بين أيدينا أسئلة لا تُهمل؛ لأنها — فيما نعتقد — صادرة عن نية حسنة في موضوعات عصرية تختلف عليها وجهات النظر، ولكننا لا نرى حاجة إلى إثبات الأسئلة بنصوصها؛ حيث يدل الجواب على السؤال.

ومسئولية المجتمع عن أخطاء الشباب أحد هذه الأسئلة؛ لأنها فكرة تخطر لأناس كثيرين غير دجاجلة السياسة والاجتماع ممن لا يستحقون المناقشة بالدليل.

والآراء التي يشير إليها صاحب السؤال تتلخص في رأي الدكتور مصطفى صفوان، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، وجملته كما جاءت في الأخبار الجديدة: «إن المجتمع الحاضر لا يساعد الشاب ولا يأخذ بيده … بينما كانت المجتمعات البدائية تهيئ كل شيء للفرد، وتفكر له في طفولته وشبابه ورجولته، وإذا ولد احتفلت به، وإذا بلغ احتفلت به، وإذا تزوج سبقته إلى الحفاوة …»

ويبدو من هذا الإجمال أن الأستاذ يعني «بالمجتمعات البدائية» تلك المجتمعات التي لا وجود فيها للفرد مستقلًّا بإرادته وفكره عن الجماعة، والتي تحل فيها المشكلات جميعًا بالتابواث Taboes وأشباهها من التقاليد الموروثة، وكلها مجتمعات لا محل للمقارنة بينها وبين ما نحن فيه أو ما نصير إليه مع الحضارة.

أما المجتمعات التي تنعقد المقارنة بيننا وبينها، فنحن نرى أن عنايتها بالشاب أقل من عناية المجتمع الحاضر به من وجوه كثيرة.

فقد كانت سن التعليم في المجتمعات السابقة تنتهي عند الثانية عشرة أو الخامسة عشرة — على الأكثر — وكان ميلاد الطفل لا يُذكر ولا يُكتب للذكرى، وكانت ألعابه مُحتَقَرة ينبو عنها الكبار، وينهرونه إذا وجدوه مشتغلًا بها في ساعات الفراغ، وكانت الرياضة التي يُسمح له بها — كالفروسية وما إليها — وَقْفًا على طبقة واحدة دون سائر الطبقات.

أما المجتمع الحاضر فقد تمتد فيه سن التعليم إلى الخامسة والعشرين وما بعدها، وقد يحتفل بميلاد كل طفل في موعده، فيعلم الطفل أنه عضو مهم من أعضاء الأسرة، وقد تفتح فيه أندية الرياضة للكبار والصغار، ولا يحسب اللعب فيه من الصغائر التي يترفع عنها العقلاء.

وإنما الفارق بين مجتمعاتنا وتلك المجتمعات الغابرة، أن الشاب كان يتعجل الحسبان في عداد الرجال المسئولين، وأننا اليوم نريد أن نُدَلِّـلَهُ ونُعفيَهُ من اللوم كلما أخطأ عامدًا أو غير عامد؛ كرامة «لخاطر» فرويد وزملائه من أصحاب العُقد والمُركبات. ولم تكن هذه العقد والمركبات معدومة فيما مضى، ولا كانت قليلة الأثر في الحياة، ولكنها كانت في موضعها لا تجوز على كل موضع في النفس أو في المجتمع؛ لأننا عرفناها بأسمائها الحديثة، وحسبناها مسوغًا للنقص بدلًا من حسبانها عرضًا يوجب العناية بالعلاج، ويلقي هذا الواجب على المريض كما يلقيه على الصحيح.

ولا نزال نقول: إن العلم بالأمراض النفسية أو الجسدية لا يسوغها، ولا يحبذها من باب أولى، وإن الشعور بالمسئولية حالة نفسية لا غنى عنها في جميع الأحوال.

الواقعية

أما السؤال عن الواقعية، فالجواب عنه أن تعريف الكاتب الواقعي في كلمتين: «أنه هو الكاتب الذي يصف الحياة كما هي في الواقع.»

فليس من الواقعية أنْ نَصِفَ الحياةَ خُلوًّا من الآمال والأشواق والأحلام؛ لأن الواقع أن الإنسان يحلم، وينقاد في أعماله لأحلام خياله وأحلام هواه.

ولسنا كما يظن صاحب السؤال نُحرِّم على الكاتب أن يفضح رياء المجتمع وأباطيله التي يراها صاحب الفكر الصريح، ولكننا ننكر على الكاتب أن يخلط بين الرياء وبين الحياء؛ لأننا نستر الكثير من أعمالنا حياء، ولا نسترها جميعًا من قبيل الرياء والولع بالأباطيل.

ونحن لا نحجم عن الخروج إلى الشارع بالمباذل البيتية رياءً وولعًا بالأباطيل، وإنما نحجم عن ذلك حياءً منا لا نخدع به أحدًا؛ لأن «الخادع والمخدوع» سواء في العلم بما يَسْتران وما يُبْديان.

ومن أبى أن يقضي ضروراته علانية، فليس هو بالمخادع المنافق على زعم الواقعيين، بل هو إنسان يعرف الحياء الذي ينبغي أن يعرفه كل إنسان.

وليس الخلاف هنا خلافًا بين واقعيين وخياليين، وإنما هو خلاف بين عقلية العبيد وعقلية الأحرار فيما يجوز وما لا يجوز.

فالعقلية المستعبدة ترد كل شيء إلى الخوف، وتمتنع عن المحظورات خوفًا من غيرها، ولا تمتنع عنها بوازع من ضميرها؛ لهذا تحسب الخروج على الممنوعات جميعًا شجاعة مشكورة تدل على امتناع الخوف، أو الإقدام على المخيف المحظور.

