يحتملها أولئك المتمردون في دمشق والذين أيَّدوهم بالجاه والذين أمدُّوهم بالمال والذين ناصروهم جهرة من خارج سوريا ومن داخلها.

يحتملها هؤلاء جميعًا؛ لأنهم تعاونوا أولًا وأعانوا المستعمرين بعد ذلك على تفريق الكلمة وإطماع العدو وإغراء المتربصين بما كانوا يتمنونه ولا يستطيعون أن يحققوه.

يحتملها هؤلاء جميعًا وإن كانت ضمائرهم لا تحفل بالتبعات ولا تهتم إلا لتحقيق المنافع العاجلة والمآرب الخاصة، غير معنية بوحدة العرب ولا بمنافعهم ولا بما يكفل لهم الحياة الكريمة والعزة في بلادهم.

يحتملها هؤلاء جميعًا ويصطلي نارها أولئك العرب الذين يُسامون الخَسْف في فلسطين ويحيون حياة البؤس والذل والشقاء، والعرب الآخرون الذين أُخرجوا من ديارهم واضطُرُّوا إلى حياة هي إلى التشرد أقرب منها إلى شيء آخر. ثم يصطلي نارها كل عربي يشعر بالكرامة ويأبى الضيم ويملأ قلبه حب النجدة لهؤلاء البائسين الذين ظُلموا بغير الحق وعُرِّضُوا لألوان الذلة والهوان. أجل هي تبعة كبرى تنوء بالعصبة أولي القوة، لولا أن الذين يحتملونها الآن قد قست قلوبهم فهي الحجارة أو أشد قسوة، وتبلدت ضمائرهم فهي لا تحس لذع المذلة ولا تشعر بمرارة الضيم ولا تعطفها على البائسين عاطفة ولا تعرف لرحمة المعذبين طعمًا؛ وإنما تفكر في أنفسها وفي أنفسها وحدها.

هذه الأنباء التي تتحدث بها الإذاعات وتنشرها الصحف ويخفق بها البرق من أقطار الأرض بأن لعبة الاستعمار في فلسطين قد أخذت تحول مجرى نهر الأردن، أقدمت على ذلك مطمئنة آمنة راضية النفس ممدودة الأمل إلى المستقبل البعيد؛ لأنها بعد أن تفرقت كلمة العرب واطمأنت بعد أن انتشر القلق حتى شمل الشعوب العربية كلها، وأحست القوة والبأس بعد أن أذن لها أو أغراها أولئك الذين كانوا يحولون بينها وبين أمنيتها العزيزة عليها بأن تنعم على حساب البائسين وتسعد على حساب الأشقياء وتهين الكرامة العربية غير حاسبة لأحد حسابًا وغير راجية لأحد وقارًا.

ما أكثر ما تحدث العرب بأن مجرى نهر الأردن مقدَّس لا يمسه إلا الذين يعرضون أنفسهم لأعظم الكوارث وأقساها، وما أكثر ما أنذر العرب بالحرب التي لا هوادة فيها إذا جرأت ألعوبة الاستعمار على أن تتعرض لمجرى هذا النهر. وعلى رغم هذا كله أخذت ألعوبة الاستعمار تعبث بهذا المجرى الذي كان مقدسًا أمسِ وأصبح اليوم نهبًا مباحًا لإسرائيل تعبث به كيف شاءت وتغيره كما أرادت. والعناصر المتحكمة في الجيش السوري مشغولة بالسياسة حريصة على أن تحمي تمردها بحرب الشعب السوري؛ ليبقى الحكم في يدها ولتنعم بتأييد الذين يؤيدونها بالجاه ويمدونها بالمال ويتهيئون لحرب الوطن السوري نفسه وإذلال الشعب السوري نفسه إذا تعرض المتمردون لخطر خارجي أو داخلي.

