والكلام أبو الحوادث.

فإن النار بالعودين تذكو

وإن الحرب أولها كلام

وكأنما أراد الشاعر أن يبالغ في خطر الكلام، فخيل إليه أنه جاوز مداه؛ حيث قال: إنه بداءة الحرب، ولكنه لم يبالغ في بيان خطره؛ لأن الكلام أيضًا نهاية كل حرب، إذ كانت نهاية كل حرب معاهدة صلح، أو قصة في تاريخ، أو خبرًا من الأخبار.

«والإنسان حيوان ناطق.» كلمة صحيحة بكل معنى من معاني النطق، وصحيح مثلها أن الكلمة أول كل خلق: ()

وفي البدء كانت الكلمة.

و«اللوغوس» في حكمة اليونان ترادف معنى الكون والوعي الموجود.

فتاريخ الأدب في العام الماضي، وفي جميع الأعوام، إنما هو تاريخ حوادث واقعة، وإن كانت حوادث كلام. وأهم حادث في عالمنا الأدبي قد يكون سطورًا في ورقات، ولا يبخسه ذلك شيئًا من قَدْره … فما من حادث قط يستحق أن يسمى حادثًا إن فاته أن يصبح سطورًا في ورقات.

وقد اختلف أدباؤنا في هذا الحادث المهم حين سئلوا عنه في نهاية العام الغابر، أو في مطلع العام الحاضر، فقال الأستاذ توفيق الحكيم لمحرر صفحة الأدب: إنه توجيه جائزة نوبل إلى شرشل، وقال الأستاذ أحمد أمين: إنه شيوع الاعتقاد بأن الفن والأدب للمجتمع، وقال الأستاذ علي أدهم: إنه هو ظهور كتاب الفلسفة الشرقية والغربية، وقال الأستاذ عبد الرحمن صدقي: إنه هو تجدد الاهتمام بالشاعر أبي نواس.

وكلهم على صواب من جهة على الأقل، وحسبنا ذلك من إصابة في الإجابة؛ لأن الإحاطة بالصواب من جميع جهاته غير ميسورة في جواب واحد عن مثل هذا السؤال.

وسنعرض لكل جواب بشيء من التعقيب أو المناقشة، ثم نتركه وفيه بعد ذلك — ولا شك — مجال لتعقيبات ومناقشات.

توفيق الحكيم

قال الأستاذ الحكيم: «إن منح جائزة الأدب لشرشل وهو رئيس وزارة قائمة يدل — مع الأسف — على أن السياسة وسلطانها في العصر الحاضر تكاد تُفْقِد الأدبَ اعتبارَه وحرية اختياره، ولو كان شرشل أديبًا عاديًّا وكتب ما كتب لما قومت أعماله بهذا المعيار.»

ونعتقد نحن، كما اعتقد الأستاذ الحكيم، أن المنصب الكبير قد فعل فعله في توجيه الجائزة إلى رئيس الوزارة الإنجليزية، ولكن على غير الوجه الذي يراه الأستاذ.

إن شرشل زميل للحكيم في فن القصة؛ لأنه ألف قصة سفرولا Savrola وهو في الثالثة والعشرين. ومن الطريف أن سفرولا هذا هو بطل ديمقراطي يناضل الاستبداد وينشد الحرية، وأنه يسلك في جهاده سبلًا لو سلكها زعيم وطني تحت سلطان شرشل لما سلم من الجزاء الشديد.

ولم يثابر شرشل على كتابة القصة منذ قصته الأولى حتى تجوز المقابلة بينه وبين الأستاذ الحكيم بعد الخمسين، ولا يهم أي رقم بعد الخمسين!

لكنه كتب في الأدب والفن والنقد، ويصح أن يقال: إنه كتب في شئون الفلسفة الأخلاقية فأشفق على مصير الإنسان مع العلم الحديث؛ لأنه — على تقديره — صائر إلى إحدى حالتين: تدمير الحضارة بما يخترعه من الأسلحة، أو تدمير وجدانه بالمعيشة الآلية؛ إذ يصبح هذا الحيوان الناطق كالأداة المتحركة لا يحسن غير عمل واحد يتخصص له بالتحضير والتربية كأنه الإنسان الصناعي المزعوم Robot.

ولا نرى رأي الأستاذ الحكيم في قيمة الكتابة الأدبية التي ظهرت لزميله سابقًا في فن القصة؛ فإن بعض هذه الكتابة يُضارع المختار من طبقة الأدباء الذين مُنحوا الجائزة في السنوات الأخيرة، ومنه في الدراسات «التحليلية» ما يفوق أمثاله؛ كدراسته لبرنارد شو، ولورنس، وتروتسكي، وبلفور.

