الشطرنج لعب، ولكن البحث في اللعب جد حقيق بالنظر؛ لأنه بحث عن طبائع النفس الإنسانية، ومعرفة النفس الإنسانية هي مدار كل معرفة تستحق عناية الإنسان.

لماذا يلعب الناس؟ لماذا يلعب الصغار؟ لماذا يلعب الكبار؟ لماذا تختلف الأمم في ألعابها؟ وما هو الفرق بين ألعاب الأمم القوية وألعاب الأمم الضعيفة؟

كل بحث من هذه البحوث جد من أعمق الجد الذي يشغل العقول والنفوس؛ لأنه عِلم بالإنسان في حالات مختلفة، وليس قصاراه أنه عِلم بلعبة واحدة أو بجميع الألعاب.

وكل سبب من أسباب اللعب فهو شيء مهم في شئون التربية، وشئون الاجتماع، وشئون السياسة.

قيل إن اللعب يأتي من فيض الحيوية؛ ولهذا يلعب الأطفال والشباب وينفرون من الركود والسكون؛ لزيادة القوة الحيوية في الطفولة والشباب.

وقيل إن الإنسان يلعب للتدريب والاستعداد، يدرب نفسه على الصيد والطراد؛ لأنه في حاجة إلى الصيد والطراد، ويُدرِّب نَفْسَه على المصارعة وركوب الخيل؛ لأنه في حاجة إلى مرانة البدن، ورياضة الفروسية، ونحوها. في الدفاع عن الحياة ومناجزة الأعداء.

وقيل إن الإنسان يلعب؛ لأنه يُخفِّف عن نفسه متاعب الجد، ويُهوِّن عليها هموم العيش وشواغل الحياة.

وقيل إنه يلعب ليُهذِّب في طبيعية دوافع الغريزة، ويتسامى بها عن شرور الخصومة والبغضاء، فإذا كان العراك في الجد شرًّا مكروهًا أو ضرورة محتومة، فالعراك في اللعب رياضة محبوبة يتعاطاها الأصدقاء ويتنافس فيها الإخوان الأوداء.

وقيل إن ألعاب الأمم تدل عليها وعلى مقدار الحيوية فيها؛ فالأمم الضعيفة المستكينة تميل إلى ألعاب القعود والركود، ولكن الأمم القوية الطامحة تميل إلى ألعاب الحركة والغلبة، سواء بالحركة حركة التفكير، أو الدهاء.

وكل سبب من هذه الأسباب جد مهم في حياتنا الخاصة وحياتنا الاجتماعية، وكل لعبة يتعاطاها الناس فهي تفسير لسبب من تلك الأسباب، تكشف عن كثير من الحقائق والأسرار.

من البحوث الطريفة عن الشطرنج، فصل قرأناه عن ذكريات هذه اللعبة مع أُناسٍ من أبطالها العالميين، وعن الصفات والعادات التي تُلاحَظ على هؤلاء الأبطال، وعن المسائل التي يهتم اللاعبون باستطلاعها قبل الدخول معهم في ألعاب المباراة، ولا سيما المباراة في الجوائز العالمية.

في وسع القارئ وهو يقرأ هذا البحث أن ينسى الشطرنج، ويذكر أن الكلام يدور فيه على طائفة من كبار القواد يستعدُّون للمعارك الفاصلة، إذا أراد لاعبٌ أن يدخل في مباراةٍ مع بطلٍ من أبطال الشطرنج العالميين فهو لا يسأل عن قدرته في اللعب بمقدار ما يسأل عن عاداته وأخلاقه، وعن علامات الضجر والحيرة في حركاته وملامحه، وعن أسلوبه في الهجوم أو في استدراج خصومه إلى الهجوم، بل عن الحيلة التي يحتال بها لإظهار الحيرة والارتباك، وهو غير حائر ولا مرتبك، ولكنه يُظهِرهما ليستدرج خصمه إلى الطمع والجرأة، فيُقْدِم على حركةٍ طائشةٍ ممكنة من قيادة حركاته، ثم من الانتصار عليه.

فالمبتدئون الحديثون في هذه اللعبة يظنون أنها مهارة في نقل القِطَع، ويهتمون بها أكثر من اهتمامهم بلاعبيها، ولكن أبطالها المُدَرَّبين يعلمون أنها في صميمها مسألة نفسية أخلاقية، ومسألة فراسة وملاحظة، ومسألة إقناع وانتهاز فرصة، بل يعلمون حقيقة الخصومة فيها وحقيقة الخصومة في كل معركة، حقيقتها أنها مباراة بين شخصيتين تشترك فيها كل شخصية بكل ما عندها من قدرة عقلية أو نفسية أو خلقية، وبكل ما عندها من وسائل التأثير في الشخصية الأخرى.

ومن الصغائر التي يهتم بها اللاعب أن اللاعب «إسكندر إليخيني Alekhine» بطل العالم في سنة ١٩٢٧ إلى سنة ١٩٣٥ ومن سنة ١٩٣٧ إلى سنة ١٩٤٥ — كانت له لوازم تدل على شعوره بالحرج — ومنها العبث بخصلة من شعره يلويها ولا يتركها حتى يشعر بالخروج من حرجه، فكان خصومه يتتبعون هذه اللوازم ويستفيدون منها؛ لأنهم يعرفون منها علامات الثقة عندهم وعنده، فيمضون في خطتهم أو يعدلون عنها.

ومن طول المرانة على اللعب … يفهم اللاعبون المُدَرَّبون حدود الثقة بالنفس وحدود الاستخفاف بالخصوم، فربما كان الإفراط في الثقة سرًّا في ضعفها في بعض المواقف، وربما كان الحَذَرُ من الخصم أَلْزَمَ من الاستخفاف به في بعض الأحوال، ولو كان الفارق عظيمًا بين الخصمين.

