تنساه؟

فهرش رأسه قليلًا كَمَنْ يُفكِّر، ثم قال: «فوارغ الصودا معي … والله أعلم، إنني سأنسى الجبن، إن نسيت!»

أما الورطة التي تلجئ إلى الصراحة فلها مَثَلٌ لا أنساه، يدور حول ثلاثة من أدبائنا الراحلين، هم: حافظ إبراهيم، عبد الحليم المصري، ومحمد إمام العبد.

وكان إمام — رحمه الله — يسعى بالوقيعة بين حافظ وعبد الحليم حتى تقاطعا زمنًا على نية العداء … ثم جمعتهما وليمة؛ فأعرض حافظ عن عبد الحليم، وأعرض عبد الحليم عن حافظ، وسألهما وسيطُ خيرٍ في ذلك، فأخذ كلاهما يتهم الآخر بالتشهير به والقدح فيه، ويروي الأحاديث التي نقلها إليه الوشاة.

سأل حافظٌ: «من الذي أنبأك بهذا؟»

فقال عبد الحليم بعد تردد: «إمام العبد.»

ودق حافظ يدًا بيد وهو يقول: إن إمام العبد نفسه هو الذي حدَّثني عنك بما ذكرته الآن.»

واتفقا على مفاجأة إمامٍ في موعد معين على قهوة «جراسمو» التي كان يقضي فيها سحابة نهاره، يلعب النرد والدومينة ويدخن النرجيلة.

وطلع حافظ من اليمين ثم جلس، وطلع عبد الحليم من الشمال ثم جلس، وسأله حافظ: «هل قلت كيت وكيت عن عبد الحليم يا إمام؟» وأعاد عليه عبد الحليم مثل هذا السؤال.

فماذا يصنع إمام والشاهدان حاضران؟

لم يتردد ولم يتلجلج، ولم ينكر شيئًا مما روياه، ولكنه التفت إلى حافظ يقول: «اسمع يا حافظ، إن نقلت إليك بعد اليوم شيئًا عن عبد الحليم فلا تصدقني!» ثم التفت إلى عبد الحليم يقول: «وأنت يا عبد الحليم، إن نقلت إليك بعد اليوم شيئًا عن حافظ فالعن أبي.» ثم ألقى بالزهر ومضى يقول: «جهار، يك، يا سيدي … انتهينا!»

ومفارقات الخطر كثيرة، وإن لم تكن كلها من نوع واحد … ومفارقتان منها في عمر واحد ذخيرة لا تحتاج إلى مزيد.

كنا في فندق «الملك داود» ببيت المقدس، ثم خرجنا في منتصف الليل، فتلقانا عند سور الفندق شاب من أجراء الفاشيين بإطلاق الرصاص …

وكنت أقرأ كُتب الحرب والوقاية من الطلقات، فتعلمت منها أن خير وسيلة لاتقاء الرصاص هي تضييق الهدف كلما أمكن … فاستلقيت على الأرض عمدًا؛ لأنني رأيت الشاب يبتعد من ناحيتي هاربًا.

وكان معنا الأستاذ سامي الشوا الموسيقِي المشهور، فجعل يصيح: «يا ناس … يا خلق الله … يا أولاد الكلب.»

ولما رآني مستلقيًا حسب أنني أصبت أو قتلت، فصاح بالجاني: «اخسأ يا ولد؟ أتقتل فلانًا يا وغد!»

فلم أتمالك أن أضحك ملء صدري وأنا بتلك الحال؛ لأنني سمعت صاحبنا يستنجد بالناس ويشتمهم في نَفَسٍ واحد، ويغضب على الجاني وهو يُعرِّفه بفريسته إن كان في شك ممن أطلق النار عليه!

وجاء المحققون وأنا في تلك النوبة من الضحك فسألوني: «كم عمرك؟»

قلت: «ساعة واحدة … لأنني أحسب أنني ولدت من جديد!»

وسافرنا إلى السودان أيام معركة العلمين سفرة لا ندري متى نئوب منها.

ثم علمت في الباخرة — التي حملتنا من الشلال إلى حلفا — أن سيدة من مهاجرات طرابلس معنا في باخرتنا، وأنها هربت من طرابلس بعد أن حكم عليها الفاشيون بالسجن عشرين سنة.

ولقيتها، فإذا هي سيدة لبقة، كثيرة المزاح، فقلت: «ماذا صنعت لموسوليني حتى حكم عليك بهذا العقاب الصارم؟»

قالت: «سمَّيتُ كلبي باسمه.»

فسألتها: «بماذا أجبتِهم حين قدموك إلى المحكمة؟»

قالت: «إنني قلت لهم: لا أدري لماذا تحاكمونني وأنا قد أطلقت اسم الدوتشي على أحبِّ مخلوق لدي!»

فسألتها: «وماذا صنعوا بالكلب؟»

قالت: «خشي موسوليني أن يغلط الناس بينه وبين سميِّه فقتله.»

وكان جو الخطر من غزو موسوليني، وجو السخرية من اسم موسوليني على طرفيْ نقيض، فلو حفظت جبال النوبة أصداء ضحكنا في ظلام ذلك الليل المرهوب لظلت تتردَّد في جوانبها إلى اليوم!

ولا أروي الكثير من الأمثال عن البراءة أو الشيطنة في زمرة الأطفال، فإنها على ما أظن بضاعة موفورة في كل بيت.

ولكنني أذكر مثلًا واحدًا؛ لأنني لا أنساه، وبطلة المَثل في هذه القصة بنت أخت لي صغيرة في الثالثة من عمرها كأنها كرة تتدحرج، وكان من دأبها أن تصعد إليَّ كل صباح في الغرفة التي أنام فيها وحدي، لتتقاضى مني ضريبتها اليومية… خمسة مليمات.

وصعدتْ ذات صباح مبكرة فوجدَتْني نائمًا على خلاف العادة، فمدت يدها على وجهي ثم سحبتها على عجل؛ لأنها أحست أنني أنهض من النوم فزعًا.

ولقد فزعت حقًّا؛ لأنني توهمت أن عقربًا سقطت على وجهي من السقف، وقد كنت في أسوان … وليست العقارب يومئذ بالشيء العجيب في سقوف أسوان!

وتلفَّتُّ فلم أجد شيئًا، فأغمضت عيني لأنام.

وراقتها اللعبة فمدت يدها مرة أخرى، واختفت تحت السرير … فنهضتُ كما نهضتُ في المرة الأولى …

وإذا هي تتدحرج من تحت السرير ضاحكة!

ماذا أصنع لهذه الشيطانة العابثة؟! إنها تتمتع بحصانة الطفولة التي تغتفر لها جميع الذنوب. فسلِمتْ من العقاب وظفرتْ في ذلك اليوم بضعف الضريبة المقررة … عشرة مليمات.

وكم ذا في هذه الدنيا من أمثال هذه المضحكات؟!

كثير، وليست هي كما قال المتنبي ضحك كالبكا … لأننا نعتصم بها من البكاء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.