هذا أحد الأمثال الشعبية الشائعة، وهو يشير إلى الإحساس العام بأن سلوك الناس، في الوقت الحاضر، أصبح لا يعبأ كثيرًا بالقيود الأخلاقية في مراعاة الآخرين أو في الوفاء والمروءة والصدق ورد الجميل وغير ذلك من الخصال النبيلة في التعامل في الحياة؛ فهناك انطباع شائع بأن ما يحرك الناس في تصرفاتهم الآن هو «المصلحة الذاتية والآنية» بصرف النظر عن مفهوم الواجب تجاه الآخرين. «فالواجب» الوحيد السائد الآن هو «نفسي»، «ونفسي فقط». وهناك أيضًا انطباع آخر مكمل، وهو أن الماضي كان أفضل من الحاضر، فهو عصر الأخلاق والمبادئ، أما الحاضر فقد غلبت عليه المصالح المادية وتراجعت القيم الروحية. فالماضي عند الكثيرين هو زمان الأعمال الخيرية ومراعاة حقوق الغير. وهذا كله تغيَّر في العصر الحديث حيث غلبت الماديات وتراجعت القيم المعنوية.

ولكن من أين جاء هذا المثال الشعبي؟

يبدو أن أصل هذا المثال هو أن حريقًا قام في أحد الحمامات العمومية في الإسكندرية؛ مما أدى بالكثيرين من الزبائن إلى الهرب من الحريق والخروج من الحمام إلى الشوارع مهرولين لإنقاذ حياتهم، وقد اضطر عدد منهم رجالًا ونساء إلى الخروج إلى الشوارع عرايا، ولكن يبدو أن هناك عددًا آخر من الزبائن فاجأهم الحريق وهم عرايا داخل الحمام، فاستكثروا الخروج إلى الشوارع عرايا خجلًا وحياءً، حتى لو كان الثمن هو حياتهم. وبالفعل مات في هذا الحريق عدد من الزبائن الذين غلب عليهم الحياء، وهم قلة بطبيعة الأحوال، ومن هنا جاء المثال: اللي اختشوا ماتوا!

وليس غرضي من هذا المقال مناقشة السلوك الاجتماعي للأفراد، وهل صحيح أنهم أصبحوا أكثر مادية، وأقل حياء ومراعاة لشعور الآخرين؟ فهذا بحث اجتماعي يتطلب مواصفات ومؤهلات خاصة فيمن يتعرض له، لا أدعي أنني أملكها، ولكن السبب من استدعاء هذا المثال هو أمر آخر تمامًا عنَّ لي أثناء مشاهدة صور المظاهرات في باكستان، من خلال التلفزيون، وهي صور لم تلبث أن استدعت في ذهني هذا المثال الشعبي؛ فقد جاء الرئيس مشرف إلى الحكم لإعادة الأمن والاستقرار لبلده، وما نراه الآن شيئًا مختلفًا تمامًا، فإذا بنا نرى مشاهد تُبيِّنُ تواجدًا كثيفًا لرجال الأمن المُزوَّدين بالعُصي والهراوات وهم يضربون المتظاهرين بقسوة وبلا هوادة، والجميع شبابًا وشيوخًا ونساءً يصرخون للمطالبة بحكم القانون، وإعادة القضاة المفصولين، وإلغاء حكم الطوارئ. ومن أطرف — أو بالأحرى من أبشع — ما رأيتُ: شرطيات من النساء وهن يضربن المتظاهرات من النساء بقسوة وشراسة لا تقل عن عنف الرجال، ولكن يبدو أن الحكومة لا تنسى — وهي تُنكِّل بالمتظاهرين والمتظاهرات — أن تحترم التقاليد الإسلامية، فحرصت على أن يكون ضرب المتظاهرات على أيدي نساء مثلهن.