أما العقلية الحرة فإنها لتمتنع عن كثير لا يمنعها أحد عنه، ولا مانع لها غير الحياء ورعاية الذوق والضمير.

فالواقعيون الذين يعنيهم صاحب السؤال ينكرون الحياء ولا ينكرون الرياء، وفضيلتهم في ذلك أنهم عبيد يفكرون تفكير العبيد، إن صح أن هذا التفكير فضيلة في عرف أحد من الآدميين.

وما كانت هذه الواقعية مذهبًا حديثًا حتى في مصطلحات أصحاب البدع والتفانين من المشعوذين في الآداب الغربية؛ فإن هؤلاء المشعوذين قد أنكروا الواقعية زمنًا، وسموا أنفسهم باللاواقعيين Non-Realists، وحينًا بفرق الواقعيين Sur-Realists، ثم أعرض عنهم طلاب البدع كما يُعرضون عن كل بدعة تبليها السآمة والتكرار، ونسيتهم الآداب والفنون أو كادت تنساهم في هذه السنوات.

وإذا طوينا صفحات هؤلاء المشعوذين، فالواقعية من أقدم المذاهب في الآداب العالمية؛ لأن هوميروس كان يتكلم عن الواقع، وهو يتكلم عن أساطيره وأبطاله وأباطيله في عقول أبناء جيله، ولأن «ألف ليلة وليلة» كانت من الأدب الواقعي يوم كانت تتكلم عن جزائر الواق وقماقم سليمان؛ إذ كان كل هذا واقعًا يؤمن به الأحياء «العمليون» كما نؤمن اليوم بالأقمار الصناعية والرحلة إلى الكواكب والنجوم.

اللغة والجهل

والسؤال عن اللغة العربية يقول صاحبه متحيرًا في غير حيرة: إلى متى يبقى أبناء اللغة العربية مضطرين إلى التعلم ليكتبوا ويقرءوا على خلاف اللغات الأخرى التي لا فرق فيها بين لغة الكتابة ولغة الكلام؟

وظاهر من السؤال أن صاحبه يعتقد أن اللغة العربية قد انفردت بين اللغات بهذه الضرورة، وهو اعتقاد يخالف الواقع؛ لأن التعليم في اللغات جميعًا ضروري لكل إنسان يريد أن يحسن الكتابة العلمية والفنية، ولا توجد لغة تستحق أن يُكتَب فيها شيء وتكون كتابتها مقصورة على الأشياء المبذولة التي لا يجهلها إنسان؛ فإن الكتابة لم تخلق لتسجيل جهل الجهلاء، أو لتسجيل المعلومات الشائعة التي يتساوى فيها من تعلم ومن لم يتعلم، ولكنها خلقت لكي تنقل إلى الكثيرين ما يمتاز بعلمه القليلون.

ومن أبى التسليم بهذه الحقيقة، فليكتب ما يشاء، وليقل ما يشاء، وليسمع كلامه من يشاء؛ فلن يزول من الدنيا امتياز الفكر والذوق، وامتياز الكتابة والقراءة، إلا إذا قُضِي عليها بالفناء.

وليعلم صاحب السؤال أن الناس يتعلمون شيئًا ليطبخوا، ويتعلمون شيئًا ليخبزوا، ويتعلمون شيئًا ليلبسوا، ويتعلمون شيئًا ليرقصوا، أوَلَا يقال لهم: لماذا؛ لماذا لا يرقص الناس كما يمشون وقد خلقت لكل منهم قدمان؟

فلا عجب إذن في أن يتعلموا شيئًا — بل أشياء كثيرة — ليكتبوا ويفهموا ما يَستحقُّ أن يكتب، ولا مناص لهم من ذلك طائعين أو كارهين.

وإذا كان لهذه الأسئلة التي تكثر في أيامنا هذه من سبب جديد، فهو ما ذكرناه من قَبْلُ وعُدْنا إليه في هذا المقال عن سيئة العصر الحاضر التي لا نجاة له منها قبل القضاء عليها، وهي سيئة الرخاوة عند طلاب السهولة في جميع مطالب الحياة، وليست الحياة من السهولة بحيث يتوهمها — أو بحيث يريدها — هواة الرخاوة والرخاء.

لماذا تتعلم اللغة العربية؟

لأننا لا بد أن نتعلم أداة العلم والفهم والتفاهم التي لا تبذل في الطريق، وستكون اللغة مبذولة للعارف والجاهل يوم تكون العلوم والدراسات كافة مبذولة بغير عناء … ولن تكون.

البدل والعوض

ويراجعنا صاحب السؤال الأخير في هذه الأسئلة في كلمة كتبناها، وحق له أن يراجعنا فيها؛ لأنها خطأ سهونا فيه عن الصواب.

قلنا في اليوميات عن الأشكال الصينية والحروف العربية: «إننا كنا خلقاء أن نرشح أبجديتنا لاستبدال تلك الأشكال الرمزية بها.»

والخطأ هنا أن الباء في الاستبدال تدخل على المتروك من الشيئين، والذين يستبدلون ()‌ يتركون الخير، ويرفضون ما هو أدنى منه بديلًا عنه.

ولا يجوز عكس ذلك في الاستبدال، إلا أن يكون الاستبدال مضمنًا معنى التعويض، وهو من قبيل التجوز الضعيف الذي يباح في بعض الأفعال:

وقد تعوَّضت عن كل بمُشْبِهِه

فما وجدتُ لأيام الصبا عِوَضا

ولكن القول المشهور بغير تجوز أقرب إلى الصحة والفصاحة، وأولى بالاتباع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.