من السهل تَخَيُّلُ كيف يمكن لحاجز مادي — كنهر أو سلسلة جبلية — أن يخلق نوعًا جديدًا؛ فإذا علقت جماعتان من النوع نفسه على جانبي الحاجز، فلن تتمكَّنَا من التناسل، ولسوف تتطوَّر كلٌّ منهما في طريقها المستقلِّ إلى أن تصبح الاختلافات بينهما كبيرةً للغاية، بحيث يصبح التزاوج بينهما مستحيلًا، حتى إذا قُدِّرَ لأفرادهما أن يلتقوا؛ فالنوع الواحد يصبح نوعين منفصلين.

حشرة السيكادا (ليس النوع المذكور في المقال).
حشرة السيكادا (ليس النوع المذكور في المقال).

هناك أيضًا أمثلة كثيرة تنشأ فيها أنواع جديدة «دون» أيِّ حاجز — حيث ينقسم أحد الأنواع إلى نوعين مع أن كلَّ الأفراد يتشاركون المكان نفسه، ويُطلَق على هذه الحالة «الانتواع التماثلي» (والأصل الإغريقي للمصطلح يعني «الموطن نفسه»). وقد طُرِح هذا المفهوم منذ ما يزيد عن قرن، وأثار جدلًا لوقت طويل خلال تلك الفترة، ومع ذلك فقد وجد العلماء المزيدَ والمزيدَ من الأمثلة التي تدعم هذا المفهوم، حيث تطوَّرت دبابير وذباب وأسماك وأشجار جديدة جنبًا إلى جنب مع نظائرها؛ ففي الأسبوع الماضي فحسب، ذاعَ خبر تفرُّع نملة طفيلية عن نوعها الأصلي، مع أنهما تعيشان في المستعمرة نفسها.

ويأتي أحدث الأمثلة العجيبة من الباحثَيْن جيمس فان ليفِن وجون ماكَجِن من جامعة مونتانا، ويتضمن هذا المثال بكتيريا — تُعرَف باسم «هودجكينيا» — انقسمَتْ إلى نوعين مختلفين، أثناء عيشها في خلايا إحدى الحشرات؛ وليس هناك حاجز في هذه الحالة. وأسماك السردين المحفوظة في علبة ليست أفضل حالًا من بكتيريا هودجكينيا؛ فهذه البكتيريا مكدَّسَة في البنى المجهرية نفسها المكتظة بأعداد كبيرة في حَيِّزٍ ضيق، لكنها تمكَّنَت بطريقة أو بأخرى من أن تُصبِح نوعين مميزين.

والنوعان الوليدان نتجَا كأنهما نصفان للسلف الذي انحدرَا منه؛ فكلٌّ منهما فَقَدَ الجينات التي تمتلِكها بكتيريا هودجكينيا الأصليةُ، لكنهما تخلَّصَا من «جينات مختلفة»، وكل نوع يعوِّض أخاه عن الجينات التي فقدها، فهما يُكَمِّل كلٌّ منهما الآخَر بصورة مثالية؛ فقط ضَعْهما معًا وسوف تحصل (تقريبًا) على الجينوم الكامل للسلف.

توصَّلَ فان لوفِن وماكَجِن لهذا الاكتشاف من خلال دراسة حشرات السيكادا (أو الزيز) — وهي حشرات معروفة بضوضائها الصاخبة — فمنذ قرابة خمس سنوات، أوضح كلاهما أن أحد أنواع حشرة السيكادا لديه نوعان من البكتيريا يعيشان داخل خلاياه — وهما بكتيريا سولسيا، وبكتيريا هودجكينيا — وهذا أمر طبيعي للغاية؛ فكثير من الحشرات لديه بكتيريا داخلية نافعة، ويُطلَق عليها «بكتريا معايِشَة داخلية». وفي الجماعات الماصَّة لعصارة النباتات مثل حشرات السيكادا، تعمل هذه الميكروبات كمكمِّلات غذائية، فتصنع المواد الغذائية التي يَفتَقِر إليها نظامها الغذائي.

وأصبحت الأمور غريبة عندما حلَّلَ فان لوفِن وماكَجِن الحمضَ النووي لحشرة سيكادا من أمريكا الجنوبية تُسمَّى «تيتيجاديز انداتا»؛ فوَجَدَا شظايا كثيرة من الحمض النووي لبكتيريا هودجكينيا، لكنهما للأسف لم يتمكَّنَا من توحيد تلك الشظايا وتحويلها إلى جينوم واحد؛ إذ كانت تتجمَّع دائمًا في مجموعتين منفصلتين، وتبسيطًا للأمور سأطلق عليهما الجينوم ﻫ١ والجينوم ﻫ٢.