ولكننا نعتقد أن هذه الكتابة وحدها لم تكن لترشحه لجائزة نوبل على الخصوص، وهي جائزة موقوفة على التقريب بين الشعوب وخدمة السلام.

فلماذا توجهت إليه هذه الجائزة؟

إن العلة هنا في شعور الأمم الشمالية لا في طغيان سلطان الوزارة؛ فإن أبناء السويد والنرويج والدنمرك لا يستطيعون — على ما يظهر — أن يفرقوا بين السلام العالمي والسلام الذي يعنيهم، فإذا وقف شرشل في وجه النازية والشيوعية فهو عندهم «خادم سلام» من الطراز الأول … فما برحت أمم الشمال الصغيرة تشعر بالخطر من جهة ألمانيا النازية وروسيا السوفيتية، فكل من حارب هاتين القوتين فهو من خدام قضية السلام.

وهذا يفسر لنا أن جائزة نوبل لم تُمنح قط لروسي أو ألماني، إلا أن يكون من الروس البيض أو الألمان المهاجرين، ويفسر لنا أن الأمريكيين لم يظفروا بإحدى هذه الجوائز إلا بعد اشتراك الولايات المتحدة في السياسة العالمية، ووقوفها بالمرصاد مرة لروسيا ومرة لألمانيا، أو دعوتها إلى السلم ملحوظًا فيه سلام الأقطار السكندنافية.

من هنا تتعرض السياسة لموازين الأدب، ولعل الوعي الباطن هنا يفعل فعله بمعزل عن القصد وتعمد المحاباة.

أحمد أمين

ويقول الدكتور أحمد أمين: «لا أرى أنه حدث في العام الماضي ما غيَّر وجهة الأدب، وإنما حدثت تطورات اقتصادية وسياسية في بعض الممالك الكبيرة جعلت الأدب يتجه نحو أن يكون في خدمة المجتمع …»

وتعقيبنا على ملاحظة الدكتور أحمد أمين أن نسأل: وماذا تعني خدمة المجتمع؟

إن كلمة المجتمع لا تعني بطبيعة الحال أن المجتمع مجرد من الأمثلة العليا، والأشواق الرفيعة، والمطالب الوجدانية؛ فالأدب إذن قد كان في خدمة المجتمع من أقدم عصوره، ولا يمكن أن يكون في خدمة شيء آخر؛ فما كانت المجتمعات لتحفظ أدبًا تتناقله بالرواية جيلًا بعد جيل إن لم يكن فيه ما يعنيها ويشغلها ويثير اهتمامها.

والحق أن الأدب يجب أن يخدم المجتمع.

والحق أيضًا أن المجتمع يجب أن يتسع للحياة الإنسانية في جميع مطالبها ومطامحها، ومنها المثل العليا وأحلام الخير والجمال.

وعلى هذا لا يكون الشاعر الذي يصف حديقة الورد عرضة للسخرية؛ لأن المجتمع الذي لا محل فيه لحديقة الورد ناقص مُشوَّهٌ، وما من مجتمع في الدنيا يحتاج إلى مَن يوصيه بغيط القمح والشعير، ولكنه قد يحتاج أحيانًا إلى من يوصيه بغير الطعام من مطالب الأرواح والأجسام.

علي أدهم

وقبل أن نذكر الحادث الأدبي البارز في السنة الماضية كما اختاره الأستاذ علي أدهم، نرجع إلى قصة لا يعرفها القراء، ولكنها تجمع بين الطرافة واللزوم في هذا المقام.

مدرسة الإسكندرية في الأدب قديمة تتجدد مع المدينة في أيام عزها وشهرتها، وهذه المدرسة وجدت مع العصر الحديث واقترنت نشأتها بنشأة القرن العشرين، وكان على رأسها الأستاذ عبد الرحمن شكري، ومِن توابعها الأساتذةُ: علي أدهم، ومفيد الشوباشي، وعبد اللطيف النشار، وعثمان حلمي، والشيبوبان خليل وصديق، ومحمود سالم، وزكريا جزارين، وطائفة ممن يلي هؤلاء في السن من الشبان الناشئين.

وبين أبناء هذه الطائفة شيطان — لا أسميه — خطر له أن يضع مسرحية في قالب «حلقة ذكر فلسفية» يشترك فيها زملاؤه الأدباء والشعراء، ويهتف كل منهم في ذِكْرِه بالاسم الذي يُسبِّح له ويغني على ليلاه.