وكذلك يرى العرب الآن ويرى الجيش السوري نفسه ويرى أعوانه وأنصاره جراءة إسرائيل وعبثها بنهر الأردن، لا يجدون لذلك لذعًا في قلوبهم أو ألمًا في ضمائرهم أو عطفًا على إخوانهم من الذين يُسامون الذل في فلسطين والذين يشقون بالجوع والخوف من اللاجئين الفلسطينيين. هان عليهم كل شيء إلا تمردهم، ومن يدري لعلهم أغروا إسرائيل بما تفعله الآن إغراء ودفعوها وأدوا إليها نهر الأردن ثمنًا لانصرافها عنهم ومنحهم شيئًا من المعونة والتأييد.

ومن يدري لعل ما تفعله إسرائيل الآن ليس إلا الخطوة الأولى من خطوات الاستعمار، ولعل خطوات أخرى تتبعها غدًا أو بعد غد، فالاستعمار ليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه أن يضعف العرب، وليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه قبل كل شيء أن يشقى العرب، بل ليس يكفيه أن تنعم إسرائيل وتكثر هجرة اليهود وتزداد إسرائيل قوة إلى قوة وأمنًا إلى أمن؛ وإنما يهمه أن تشقى الشعوب العربية وأن تُظهر حاجتها إلى معونة الاستعمار، وأن يمكِّن هذا كله للمستعمرين العودة إلى الأوطان العربية، يستغلونها غدًا كما كانوا يستغلونها أمس، ويستذلون شعوبها غدًا كما كانوا يستذلونها أمس، وينعمون بخيرات الوطن العربي كما كانوا ينعمون به أمس.

كل هذا ممكن وكل هذا دليل على أن تمرد المتمردين في سوريا لم يصنعه المتمردون وحدهم ولم يصنعه أعوانهم من العرب وحدهم، وإنما شاركهم فيه المستعمرون بمالهم وتحريضه وتأييدهم.

فليهنأ قادة هذه الحركة بالذلة بعد العزة والهوان بعد الكرامة، وليتهيئوا لمطامع الطامعين لا في سوريا وحدها ولكن في غيرها من الأقطار العربية، وصدق أبو الطيب حين قال:

منْ يَهُن يسهُل الهوانُ عليه

ما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ

وصدق الله حين قال للمسلمين: ().

ثم لا تتحرج أبواق المتمردين في صحفهم وإذاعتهم من أن تملأ الدنيا ضجيجًا وصياحًا كأننا نتجنى عليهم ونقول فيهم غير الحق، فهم قد جادلوا حين قلنا إن تمردهم قد مزَّق الوحدة العربية وفرَّق كلمة العرب وأوقع بينها من الريبة وسوء الظن ما لا ينبغي أن يكون بين الإخوان، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إنهم كفروا بنعمة الله عليهم وبطروا حين أتاح الله اليسر والسعة للشعب السوري في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إن الوحدة أمَّنت الشعب السوري في وطنه وحمت حدوده من العدوان وأشاعت فيه الأمن والاطمئنان.

جادلوا في هذا كله وأسرفوا في الجدال، فهل يجادلون الآن في أن نقضهم للوحدة دون استفتاء للشعب السوري ودون إيذان لمصر، قد عرَّض سورية للخطر وجرَّأ عليها إسرائيل فاعتدت على أرضها. كيف يجادلون في هذا وهم يرون ويستمعون، أم تراهم يرضون عن هذا ويطمئنون إليه ويؤثرون الألفة مع إسرائيل على الألفة مع شعب عربي مثلهم، ويسخرون من اللاجئين المشردين ويستهزئون بالعرب الذين يُضطهدون في وطنهم وتُصب عليهم المحن في بلادهم، ولا يكرهون أن يطمع فيهم غير إسرائيل، ولا يكرهون أن يتسلط عليهم الاستعمار فيُسيرهم كما يشاء ويصرف أمرهم كما يحب لا لشيء إلا لأنهم يستأثرون بمظاهر الحكم. ولن يكونوا من حقائق الحكم في شيء حين تمتد إليهم أيدي المستعمرين، ولكن المثل لا يكذب حين يقول: «إذا لم تَسْتَحِ فاصنع ما شئت.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.