ينتمي الجينومان إلى نوعين مختلفين من البكتيريا، ولم يُعثَر عليهما مطلقًا في الخلية نفسها، وأكَّدَ الفريق هذا الأمرَ باستخدام جزيئات فلورسنت مصمَّمَة لتحديد كلِّ جينوم بلون محدَّد — اللون الأصفر للجينوم ﻫ١، واللون الأزرق للجينوم ﻫ٢ — ويمكنك رؤية النتائج في الصوة التالية؛ فكل نقطة صغيرة هي بكتيريا منفصلة، وكل بكتيريا تحتوي إما على ﻫ١ وإما على ﻫ٢، لكنها لا تحتوي أبدًا على كلَيْهما. (النقاط الخضراء هي بكتيريا سولسيا، والنقاط الأرجوانية تنتمي لحشرة السيكادا نفسها.)

نوعان من بكتيريا هودجكينيا (مميزان باللونين الأزرق والأصفر) في حشرة السيكادا.
نوعان من بكتيريا هودجكينيا (مميزان باللونين الأزرق والأصفر) في حشرة السيكادا.

إنَّ هذين النوعين من البكتيريا تَشَعَّبَا من سلف مشترك — سأطلق عليه «هُو» — منذ حوالي ٥ ملايين سنة. كوَّن الباحثان فكرةً جيدة عن هوية السلف المشترك المسمَّى «هُو» من خلال دراسة نوع وثيق الصلة بحشرة السيكادا، لديه جينوم هودجكينيا واحد فقط، به ١٣٧ جينًا، ومن بين هذه الجينات يوجد ٢٠ منها في جينوم ﻫ١ وليس في جينوم ﻫ٢، و٤٤ في ﻫ٢ وليس في ﻫ١، وكل هذه الجينات (باستثناء واحد) موجودة في أحد النوعين الوليدين أو في كلَيْهما.

يشبه هذا النمط كثيرًا ما يحدث عندما ينسخ نوعٌ جينومَه بالكامل، كما حدث مرات كثيرة في تطوُّر الزهور والأسماك وغيرهما الكثير، فعلى نحو مفاجئ يحمل النوع نسختين من كل جين؛ ونظرًا لاحتياج النوع إلى جين واحد فقط، يتعرَّض الجين الثاني لطفرات تعطِّله وتدمِّره، وهذا ما يحدث في أغلب الأحيان؛ والنتيجة هي جينوم يضمُّ تقريبًا العددَ نفسه من الجينات، لكنه مكدَّس في ضعف المادة الوراثية.

هذا بالضبط ما رآه فان لوفِن وماكَجِن في حشرات السيكادا؛ فبكتيريا هودجكينيا الأصلية تنقسم إلى جينومين مختلفين يكوِّنان الجينوم الأصلي، أما في حالات نَسْخ الجينوم الكامل، فالحمض النووي المنقسم يظلُّ جزءًا من الجينوم نفسه. والأمر هنا ليس كذلك؛ ففي هذه الحالة، ﻫ١ وﻫ٢ هما كيانان منفصلان، والعملية التي أنشأتْهما تُشْبِه تقسيم عملةٍ معدنيةٍ بطول حافتها إلى جزأين، ومن ثَمَّ تحصل على عملة بها صورة فقط وعملة بها كتابة فقط، وليس هذا بشيء جديد؛ فالجينوم ﻫ١ والجينوم ﻫ٢ لا يفعلان أيَّ شيء لا يمكن للجينوم «هُو» فعلُه في الأساس.

وهذا واضح جدًّا إذا نظرتَ إلى جيناتهما؛ إذ ستجد أن «هُو» يصنع موادَّ غذائيةً مثل فيتامين ب١٢ والميثيونين لتغذية عائله حشرة السيكادا، فيخصِّص كثيرًا من الجينات لهذه المهمة؛ جين لكل خطوة في سلسلة التفاعلات الكيميائية التي تنتج في النهاية الموادَّ الغذائية. ويمكن للجينوم ﻫ١ والجينوم ﻫ٢ فعلُ الأمرِ نفسه معًا، لكن لا يملك أيٌّ منهما المجموعةَ الكاملة من الجينات لأي سلسلة، ولا يستطيع أيٌّ منهما بمفرده منحَ السيكادا الموادَّ الغذائية التي تحتاجها؛ إذ يجب أن يعملَا معًا، فيمرِّرَا المواد الكيميائية بينهما مثل خط إنتاجٍ يسيرُ متعرِّجًا بين مصنعين متجاورين.