وماذا يطالب المتظاهرون؟ ببساطة، احترام الدستور والقانون. وينص الدستور على عدم جواز الجمع بين قيادة الجيش ورئاسة الدولة. وكان مشرف قد وعد بأنه بمجرد انتخابه، في المرة السابقة، سوف يتخلى عن قيادة الجيش، ولكنه لم يفعل، وبعد تقدمه للانتخابات في المرة الأخيرة تقدَّمت المعارضة برفع دعوى بعدم دستورية انتخابه؛ لأنه لم يتخلَّ عن قيادة الجيش، فماذا فعل؟ فصَل ثمانية عشر من القضاة بينهم رئيس المحكمة العليا. وكل هذا باسم أمن البلاد والمصالح العليا. أليس الذين اختشوا ماتوا فعلًا؟

وليس المثال الباكستاني فريدًا في حاله؛ فانظر حولك تجد المشهد كله يتكرر بصور مختلفة، ولكن على نحو يجعل من المثال الشعبي المشار إليه تلخيصًا للحياة السياسية في معظم بلداننا العربية والإسلامية.

عرفت الجزائر فترة شديدة من الاضطراب والفوضى بعد إلغاء الانتخابات التي جرت في بداية التسعينيات حين بدا أن الإسلاميين يحققون فوزًا انتخابيًّا، ومن يومها وقعت البلد في أتون الفوضى والقتل والاضطراب، وجاء انتخاب الرئيس بوتفليقة مؤذنًا بسياسة جديدة للوفاق والتصالح، وبالفعل حقق نجاحًا نسبيًّا في استقرار الحياة السياسية. وجاء ارتفاع أسعار البترول فأعطى لهذه الإصلاحات السياسية سندًا اقتصاديًّا؛ حيث امتلأت الخزانة الجزائرية وسدَّدت الديون الخارجية وانتعش الاقتصاد. ولكن الدستور الجزائري ينص على أن مدة الرئاسة لا تزيد على فترتين، وقاربت الفترة الثانية لرئاسة بوتفليقة على الانتهاء. وهنا ارتفعت الأصوات للمطالبة بتعديل الدستور بإجازة الترشيح للرئيس بوتفليقة لمدة ثالثة. وهذا ما أعلنه رئيس الوزراء، والأمر يتوقف حاليًّا على الرأي النهائي للرئيس بوتفليقة نفسه، وكأن تعديل الدستور رهنٌ برغبة فرد، مهما كان وزنه، وليس وليد حاجة المجتمع.

وبطبيعة الأحوال، فإن القانون الجزائري، شأن معظم الدساتير العربية، يضع من القيود والعقبات أمام الترشيح بما يجعل هذا المنصب غير متاح، عمليًّا، لأي سياسي ما لم ترضَ عنه الأجهزة الحكومية. ومن هنا نقرأ في الصحف أيضًا أن بن بيتور، رئيس الوزراء السابق، يعلن أنه سوف يرشح نفسه في الانتخابات القادمة إذا لم يرشح الرئيس بوتفليقة نفسه، وكان بن بيتور قد فشل في الانتخابات السابقة في الحصول على توقيع ٧٥ ألف مواطن لتزكيته، كما يتطلب القانون؛ وبالتالي لم يرد اسمه في قائمة المرشحين. ولعل المرء يتساءل: بالله من يستطيع أن يحصل على توقيع وتوكيل رسمي من ٧٥ ألف مواطن ما لم تكن الدولة وأجهزتها وراءه؟

وبطبيعة الأحوال، فإن هذا الحديث يذكرنا بما أثير في مصر عند انتخابات الرئاسة حول تعديل الدستور في صدد شروط انتخاب رئيس الجمهورية، وما يتردد من أحاديث عن التوريث. والطريف في الأمر أن هذه الممارسات لا تتم بأوامر سيادية، بل إنها تمر، عادةً، عبر القنوات الدستورية والقانونية، وبما يُوفِّر لها نوعًا من الشكلية الشرعية على ما يُتَّخذ من إجراءات استنادًا إلى المقولة الشهيرة للرئيس السادات: «كله بالقانون.»

وفي كل هذه المشاهد في باكستان أو الجزائر ومصر، نجد أنها تتم باسم الاستقرار والأمن حينًا، وباسم الديمقراطية حينًا آخر، وباسم المصلحة الوطنية حينًا ثالثًا، ولا يملك الإنسان إزاءها إلا أن يتساءل: صحيح اللي اختشوا ماتوا؟

ولكن هل ما يحدث أمام أعيننا الآن جديد لم تعرفه الأجيال السابقة، أم أن الأمر استمرار لممارسات قديمة وعميقة الجذور؟ الحقيقة أن الجديد ليس في طبيعة الحكم، وإنما في تطلعات المحكومين، وهو أننا نطالب بشيء لم يكن معروفًا ولا مطلوبًا عند أسلافنا؛ لأن تطلعاتنا تغيرت وآمالنا توسعت.

