ليس أيسر من أن يُسأل أمثالك وأمثالي من عباد الله المعارضين إن قالوا أو فعلوا أو خُيِّل إلى الوزارة أنهم قالوا أو فعلوا، ما تظن الوزارة أنه يحتاج إلى السؤال والتَّحقيق. فأَمَّا إِنْ قَالَ غَيْرُك وغيري، أو فعل غيرك وغيري، من عباد الله المؤيدين أو من عباد الله المُمْتَازِين ما يَحْسُن فيه إلقاء السؤال، واستماع الجواب، واستكشاف الحق، وتبين وجه الصواب، فإن أمر هؤلاء شيء آخر يحسن الإعراض عنه والإبطاء في الالتفات إليه، والنسيان له بعد البدء فيه وتفويضه إلى الله، يقضي فيه بما يشاءُ، حين يسألنا جميعًا عمَّا نفعل ونقول. فنحنُ على هذه الأرض المصرية قسمان: قسمٌ تُحاسبه الدولة في الحياة، ويُحاسبه الله بعد الحياة، وقسم آخر تشغل الدولة عن حسابه، وتكل أمره إلى الله الذي يُحصي كل شيء على كل إنسان، والذي يسأل كل إنسان عن كل شيء. ولا يَنْبَغِي لنا أنْ نُنْكِرَ ذلك ونعترض عليه، فإنَّا إنْ نفعل ذلك أو نقل منه شيئًا، نُسأل عَمَّا فعلنا، ونُسأل عَمَّا قُلنا، ونُضِفْ أَثقالًا إلى أَثْقَالٍ، وأَحْمَالًا إلى أحمالٍ. وإِنَّما الخير في أن نذعن ونرضى بقضاء الله فينا، فنُسْرِعَ إذا دعينا ونجيب إذا سئلنا، ونحتمل ما يريد الله لنا أن نحتمل من آلام الحياة، فلذلك خلق المصريون، وبذلك سبقت فيهم الكلمة، وقضت فيهم الأقدار. وإذا لم يكن بد من أن نفرج الكرب عن نفوسنا، ونُسلي الهم عن قلوبنا، ونتعزَّى عن هذه الآلام التي تنغص علينا الحياة، حين نشعر بما بيننا وبين غيرنا من الفروق، وحين نرى ما بيننا وبين غيرنا من التفاوت والتمايز في ظل الديمقراطية والدستور؛ فيكفي أنْ نَتَحَدَّث بامْتِياز المُمْتَازِين، وحَصَانَةِ المُحصنين، نغبطهم على ذلك، دون أن نحسدهم عليه، فقد يكون في الحديث عن نعمة المنعمين، وسعادة السعداء، عزاء عن بؤس البائسين، وشقاء الأشقياء، ثم لنُسَجِّل هادئين مُطمئنين ما نرى من ذلك، ولنحفظه في ذاكرتنا فقد تنفع الذكرى وقد يُفِيدُ التَّسْجِيلُ، والله يداول الأيام بين الناس، فقد يأتي يوم نستطيع فيه أن نذكر هذه الآلام والحسرات، فنحرص على ألا نفرضها على خصومنا ونحرص على ألا نوئسهم من العدل ونقنطهم من الرَّحمة، ونحرمهم ما ينبغي لهم من المُسَاواة؛ لأنَّ الذين ذاقوا الألم، وعرفوا إيذاءه للضمائر الحية، والنفوس الحية، خليقون ألا يُذيقوا مثل هذا الألم للناس، وأَلَّا يُحمِّلوهم منه ما احتملوا، ولا يسقوهم منه ما شربوا.