كيف تطوَّرتْ هذه الخطة المعقَّدة؟ كيف نشأ الجينوم ﻫ١ والجينوم ﻫ٢ من إحدى خلايا الجينوم «هُو» التي كانت تعيش جميعها متجاورة؟

من الصعب الإجابة عن هذا السؤال بالتأكيد، لكن ماكَجِن لديه فكرة موضحة في المخطَّط التالي؛ فكل جرثومة من بكتيريا هودجكينيا تحتوي على آلاف النُّسَخ من الجينوم الخاص بها (الدوائر الخضراء) في الخلية نفسها (الحدود السوداء)، وفي مرحلة معينة تحدث طفرةٌ لإحدى الجراثيم في جينوم واحد فقط من نُسَخ الجينوم؛ مما يعطِّل جينًا واحدًا فقط (موضَّحًا باللون الأصفر في القسم ب من الشكل). وتحدث طفرةٌ في الجرثومة الثانية، ومرة أخرى تحدث الطفرةُ في جينوم واحد فقط؛ مما يعطِّل جينًا مختلفًا (موضَّحًا باللون الأزرق).

كيف يصبح نوع واحد من بكتيريا هودجكينيا نوعين؟
كيف يصبح نوع واحد من بكتيريا هودجكينيا نوعين؟

مع وجود جينومات كثيرة في كل خلية، لا تُعتبَر هذه الطفرات ذاتَ شأن؛ فهي غير مرئية بالنسبة إلى الانتخاب الطبيعي، كما أن لها حرية الانتشار. ومع انقسام هذه البكتيريا، فمن الممكن أن يكون للأجيال المستقبلية لهذه الخلايا الوليدة جينومان من الجينومات التي تعرَّضت لطفرةٍ، ثم أربعة، ثم ثمانية (ج).

وفي النهاية، تحدث مشكلةٌ ما (د)؛ أيْ يقع حَدَثٌ ما ينتج سلالتَيْ خلايا يحتوي كلُّ جينوم فيها على الطفرة المميزة باللون الأصفر أو الطفرة المميزة باللون الأزرق، ولا تُعَدُّ أيٌّ من السلالتين ذاتَ فائدة للسيكادا إذا كانت مستقلة بذاتها، فلا تستطيع واحدة منهما تصنيعَ المجموعة الكاملة من الموادِّ الغذائية التي تحتاجها الحشرة؛ فيصبح لزامًا أن يعملَا معًا، ولذلك تبقى كلٌّ منهما في مكانها منتظرة، فتبدآن في فقدان المزيد والمزيد من الجينات، لكن على نحوٍ مكمل دائمًا؛ ويصبحان في النهاية ﻫ١ وﻫ٢.

ولعله من المفيد على الأرجح أن حشرات السيكادا تستطيع أن تعيش حتى ١٧ سنة، وهذه مدة طويلة بالنسبة إلى حشرة، وكأنها خلودٌ بالنسبة إلى جرثومة، ومعظم هذه السنوات تقضيها الحشرة تحت الأرض في صورةِ حوريةٍ ناقصةِ التطوُّر تنمو بِشِقِّ الأَنْفُس. وفي تلك السنوات، لا يكون المعايش الداخلي على قدرٍ عالٍ من الأهمية؛ فيمكن أن يتغيَّر المعايش ويتطوَّر، بل قد يُنشِئ طفراتٍ ضارةً دون أن يؤثِّر هذا على العائل، وهذه السلوكيات الضارة نفسها التي يتبعها المعايِش قد تكون مشكلةً أكبرَ لحشرةٍ قصيرةِ العمر — مثل المن — مما يترتَّب عليه أن يتخلَّص الانتخاب الطبيعي من كلٍّ من العائل وميكروباته غير ذات الشأن. وعلى الأرجح، ليس من المصادفة أنه «في حشرات السيكادا الأطول عمرًا، تتصرف جينومات الهودجكينيا على نحو غريب»؛ حسبما يقول ماكَجِن.

ويستطرد قائلًا: «نعتقد أن هذه حالة شديدةُ الوضوح للتطوُّر غير التكيُّفي.» فبكتيريا هودجكينيا لا تجني أيَّ شيء من الانقسام إلى نوعين، والأمر كذلك بالنسبة إلى حشرة السيكادا، لقد حدث الأمر فحسب من خلال أحداث عشوائية؛ وبذلك فهو تذكرة رائعة بأن التطوُّرَ ليس سُلَّمًا نحو الأنواع الأرقى والأكثر كفاءةً؛ ففي بعض الأحيان يؤدِّي التطور إلى التعقيد من أجل التعقيد. ويعلِّق ماكَجِن قائلًا: «هذا التعايش الجديد ليس أفضلَ بأي حال من نسخته الأبسط؛ إنه فقط أكثرُ تعقيدًا كما أنه يتَّسِم بالثبات فلا يتغيَّر.»

One Species Becomes Two, Inside an Insect by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. August 29, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    elasmr ·٣٠ يناير ٢٠١٦، ١٤:٠ م

    https://www.youtube.com/watch?v=OYyKjZbbfWAhttps://twitter.com/eyadelasmrhttps://vimeo.com/123451347