في يوم السبت الماضي أعلنت حكومة الهند حداد البلاد لوفاة العالم النابه «مولانا أبو الكلام أزاد» وزير المعارف الهندية.

وقبل أسابيع، أعلنت نخبة من فضلاء الهند دعوتها العامة إلى احتفال كبير تنوي أن تقيمه بعد شهور تكريمًا للعالم الفقيد لمناسبة بلوغه السبعين.

وهكذا شاء القدر أن يكون التأبين بعد الموت سابقًا للتكريم بقيد الحياة، ولكنه على الحالين لا يغلق باب التقدير الذي يستحقه العالم الراحل من خدام الثقافة في البلاد الشرقية. ولا تخصيص هنا لبلاد الهند من بين الأمم الشرقية إلا لأن الفقيد من أبنائها المولودين في بلادها.

ولكن الفقيد ذو فضل مشهود في ميدانين من ميادين الثقافة الإنسانية، وإن كان لهما صلة وثيقة بتاريخ المشرق وأطوار العلم والمعرفة في شعوبه الغابرة والحاضرة.

كان لأبي الكلام أزاد فضله في المؤلفات التي عنيت بتحقيق «الشخصيات» الدينية الكبرى، أو الشخصيات التي وردت أخبارها في كتب الأديان على اختلافها، ومنها شخصية قارون وذي القرنين وقورش والنمرود، وسائر هذه الأسماء التي كانت أشباحًا تلوذ بغياهب الماضي المجهول، فأخرجها الباحث المجتهد من غياهبها إلى صفة النهار.

ولا نريد بذلك أنه جعلها من الشخصيات التاريخية المحققة بأسمائها المعلومة، وعهودها الواضحة، بل نريد أنه أدخلها في النور — ولو على البعد — فأصبحت على مداها البعيد مقربة من رؤية العين، بعد أن كانت كأشباح الخيال.

وكان لأبي الكلام فضله في إنصاف الثقافة الشرقية من الهند والصين إلى بابل ومصر، وقد أمر في وزارته بتأليف موسوعة صغيرة عن تاريخ الفلسفة في العالم، فتم تأليف الكتاب باللغة الإنجليزية، وقدم له بتمهيد مسهب عن أخطاء المؤرخين الغربيين في استقصاء مصدر الفلسفة الأولى، وذكر فيه مصر القديمة بصفة خاصة، فاستشهد بكلام أفلاطون وأرسطو، الذي ينفي دعاوى المؤرخين المحدثين عن ابتداء الفلسفة كلها في اليونان؛ لأن الحكيمين العظيمين يقرران أن الكهنة المصريين كانوا طليعة الفلاسفة والعلماء قبل من ورثوا منهم الفلسفة والعلم في بلاد الإغريق.

وقد كانت للعالم الهندي غاية خاصة بالتنويه المتتابع بأثر العرب في نشر الفلسفة منذ القرن الثامن للميلاد، وكان له دراية ذات قيمة مأثورة بالتفرقة بين تاريخ الحكماء وتاريخ الحكمة، أو بين سير الفلاسفة وموضوعات الفلسفة؛ لأن هذه التفرقة تضطر الباحث إلى السؤال عن مصادر الفلسفة قبل أول فيلسوف معروف من اليونان أو غير اليونان، فلا بد هنالك من فلسفة مجهولة قبل أول فيلسوف معروف.

والكاتب الراحل أديب في أسلوبه مع الحرص على تحري الحقائق وتثبيت المراجع والأسانيد؛ لأنه استفاد روح الأدب من إدمان الاطلاع على الأشعار الفارسية، ونصيبه من الاطلاع على الآداب الشرقية الأخرى.

يقول في مقدمته لتاريخ الفلسفة العالمية: إن هذا الكون — كما قال الشاعر الفارسي — كتاب ضخم له صفحتان معقودتان من الفاتحة والختام، ولا نعرف «تحقيقًا» شعريًّا لمعارفنا نحن بني الإنسان أصدق ولا أجمل من هذا التحقيق؛ فنحن نقرأ في كتاب الكون ما نشاء، ولكننا نعود إلى الصفحة الأولى منه فلا نجدها، ونمضي إلى نهاية الكتاب فنقف عند الرقم الأخير من الصفحات، ونعلم علم اليقين أن هناك ورقة أخرى مطوية قبل الختام.

ولكن الورقتين المفقودتين بينهما ورق كثير لا يستوي المطلعون عليه والمعرضون عنه، وأوفرهم حظًّا من عرف موضع التقصي وموضع الوقوف، فما عرف شيئًا من لم يعرف موضع هاتين الورقتين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.