وإني لأستعرض هذه الخواطر كلها بعد أن فرغت من قراءة ما نشرته الصحف عمَّا كان في مجلس النواب أمس من أخذ ورد، ومن حوار وجدال، فقد كان صدقي باشا أمس يصول ويجول، وكان صدقي باشا أمس يُقَدِّم إلى الوزارة القائمة مُلاحظات فيها الجد وفيها الدعابة، فيها القوة وفيها الظَّرف والمزاح. وكان وزير المالية يلقى ملاحظات صدقي باشا بِكَثِيرٍ جِدًّا من الحذر والاحتياط، فيُجِيبُ مُتحفظًا مُتلطفًا، يُرِيدُ التَّسْلِيمَ ويُحَاوِلُ ستره فلا يستطيع.

ومن قبل هذا كان صدقي باشا يَصُولُ ويَجُولُ في الصحف، يذكر القطن وبيعه، وتوجه الأسئلة حول القطن وبيعه، فيرد صدقي باشا على الأسئلة، ويُناقش صدقي باشا ما يُقال. وتذكر قصة الكورنيش وفضائحها، وتُذاع الإشَاعَات والأَحَادِيث حول قصة الكورنيش وفضائحها، فيصدر صدقي باشا بياناتٍ حول ما يَمَسَّه من هذه القصة، أو حول ما يُرِيدُ بعض الناس أن يمسوه به من هذه القصة، وتجري الأمور على ذلك فلا تعرف مصر آخر الأمر شيئًا من الحق في القطن وبيعه، ولا تنتهي مصر آخر الأمر إلى كل ما ينبغي أن تنتهي إليه من أمر الكورنيش ومن يتصل بهم أمر الكورنيش من قريب أو بعيد. وكان النَّاسُ يقولون منذ أشهر: إن أمر القطن وأمر الكورنيش وغيرهما من الأمور قد ثارت في الجو المصري؛ رغبة منها في مُداعبة صدقي باشا، وأخذه بأن يبين للمِصريين عن طائفة من تصرفاته ليعلموا أكانت هذه التصرفات مُستقيمة لا غبار عليها، أم كانت معوجة تحتاج إلى شيء من التقويم. ولما أثيرت قصة الكورنيش لهج بها الناس وأكثروا الخوض فيها، وما زالوا يلهجون بها ويَخُوضُون فيها إلى الآن. وقال الناس ونشرت الصُّحف: إنَّ لَجْنَةَ التحقيق التي ألفتها الوزارة، ستستقصي كلَّ شيءٍ، وستسأل كل إنسان، يتصل بهذه القصة اتصالًا قويًّا أو ضعيفًا، ثم قال الناس ونشرت الصحف: إن هذه اللجنة ستسأل صدقي باشا نفسه؛ لتعرف منه وجوه الصواب فيما أتى من الأمر في هذه القصة، حين كان وزيرًا للداخلية. وغلا كثير من النَّاس فظنوا أنَّ هذه القِصَّة إنما أُثيرت لإحراج الدكتاتور العظيم، وأيُّ إحراج لرجل كصدقي باشا يُشْبِهُ ما يكون من إلقاء الأسئلة عليه، وانتظار الأجوبة منه؟! ومضى الناس يظنون هذا، ثم يعتقدونه، ثم ينتظرونه، ثم تقوى في نفوسهم الرغبة في الاستطلاع؛ فيتشوقون إلى هذا الموقف الذي سيكون بين رجل كانت إليه الأُمور كلها في مصر، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم انصرفت الأمور كلها عنه، وإذا هو يقف أمام لجنة تحقيق تلقي عليه السؤال، وتسمع منه الجواب. ولكن اللجنة قد حققت ودققت، وسألت واستمعت للأجوبة، وأحصت واستقصت، ودنت في ذلك من صدقي باشا، ثم بعدت بذلك كله عن صدقي باشا، وقد أتمت أو كادت تتم تحقيقها، ولم تسأل صدقي باشا. وقيل آخر الأمر: إنها لن تسأل صدقي باشا، ولن تستطيع أن تسأله؛ لأن صدقي باشا محمي من سؤال هذه اللجنة له بالدستور! نعم، هو محمي بالدستور، فقد كان صدقي باشا وزيرًا ولا يسأل الوزراء عما يفعلون بحكم الدستور — فيما ظهر أخيرًا، وفيما قيل — إلا أمام البرلمان، أو أمام اللجان التي يُؤلفها البرلمان. وإذن، فيستطيع صدقي باشا وغير صدقي باشا من الوزراء أن يقولوا ويفعلوا، وأن يصولوا ويجولوا، وأنْ ينشروا في الصحف وأن يخطبوا في الأحزاب، وأن يُلاحظوا في البرلمان، فلن تستطيع السلطة التنفيذية ولن تستطيع اللجان التي تؤلفها هذه السلطة أن تراجعهم في شيء أو أن تسألهم عن شيء؛ لأنهم لا يسألون إلا أمام البرلمان ولجان البرلمان.