فمنهم من يهتف: «بيرون. بيرون!»

ومنهم من يهتف: «شيلر. شيلر!»

ومنهم من يهتف: «أنا. أنا. أنا. أنا.» ولا يزيد عليها.

أما الأستاذ أدهم — وهو أحد الذَّكِّيرة المُتَحمِّسين — فهتافه على الدوام: «هيجل. شيجل. كارليل. كارليل.» ثم يعيدها عكسًا وطردًا في حلقة الذكر، وفي غير الحلقة على انفراد، بعد انفضاض الذكيرة الهاتفين.

إذا عرف القراء هذه القصة لم يعجبوا لرأيه في اختيار الحادث البارز من حوادث السنة الأدبية، وهو ظهور كتاب «الفلسفة الشرقية والغربية»، في مجلدين، من عمل لجنة هندية يرأسها الدكتور «راداكرشنان» وكيل الجمهورية.

ونحن — والله — لا نعجب لهذا الاختيار، ولا نستكثر على الكتاب أن يكون حادثًا مذكورًا في السنة الماضية لولا أنه كتاب مراجعة وتلخيص، وليس بكتاب إبداع وابتكار.

ولكننا — مع هذا — نحسب أن الجانب الجدير بالتنويه من هذا الكتاب أن يفرغ له رجل مشغول بوكالة جمهورية في إبان نشأتها، ولم يكن شاغله الوحيد من نوعه في أثناء قيامه بهذه الوكالة، بل أضاف إليه اشتغاله بإحياء الأسفار البرهمية القديمة مترجمةً مشفوعةً بنصوصها السنسكريتية، ومكتوبة بالحروف اللاتينية.

هذه حوادث أدبية جديرة — ولا شك — بالتنويه، وفيها ردود كافية على أولئك المتحذلقين الذين أقاموا أنفسهم مقام المتصرفين في العقول والقرائح، يمنعون ويبيحون باسم القديم والجديد، ولا نصيب لهم من قديم أو جديد.

عبد الرحمن صدقي

والأستاذ عبد الرحمن صدقي يرى «أن الظاهرة التي تستحق التسجيل هي هذا الاهتمام بالشاعر القديم أبي نواس؛ فقد ظهرت عنه عدة كتب، ونُشِرَتْ له قصائدُ كثيرةٌ. وهذا الاهتمام ليس من قبيل المصادفة؛ وإنما مَردُّه — فيما أعتقد — إلى أن الشاعر كان ثائرًا على قيود التقاليد، وكان داعيًا للانطلاق والحرية، وكان زعيم ثورة؛ فلا غرابة أن يكون الاهتمام به في عهد الثورة.»

وفي هذا الرأي صواب كثير، فلا مصادفة في الاهتمام بهذا الشاعر في العصر الحاضر، ولكنه — على ما نرجح — قد لقي هذا الاهتمام لأنه أصلحُ نموذجٍ في الأدب العربي للدراسات النفسية وتطبيق آراء النفسانيين المحدثين على الأمزجة والأخلاق، ولا نعلم أن شاعرًا آخر من شعراء العربية ييسر للباحث من الشواهد والأمثلة ما ييسره له أبو نواس، أو أن شاعرًا آخر يكثر الخطأ في دراسته وتكثر الحاجة إلى تصحيح الخطأ كما يتفق ذلك في دراسة هذا النموذج العجيب؛ ولهذا تناولناه بالنقد في كتاب يظهر قريبًا، ويتبين منه أن أبا نواس صورة أخرى غير الصورة التي مُثِّلت له في الأذهان من طريق الشهرة والإشاعة، وإن جاءت في أحسن المراجع الأدبية.

ولا إحراق، بل أوراق يا وراق

وذلك خلاصة الحادث الذي قلنا إنه أبرز الحوادث الأدبية في السنة الماضية، وأشرنا به إلى تصريح الرئيس الأمريكي بوجوب رفع الحجر عن الآراء المعارضة للمذاهب السياسية القائمة في بلد من البلدان؛ فلا يحسن بالعلم ولا بالتعليم أن يدخل الطالب إلى مكتبته وهو يعرف أن الحقيقة مخبوءة عنه، أو أن عقله يُخشى عليه من الاطلاع على رأي من الآراء.

وأصدق ما يكون ذلك على الشيوعية، إن جاز التمييز بين مذهب ومذهب في حرية الاطلاع عليه، فما من مذهب هو أظهر عيوبًا، وأسهل تفنيدًا من الشيوعية، ولا لزوم لسلطان القوة في تفنيد مذهب قط إذا كانت الكلمة فيه تنفيها كلمات، والسند عليه تبطله أسناد.

