في هذا العام افتقدنا — بحمد الله — نغمتَيْن تعوَّدنا أن نَسْمَعهما في موسم الربيع، متلاحقتَيْن بين أول أبريل ويوم شم النسيم.

«كذبة أبريل» ماتت في هذه السنة أو كادت أن تموت، وكانت منذ ثلاثين أو أربعين سنة عادة سنوية يستعد الناس لها هجومًا ودفاعًا قبل موعدها بأيام، فلا يمضي أول أبريل حتى يعقب بعده من ضحايا السهو والغفلة مئات ومئات، وحتى يكون لكل سهوة أو غفلة حديث، بل أحاديث، في أندية السمر، ومجالس الأسر، وأخبار الصحف التي تصطنع الفكاهة، أو تتقبلها بغير غضاضة عند اللزوم.

أما في هذا العام فقد كانت الأعجوبة أن اليوم الكاذب التزم جانب الصمت على الأقل، فلم نسمع بعده بنادرة من نوادره المعهودة، وكانت هذه مفاجأة أغرب من مفاجآته المخترعة قبل أعوام.

ويجوز الكثير في تفسير هذا «الإبداع» الخطير.

يجوز أن الناس تركوا تعمد الكذب في هذا اليوم اكتفاءً بما يخترعونه من الأكاذيب على عمد أو غير عمد في سائر الأيام.

ويجوز أنها عادة باخت وساعد على تبويخها أن المجتمع الإفرنجي الذي نُقِلَتْ عنه هذه العادة قد تضاءل وانزوى في العواصم الكبرى، فأهملها الناس ولم يكترث أحد للتذكير بها في موعدها، فانطوت غير مأسوف عليها …

ويجوز أن الناس سمعوا عن حقائق الواقع ما هو أعجب من الخيال، فاستغنوا بالحقيقة الواقعة عن التخيل والاختراع.

ويجوز أن تظهر جلية الأمر في أول أبريل القادم، فإذا عاد الناس إلى الكذب فهي فلتة من فلتات النسيان، وإذا تكررت هذه «الغريبة» فلا بد من السبب عند التكرار.

أما نغمة «شم النسيم» التي تعودناها أعوامًا طوالًا ثم افتقدناها هذا العام، فالحمد لله على اختفائها، ونرجو أن يدوم هذا الاختفاء لأنه دليل خير في أمور الدنيا والدين.

كان بعض المتحذلقين يستبقون الأبواب قبل شم النسيم ببضعة أيام للتحذير وتشديد النكير:

أيها الناس هذه بدعة.

أيها الناس هذه غواية.

أيها الناس هذه عادة من عادات القدم لم تُشَرَّع في الدين.

أيها الناس إياكم أن تحتفلوا بخيرات الأرض وثمرات الرزق؛ لأن هذا الاحتفال — والله العظيم — حرام.

ولم يكن أسخف من هذه الحذلقة — من حيث المبدأ — لأن تحريم الاحتفال بشم النسيم شيء وتحريم المساوئ التي تحدث في هذا الاحتفال شيء آخر، وقد تعود الغواة في الأعياد والموالد أن يقترفوا كثيرًا من الموبقات، وينتكسوا على العادات الوثنية التي يحرمها كل دين، ولم يقل أحد أن يمنع الأعياد وتحريم التهنئة بها والتردد على منازه البهجة والسرور في أيامها ولياليها.

فالمحظور من مساوئ الاحتفال بشم النسيم، هو المحظور من مساوئ جميع الأيام، ولا يوجب لتخصيص هذا اليوم بتحريمها فيه؛ لأنها لم تكن حلالًا في شم النسيم ولا في غير شم النسيم.

أما الاحتفال، من حيث المبدأ، فالواقع أنه واجب على المسلم المؤمن بدينه، وليست غاية الأمر فيه أن يختلف عليه بين التحليل والتحريم.

إن القرآن الكريم لم يأمرنا بعد الفرائض بشيء كما أمرنا بالنظر في محاسن الرياض والبساتين، وقد أنبأنا هذا الكتاب المبين أن رياحين الحدائق وثمراتها بهجة تسر الناظرين. فمن المحرم على صاحب الدين أن يعرض عن هذه البهجة، وأن يكتم الابتهاج بها في أوانها، وليس لها أوان أولى بالاحتفال به من موسم الربيع.