والظريف في هذا الأمر هو موقف وزارة الرجل الطيب من هذه القصة، فقد أُلِّفت لجنة التحقيق هذه لتحصي وتستقصي، وترفع إليها حقيقة الأمر واضحة جلية، لا لبس فيها ولا غموض، ولا خفاء من ناحية من نواحيها. وكانت وزارة الرجل الطيب حين ألفت هذه اللجنة بين اثنتين، فإمَّا أنْ تَكُونَ مُقَدرة أن هذه اللجنة ستسأل الناس جميعًا، وفيهم الوزير الذي حدثت في عهده قصة الكورنيش، وإذن، فقد كانت ساهية لاهية عن الدستور وأحكام الدستور، وحماية الدستور للوزراء من أن تتوجه إليهم مثل هذه اللجنة بالسؤال. وإذن، فما لها لم تستشر؟ وما لها لم يُشَرْ عليها؟ فلو قد استَشَارَتْ وأُشِيرَ عَلَيْهَا حينئذٍ لتجنبت شرًّا كثيرًا، ولمنعت الصحف والناس من أن يذكروا صدقي باشا أو يُفكروا فيه، أو يخوضوا في حديثه حين يَذْكُرون قصة الكورنيش، ولأراحت صدقي باشا نفسه من أن يُدافع عن نفسه وينشر في الأهرام وغير الأهرام، ما نشر من الحديث عن هذه القصة. وإمَّا أَنَّها لم تكن ساهية ولا لاهية، بل كانت تعلم حق العلم أن حكم الدستور في ذلك واضح، وأنَّ صِدْقِي بَاشَا لا يُمْكِنُ أن يتلقى من هذه اللجنة سؤالًا ولا يمكن أن يلقي إلى هذه اللجنة جوابًا. وإذن، فقد كان من الحق أن تُزيل عن هذا كل لبس وكل غموض. وإذن، فقد كان من حقِّ النَّاسِ أَنْ يُلَاحِظُوا أنَّ تأليف هذه اللجنة لن يكون مُغنيًا مُقنعًا؛ لأنَّ قِصَّةَ الكورنيش فيما يظهر كغيرها من القصص التي يتصرف فيها الوزراء، لا يمكن أن تتضح، ولا أن تستبين، إلا إذا سئل الوزير الذي حدثت في عهده، عن رأيه فيها وموقفه منها، وتصرفه بإزاء أشخاصها، وإلا إذا نُوقِشَ الوزير في ذلك مُناقشة دقيقة، عميقة تَمْحُو كل شك وتُزيل كل ريب.