على أننا نقول هذا ونقول معه: إن حرية الفكر غير حرية الإجرام، وإن إباحة الآراء والأفكار غير إباحة المؤسسات والتنظيمات؛ لأن المؤسسة الشيوعية هي باعتراف الشيوعيين مؤامرة علنية على نظام المجتمع وأخلاقه وآدابه وشرائعه ومعاملاته، وليس قصاراها أنها مؤامرة على الحكومة أو السلطة الحاكمة. وليس من القانون إباحة العمل على تقويض القانون من أساسه، وإباحة ذلك لمن لا يُقيِّده قَسمٌ ولا عهدٌ ولا يمينٌ، وإذا صحَّ أن «الفتى يُدان كما يدين.» فلا موضع لشكوى الشيوعيين من مصادرة المؤامرة السافرة وهم لا يسمحون بما دون ذلك من مجرد الخلاف على التفاصيل، فضلًا عن القواعد والأصول.

الثورة الدائمة

أما ثورة الفكر فهي شيء دائم لا يتطلب الإجرام ولا يستعين به على غاية، بل الإجرام هو القضاء على هذه الشعلة الدائمة التي أودعها اللهُ طبائعَ البشر حين أودع سر الوجود كله في «الكلمة»، وفي الوحي الذي يتنزل من حين إلى حين على رسل الخير والحرية، فلا تنتهي رسالته إلى آخر الزمان.

ونكتب هذا وفي القاهرة — كما قلتم في أخبار المجتمع منذ بضعة أيام — صاحب كتاب «الرجل الثائر» ألبير كامي Camus الذي سميتموه بالفيلسوف.

قلتم في أخبار المجتمع يوم الأحد الماضي: إنه سيصل إلى القاهرة «الفيلسوف الوجودي … وسيبقى أسبوعًا يلقي خلاله عدة محاضرات من الأدب الوجودي والنقد المعاصر، وأنه صاحب موقف سياسي يخالف موقف قومه؛ لأنه من أنصار الحركات الاستقلالية …»

ولا ندري هل يرضى كامي نفسه أن يُسمَّى فيلسوفًا، وأن يُحسب من الوجوديين؛ فإن ثورته تشمل المنطق وقيود العقل والعرف وما إليها، وقوام دعوته كلها أن الدنيا شيء بغير معنى، وأنها يجب أن تؤخذ على هذه الصفة فلا نتذرع لها بعدة غير عدة العزيمة وقلة المبالاة، وروايته الكبرى «الطاعون» تقوم على حوار بين الشيخ الذي يحيل الوباء على الحكمة الإلهية، وبين الطبيب الذي لا يرى له ولا لغيره حكمة ما.

ولكنه يكافحه ويعيش بعد موت امرأته؛ لأنه يأنف من جبن الخنوع والاستسلام، وكأنما الإنسان في حياته الضائعة بطل الأسطورة اليونانية «سيسفوس»، الذي قُضي عليه أن يخلد في الجحيم ليرفع كل يوم حجرًا ثقيلًا من الهاوية إلى القمة، ثم ينحدر به فيعود إلى رفعه كَرَّةً أخرى … وعنده أن الأديان قد عالجت شقاء الحياة بالرجاء وبالعقيدة، فاستنفد الشقاء كل رجاء، واستنفد العقيدة بعد الرجاء، ولم تبقَ له قوة يعتصم بها غير الثورة الدائمة، وغير التسلية الطيبة في هذه الغربة التي تزداد غرابة على مر السنين.

لو قلتم «الثائر الأبدي» لكان هذا — فيما نحسب — أدنى إلى رضا الكاتب من لقب الفيلسوف، ثم لقب الفيلسوف الوجودي على الخصوص … والرجل لمَّا يجاوز الأربعين بعدُ، ولم يختم رسالته في عالم الفكر والأدب، فلعله مع امتداد العمر يثوب إلى قرار دائم بعد الثورة الدائمة، أو لعله يدين ببعض المعنى في ثورته التي لا معنى لها غير الإفلات من الخنوع والتسليم.

ونحن — على تقديرنا لصدق الرجل في شعوره، ونبله في مقاومة أعداء وطنه، والأخذ بناصر المظلومين تحت نيرِهِ — نرجح أن آفته كلها قلة الفلسفة في دعوته ووجهة تفكيره؛ لأنه يقرر في أول كتابه «الثائر» أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي لا يرتضي ما هو فيه، ويريد أن يكون غير ما هو كائن، ثم ينتهي من الكتاب إلى وجهة عجيبة؛ وهي دوام الثورة على الماضي وعلى المستقبل في سبيل الحاضر.

