ليس هذا الاسم غريبًا على مصري يتتبع سياسة بلاده، فصاحبه من البرلمانيين والوزراء البريطانيين الذين عنوا بالمسألة المصرية منذ أربع وثلاثين سنة عناية خاصة، فكانوا ولا يزالون من أعظم أنصار حرية مصر واستقلالها.

كان الرجل عضوًا بمجلس العموم البريطاني قبل أن ينقل إلى مصافِّ اللوردات، وكان اسمه يومئذ مستر ودج وود بن، وكان شديد العناية بدراسة المسألة المصرية، فكان يلقي الأسئلة بشأنها، ويثير المناقشات حولها، ثم إنه عُين وزيرًا للطيران البريطاني في وزارة العمال التي تولت الحكم بعد الحرب العالمية الثانية، ونُقل إلى مصافِّ اللوردات، فلما آن لمصر وإنجلترا أن تتفاوضا في سنة ١٩٤٦ بشأن جلاء القوات البريطانية عن مصر، انتدبته الحكومة البريطانية رئيسًا لهيئة المفاوضين الإنجليز، فجاء إلى مصر وقضى بها شهورًا تخللتها عودته إلى إنجلترا للتشاور مع زملائه في الوزارة، وفي هذه المفاوضات أعلنت إنجلترا للمرة الأولى قبولها جلاء قواتها عن مصر برًّا وبحرًا وجوًّا.

كنت عضوًا في هيئة المفاوضة المصرية إذ ذاك، فأتيحت لي الفرصة لمعرفة لورد ستانسجيت عن قُرب، على أن صلتنا في هذه المناسبة لم تزد على أن تكون صلة رسمية، فلما انتهت المفاوضات إلى غير نتيجة إيجابية خُيِّل إليَّ — وأحسب أنه خُيِّل إليه كذلك — أن توديعنا إياه حين أزمع السفر إلى بلاده قد كان آخر العهد بيننا، وأنَّا لن نلتقي من بعدُ أبدًا.

لكن الأقدار أرادت غير ما قدَّرنا نحن، فقد دعا البرلمان المصريُّ الاتحادَ البرلماني الدولي لعقد مؤتمره الأول بعد الحرب بالقاهرة، وقبِلَ الاتحاد البرلماني الدعوة، وحدد لانعقاد المؤتمر بدار البرلمان المصري السابع من أبريل سنة ١٩٤٧. وإذ كنت رئيسًا لمجلس الشيوخ يومئذ، فقد كان طبيعيًّا أن أتولى رئاسة هذا المؤتمر بحكم تقاليد الاتحاد البرلماني، وإنني لفي مكتب رئاسة المؤتمر بدار مجلس النواب ليوم أو يومين قبل انعقاد المؤتمر إذ دخل عليَّ لورد ستانسجيت، وكان قد حضر على رأس الوفد البرلماني البريطاني المشترك في المؤتمر، ولم ألبث حين رأيته أن تعانقنا وذكرنا في أسف أيام المفاوضات التي لم تنتهِ إلى نتيجة.

وانعقد المؤتمر، وقرر — في مقدمة ما قرر — أن لا يزيد عن عشر دقائق حظ كل متكلم من الأعضاء الثلاثمائة المشتركين في المؤتمر من جميع أنحاء العالم، وكان لورد ستانسجيت ثاني المتكلمين في الجلسة الأولى، والرجل خطيب طلق اللسان حلو العبارة، حاضر البديهة، سريع النكتة، وعشر دقائق لا تكفي مثله ليفرغ ما في جعبته، مع ذلك لم أملك، حين انتهت الدقائق العشر، إلَّا أن أنبهه إلى ذلك، وشعرت كأن الرجل أُخذ لهذا التنبيه وإن لم يمنعه تأثره من أن يختم في عبارة وجيزة رقيقة خطابه المرتجل.

ولم ينس الرجل، من بعدُ، هذا التنبيه؛ فقد ذكره لي غير مرة في أحاديث كنا نتبادلها، مما دلني على أنه لم يكن راضيًا عنه.

وحسبت مرة أخرى أن هذا اللقاء في مؤتمر القاهرة البرلماني الدولي سيكون الأخير فيما بيننا، ومرة أخرى أرادت الأقدار غير ما قدَّرنا؛ فلقد انتُخب هو في جلسة ختامية لمؤتمر القاهرة رئيسًا للاتحاد البرلماني الدولي، وانتُخبت أنا عضوًا في اللجنة التنفيذية للاتحاد لمدة خمس سنوات، وكان هو يرأس هذه اللجنة، وكانت اللجنة تجتمع ثلاث مرات في كل سنة، ويكون اجتماعها أحيانًا يومين أو ثلاثة أيام.

بذلك اتصلت بيننا مودة لا تزال باقية إلى اليوم، مودة لم تقف في حدود عملي البرلماني للاتحاد الدولي، بل تجاوزته إلى نوع من الصداقة الخاصة المُبرَّأة من كل معنًى غير معنى الإخلاص والصداقة.

ولا شك عندي في أن اتجاه الرجل إزاء مصر ودفاعه عن حريتها واستقلالها قد كان له من الأثر في نفسه وفي نفسي ما أبقى على هذه المودة وزادها قوة، كما أن حرصنا كلينا على نجاح الاتحاد البرلماني وامتداده ليصبح عالميًّا — بكل معنى الكلمة — قد كان من العوامل على تقوية هذه المودة، وأشهد لقد سعدت بها؛ فلورد ستانسجيت رجل حرٌّ بكل معنى كلمة الحرية، وديمقراطي بكل معنى كلمة الديمقراطية، رقيق الطبع، جميل المعشر، أنيس مهذب، واسع الثقافة، وما كان لي وتلك صفاته وهذه ميوله نحو وطني وحريته إلا أن أرتبط بمودته، وأرجو دوام صداقته.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.