يقول بعضُ المؤرخين إن كلمة الشطرنج مأخوذة من كلمتَيْ شاتو رانجا Chaturange باللغة الهندية، ومعناهما لعبة الحرب، ويستدلون على ذلك بقطع اللعبة؛ وهي: الملك، والقائد، والمركبة الحربية، والفيل، والفارس، والجنود.

والمؤرخون كعادتهم لا يتفقون على هذه التسمية، فيقول آخرون منهم: بل هي مأخوذة من كلمتين فارسيتين؛ هما «شيش رنك» بمعنى ستة ألوان، أو أشكال ومراتب، وهي أيضًا: الملك، والوزير، والمركبة، والفارس، والفيل، والجنود. وغير ذلك يُقال إنها مأخوذة من «شاه رنج» بمعنى: هم الملك، أو مشاغله وتدبيره.

وأيًّا كان معنى الاسم، فمن الصحيح — ولا ريب — أن لعبة الشطرنج وكل لعبة بين فريقين متنافسين هي في طريقها وغايتها لعبة حرب أو لعبة مقاومة متبادلة، يستعد لها كل فريق كما يستعد للانتصار على خصمه، ويتخذ لها العدة من جميع قواه البدنية والفكرية والخلقية، ويسأل فيها عن أساليب خصمه كما يسأل القائد عن أساليب القائد الذي يناجزه: ما مبلغه من الصبر والعجلة؟ وما مبلغه من الثقة والحذر؟ وما مبلغه من التأثر والتأثير؟ وما مبلغه من الصراحة والمراوغة، ومن الاعتراف والمكابرة؟

وفي وسعنا على هذا أن نقول عن كل لعبة — لا عن الشطرنج وحده — إننا إذا قرأنا عن أبطالها أمكننا أن ننسى اللعبة، ونذكر أنها حرب نفسية فكرية خلقية، فنذكر أن أسرار اللعب وأسرار الجد قريب من قريب.

وقد كانت قِطَع الشطرنج قديمًا تدل حقًّا على أن الرقعة منقولة من ميدان القتال، ولكن هذه القِطَع تغيَّرت مع الزمن، ومع اختلاف الأمم، فجعل الأوروبيون المَلِكة في مكان الوزير، ومنهم من جعل الأسقف في مكان الفيل … ويجعل الفرنسيون قطعة النديم في مكان قطعة الأسقف، وتُسمَّى المركبة بالقلعة تارة وبالبرج تارة أخرى، وتُسمَّى «الطابية» نقلًا عن التركية في بعض البلاد العربية.

ونحن ننظر إلى الرقعة، فنكاد نرى فيها أثرًا لكل أمة من أمم الحضارة، ولمحة من لمحات مزاجها وتاريخها … ولكن تكوينها الشرقي باقٍ بعد كل هذه الرحلة الطويلة، وتبقى معه الكلمة العربية التي تُقال عند ختام اللعبة: الشاه مات … فإنهم ينطقونها بين الأوروبيين (تشك مات) Checkmate بتحريف يسير.

واليوم يكتب الأوروبيون عن هذه اللعبة ألوانًا من المصنفات والبحوث، ولكن الشطرنج في اللغة العربية لا يزال طرفه من أجمل طرف المنظوم والمنثور؛ لأنهم جعلوها فنًّا جميلًا يضارع في بعض تشبيهاتهم جمال الربيع.

سأل الخليفة الراضي بالله ندماءَه — وهم في بستان مونق مزهر: هل رأيتم منظرًا أجمل من هذا؟! فذكروا ما حضرهم وهو كثير، فاستمع إليهم، ثم قال: كلا! لعب ابن يحيى الصولي أحسنُ من جميع ما ذكرتم.

وتغنَّى اللاعبون في ابتداع أساليب اللعب به، فكان من أصحاب البطولة فيه مَن يدير بظهره إلى الرقعة ويأمر بنقل الحجارة بالإشارة، ومنهم أبو القاسم التوزي؛ الذي يقول فيه ابن الرومي:

ما رأينا سواك قرنًا يُولِّي

وهو يصمي فوارس الهيجاء

وهذه براعة لم يبلغها غير القليلين من الشطرنجيين في العصر الحديث.

وقد فلسفوا اللعبة في المقارنة بينها وبين النرد أو الطاولة، فقال ابن خلكان: «كان أردشير أول ملوك الفُرْس الأخيرة، قد وضع النرد … وجعله مثالًا للدنيا وأهلها؛ فرتب الرقعة اثني عشر بيتًا بعدد شهور السنة، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام كل شهر، وجعل الفصوص مثل القدر وتقلبه بأهل الدنيا …»

قال: فلما افتخرت الفُرْسُ بذلك ناظَرَهم أهلُ الهند بوضع الشطرنج وما فيه من التدبير.

وأصحاب هذا القول الذي رواه ابنُ خلكان في فلسفة النرد لم يبتعدوا كثيرًا عن فلسفة اللعب كله من ألعاب رياضة أو ألعاب تسلية.

فهو لَهْوٌ يُمثِّل الجد ويخفف من عنائه، ولا بد منه إلى جانب الجد في وقت من الأوقات؛ فإن اللعب لا يضير مَن يستريح إليه من عمله وجهده ولا يعوقه عن العمل والجهد؛ بل يُعِينُه عليهما ويُهوِّنهما عليه، وما كان اللعب على أصوله الطبيعية إلا حيلة بارعة من حِيَل الحياة، تختارها لنا لتعيدنا بها إلى ضروراتها وتكاليفها، ونفهمها فلا نجهل بواعث نفوسنا، ونصاحب هذا العالم مصاحبة الصديق للصديق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.