().

().

().

وأمثال هذه الآيات البينات في القرآن الكريم كثير، لا يفهم أحد منها أن الابتهاج بمحاسن الرياض في مطلع الربيع حرام أو مشكوك فيه، بل يُفْهَم منه شيء واحد؛ وهو وجوب السعي إلى هذه المناظر لأنها عبادة وشكر واغتباط بالنعمة الإلهية.

ولم يكن شم النسيم بالفرصة الوحيدة لهؤلاء الناعبين يتمحكون فيها أسباب التمحك باسم الدين ويشبعون ما في نفوسهم المنحرفة من نوازع المشاكسة، وحب العنت، والولع بالتسلط على خلق الله، على حساب الدين.

اشرب من هذه القلة.

لا … إياك أن تشرب من هذه القلة.

اذهب من هنا … ليس لك عندنا شراب من القلل ولا من الأكواب.

هذا هو «السنجق» المرحوم الذي خرج من الخدمة وانقطع ما بينه وبين الأنفار والأتباع، فاستعاض منهم بالقلل على قارعة الطريق؛ ليسمح لهذا ويأبى على ذلك، وينبذ من رحمته من يشاء، ويلعن من يشاء وما يشاء.

وفي كل جماعة بشرية طائفة من المصابين بداء العنت والمشاكسة هم أضعف شأنًا وأحقر رءوسًا ونفوسًا من أن يصدروا الأمر إلى نعجة ويطمعوا منها بالسمع والطاعة.

ولكنهم يطمعون باسم الدين في تحريم الحركة والسكون على عباد الله الآمنين.

شم النسيم حرام.

الألعاب الأوليمبية حرام.

سوق عكاظ حرام.

حرام كل حلال مباح، بغير الترخيص من «إدارة التحليل والتحريم» التي يتولاها هؤلاء الطغام.

إن كان هذا العنت قد غاب عن عقول هذه المخلوقات فهو خير وبركة، وإن كان الناس يسمعونه ويعرضون عنه فتلك خيرات وبركات.

وبارك الله في الربيع وموسمه البديع، وفي كل يوم يعرض لنا محاسن الزرع والماء وبهجة الرياحين والأضواء.

ولا بارك الله في «قلل محمد أغا» ولا في الممنوعات والمحرمات التي تملئون بها الأرضين والسماوات، أولئك المتسلطون على حساب ديننا السمح ولهم يوم شر من «شم نسيمهم» عند الحساب.

وخلاصة خطاب السيد «أحمد برهان الدين» أنه يسألني عن حديث نشرته لي إحدى المجلات، ويستفسر عن بعض موضوعاته كأنه اعتقد أن نسبة الحديث إليَّ صحيحة لا ريب فيها، وهو — أي السيد أحمد برهان الدين نفسه — يبدي من الاستغراب ما ينبغي أن يكون سببًا للارتياب.

إن الحديث المشار إليه لم يكن حديثًا بمعنى الحديث المصطلح عليه في الصحف، ولكنه كان تلخيصًا بقلم كاتبه لما سمعه في ندوة يوم الجمعة بمصر الجديدة، وقد فهمه كما أراد عن حسن نية — على ما نظن — ولم يفهم بعضه الآخر عن حسن نية ولا سوء نية، كما هو واضح من الكلام الذي أسنده إلينا، وهو مستحيل.

هل يُعْقَل — مثلًا — أن أقول إن «سنة من النوم» معناها اثنا عشر شهرًا شمسيًّا، وإنها وردت بهذا المعنى في قاموس من القواميس؟

فالحمد لله على هذا «المصل» الواقي من أضرار هذه الأكاذيب، فإن ناقليها جزاهم الله خيرًا يُودِعونها بغير اختيارهم تكذيبها أو تصحيحها بغير حاجة مني إلى موالاة التكذيب والتصحيح كلما وضعوا على لساني ما يزعمون أنني قلته ويزعم الواقع أنني أنفيه … وقد يستغني القارئ عن التعليق على أشباه هذه الأحاديث إذا قرأها على أنها حديث وتكذيب «منه فيه» … وأنها عملية «أوتوماتيكية» من مخترعات هذا العصر «المقتصد» في هذه البدعة، على إسرافه في كل شيء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.