ترى لو آمن الإنسان بالحاضر وحده هل يثور؟ وهل يتقدم من حاضر إلى حاضرٍ أعظمَ منه لو لم يكن نظره معلقًا بالمستقبل على الدوام؟ وهل يتفق أن يقال: إن الإنسان يأبى أن يكون كما هو كائن، ثم يقال: إنه رهين بالحاضر دون سواه؟

إن صاحبنا ينكر «الوجود المطلق» Absolute وينعى الإيمان به على المتدينين والماديين، ولو استطاع الإنسان أن يحصر نفسه في نطاق المحدود لكان حيث هو كائن بغير أسف على ما مضى، وغير اشتياق إلى ما هو آتٍ.

وإنه ليبدع غايةَ إبداعه حين يصف الغربة التي يشعر بها الكائن العاقل بين عناصر الطبيعة، وحين يصف سخافة الحوادث والصروف وخلوها من المعنى، ومن هنا كان سؤال بعضهم له: كيف يفسر اهتمام الكاتب بالكتابة في الدنيا التي لا معنى لها؟ أتراك تؤمن بأنها رسالة علوية يساق إليها الكاتب مُسخَّرًا من عالم الغيب؟

وقد أجاب سائله بأن الحياة تطلب التغيير بدافع من داخلها ودافع من خارجها كلما ضاقت بها ظروفها، وأن الكتابة دافع من هذه الدوافع الحيوية.

ويبدو أنه جوابٌ كافٍ لذلك السؤال، ولكن السؤال الذي يبقى مُعلَّقًا بغير جواب مقنع هو شعور الإنسان بالغربة بين عناصر الطبيعة، فهل من المعقول أن يُخلق الإنسان من عناصر الطبيعة ثم يشعر بالغربة بينها وهو من مادتها، ولا شيء فيه غريب عن هذه المادة؟ ألا يكون من الأجوبة التي تخطر على البال هنا أنه يشتمل في كيانه على مزاج غريب هو علة الشعور بتلك الغربة؟

بلى، ويكون من الأجوبة التي تخطر على البال أيضًا أن المزاج الغريب هو هدف الشعلة المقدسة: شعلة الفكر الثائر على المادة إلى غير استقرار، شعلة الحرية الفكرية التي تخول الفكر حق الصواب والخطأ؛ فإنه لا يقال عن الحق: إنه حق إذا كان مقيدًا بالصواب، أو بالصواب كما يراه الآخرون، ولا حرية للإنسان إن كان الإنسان صالحًا لا يستطيع غير الصلاح.

وحق التخريف أيضًا

ومن سخرية المناسبات أننا نستطرد، لبعض المناسبات، إلى إلحاق الكلام عن حرية التفكير بالكلام عن حرية التخريف.

والمناسبة هي رسالة يقول فيها كاتبها بعد إنحاء شديد: إنه يشك في قصة «الشاطر هانس» أو قصة الحصان الذي كان يتفرس بنظرة في وجه سائله فيعلم من ملامحه أين يقف عند عد الأرقام، أو تمييز الحروف الأبجدية، ويجزم بأن هذا الخبر من خرافات المشعوذين.

ولا ننكر على كاتب الرسالة حقه في الجزم بالتكذيب حيث لا موجب للتكذيب؛ لأن التخريف مما يدخل في حق الخطأ الذي أسلفنا الإشارة إليه.

قال الراوي: والتخريف تخريفان: تخريف معناه قبول الخرافة، وتخريف معناه رفض الحقائق؛ لأنها تبدو لمن يرفضها كالخرافات.

ومن التخريف أن نستكثر على طاقة الحصان أن يستخدم نظره ذلك الاستخدام النادر؛ لأننا نستطيع أن نعلم من مجرد النظر إلى عيون الخيل أن استعمال نظرها في الانتباه إلى ما حولها ضرورة تصنع المعجزات. ومن هذه المعجزات أن العينين تنظران إلى الجانبين خلافًا لأعين الحيوان التي تنظر أمامها وتستدير لتنظر ما حولها.

وقد يكون الحوذية أذكى من كاتب الرسالة الذي رمانا بالتخريف لأننا نقلنا قصة الشاطر هانس؛ فإنهم يحجبون نظر الخيل إلى الجانبين. ولو كان للخيل قدرة على أن تحجب عينيها بيديها كما يفعل بعض الناس لأغمضتها بغير حجاب، ولكنها مسكينة محرومة من هذا الحق … فهنيئًا به لمن يحرص عليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.