إذا نظرنا إلى الأوضاع السياسية وأمور الحكم في مصر مثلًا، فليس من السهل القول بأن نظام الحكم الآن أسوأ مما كان عليه في الماضي، وإن كان ليس أفضل بطبيعة الأحوال؛ فيمكن القول بشيء من التعميم: إن نظام الحكم الذي وضعه عبد الناصر مع قيام الثورة لم يتغير في أسلوبه بشكل كبير، وإن كانت التوجهات قد اختلفت أيديولوجيًّا؛ هناك تحول إلى اقتصاد السوق وميل إلى الغرب بعد زوال المعسكر الشرقي، ولكن نظام وأسلوب الحكم ظل في جوهره واحدًا، فالنظام يدور بشكل رئيسي حول شخص الرئيس ومؤسسة الرئاسة، في حين أن الحكومة والوزارات هي مجرد أجهزة تنفيذية، مع إعطاء دور قوي وخفي لأجهزة الأمن، والاستناد إلى «صفوة» موالية لمؤسسة الرئاسة — كانت تتكون أساسًا من الضباط الأحرار، وبدأت تتسع لغيرهم الآن وخاصة من رجال الأعمال — وإلى جوار هذه القوى السياسية المؤثرة هناك غطاء سياسي أو تظاهرة احتفالية للموافقة والمباركة وإعطاء مظهر شعبي، بدءًا من هيئة التحرير ومرورًا بالاتحاد القومي فالاتحاد الاشتراكي، قبل أن تتحول هذه المنظمات إلى منابر وأحزاب سياسية تدور حول حزب الأغلبية.

وكما لم يحدث تغير جوهري في نظام الحكم في مصر، فإن الأوضاع في باكستان أو الجزائر ليس بمختلفة كثيرًا؛ فالحكم العسكري ليس جديدًا على الباكستان، فبعد فترة قصيرة من الحصول على الاستقلال اعتلى السلطة الجنرال أيوب لفترة طويلة، وبعد حياة مدنية قصيرة جاء الجنرال ضياء الحق ليستكمل الحكم العسكري، وحتى الحكم المدني في ظل نواز الشريف أو بنازير بوتو؛ فقد كان أقرب إلى الحكم الإقطاعي منه إلى الحكم الديمقراطي الصحيح. وليست الجزائر مختلفة كثيرًا؛ فبعد الاستقلال بسنوات قليلة تولى السلطة بومدين في حكم عسكري وخلفه قوادٌ عسكريون. وهكذا فليس هناك جديد حقًّا؛ فالحكم الشخصي الدكتاتوري ليس أمرًا مستجدًّا على هذه الدول؛ ومع ذلك فهناك قلق وتملل. فما الجديد؟

الجديد هو أن تطلعات الشعوب إلى الديمقراطية قد زادت بشكل واضح مع العولمة وثورة المعلومات، وليس الأمر فقط متعلقًا بتغير في التطلعات والآمال، ولكن العالم تغير كذلك؛ فالاستبداد لم يعد مجرد جريمة في حق الشعب، وإنما كاد أن يصبح جريمة في حق الإنسانية … فما تراه الشعوب على شاشات التلفزيون وما تقرؤه في الجرائد وخاصة على شبكات الإنترنت فتح الأذهان، وأطلق العنان إلى تطلعات جديدة للحرية والديمقراطية. ليس الأمر فقط «أن الذين اختشوا ماتوا»، ولكن الجديد هو أن الشعوب استيقظت و«العيال كبرت» واكتشفوا أن الحكام عرايا … ورغم أنهم قد كانوا هكذا دائمًا … إلا أن الأجيال الجديدة لم تعد تتقبل ما كانت تتقبله الأجيال السابقة. «اللي اختشوا ماتوا» حقًّا، ولكن أيضًا «العيال كبرت». والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.