ومهما يكن من شيء، فقد ظهر للوزارة آخر الأمر وأوله ألا بأس على صدقي باشا من قصة الكورنيش ولجنة التحقيق في قصة الكورنيش. ونُحِبُّ أن يفهم صدقي باشا أننا لا نختصه بشيء من هذه القصة؛ لأننا لا نعرف من أمره فيها شيئًا، وأنْ يفهم صدقي باشا أيضًا أنه كان وزيرًا، وأنَّ هذه القصة حدثت في عهده، وأنَّ إمضاءه هو الذي جعل هذه القصة حقيقة واقعة، وأنَّ مِنْ حَقِّنَا جَمِيعًا أنْ نَعْرِفَ حقيقة موقفه، وجلية الأمر في تصرفاته، وأننا لهذا نكتب ما نكتبه اليوم. وقد كانت هناك وسيلة لسؤال صدقي باشا والاستماع له، والانتهاء إلى الحكم له أو الحكم عليه، وهي تنظيم ما نص الدستور عليه من محاكمة الوزراء، ولكن وزارة الرَّجل الطيب لم تفكر في هذا التنظيم، ولم تهيئ له القانون، ولم تعرضه على البرلمان، ولم تصدره في سرعة، ولم تصدره في بطء، وأكبرُ الظَّنِّ أَنَّها ستستقيل قَبْلَ أنْ تُفَكِّرَ فيه. كانت مشغولة عن ذلك بأحداث جِسَامٍ، كانت مشغولة عن ذلك بحرب صدقي باشا نفسه، وقد ظهر أنَّها شغلت نفسها بذلك في غير نفع ولا جدوى، فهي لم تبلغ من صدقي باشا شيئًا، وهي لم تبعد صدقي باشا عن السياسة، وهي لم تصرفه عن مجلس النواب، وهي لم تحمِ نفسها من ملاحظات صدقي باشا وحملاته التي بدأها أمس، وإنما حاربته وجَدَّت في حربه، بكثير من الإشاعات والأحاديث والمناورات.

ثم انتهت هذه الحرب إلى موقف صدقي باشا منها أمس في مجلس النواب، وإذا كان صدقي باشا قد ضعف أمره، وهان حتى انصرف الناس عنه، فليس ذلك من فعل الوزارة، وإنَّما هو مِنْ فِعْل صدقي باشا بنفسه، أسرف على الناس حتى انْصَرَف عَنْهُ الناس، وهانَ أَمْره عَلَيْهِم إِلى هَذَا الحَدِّ الذي يُؤذيه ويُضْنِيهِ.

وكانت الوزارة مشغولة عن قانون محاكمة الوزراء بنقابة المحامين، وانتخابات نقابة المحامين، وخطبة نقيب المحامين، والتشريع المستعجل لنقابة المحامين … وقد انتهى بها هذا كله إلى مثل ما انتهت بها إليه حربها لصدقي باشا؛ فقد رَفَضَ المُحَامُون أنْ يُذْعِنُوا لقانونها، وأعلنوا أنَّ الحُكم الرجعي فيه يخالف الدستور، وأصروا على أن ما أقدموا عليه من انتخاب لا يزال صحيحًا بعد صدور القانون كما كان صحيحًا قبل صدور القانون. وكانت الوزارة مشغولة بما شئت، وما لم تشأ من المشكلات التي لم تنتهِ فيها إلى شيء، وكانت نتيجة هذا الاشتغال بتلك الأعمال الجِسَام أنْ وقف صدقي باشا منها موقف الخصم المخوف، ووقفت هي منه موقف الخصم الخائف، ووقفتِ الأُمَّةُ مِنْهُما ومن تَصَرُّفهما في مرافقها موقف المتألم المحزون.

أرأيت أننا على هذه الأرض المصرية قسمان: قسم لا يكاد يفعل أو يقول أو تتخيل الوزارة أنه يفعل أو يقول إلا دعي وسئل، وشدد عليه الحساب، وقسم آخر لا يقدر الناس على سؤاله ولا على حسابه، ولا على استدعائه فيفوض الأمر فيه إلى الله؟! وأغرب من هذا كله أن قصة الكورنيش لم تستطع إلى الآن أن تُثير في نفس واحد أو عشرة من النواب الرغبة في شيء يشبه الاستجواب!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.