أيها السادة والسيدات، أقف لأول مرة على هذا المنبر متسائلة: أين أنا؟ فإذا بالأجوبة تتوارد في خاطري؛ أنا في نادٍ شرقي سوري جمع نخبة من أبناء قومي، أنا في نادٍ يُحيي السهرات العائلية والاجتماعات المأنوسة، وينظم الرحلات التاريخية والزيارات المشوِّقة والأسفار التي تروض العقل والجسد جميعًا، أنا في نادٍ إن هو اهتم بحفلات السمر والطرب والانشراح لأنها من خصائص الشباب ومن أسباب الهناء، فهو كذلك لا يغفل أنبل وجوه الحياة فيعقد في قاعته هذه الوقت بعد الوقت اجتماعاتٍ جليلة غرضها البحث والمذاكرة في سبيل النهوض الفكري والاجتماعي.

أقف على هذا المنبر وأنظر إليكم، فأرى في مقدمتكم آباءنا الروحيين، وحضورهم هنا دليل على ائتلاف الأنس والفضل اللذين هما في أتم وجوههما حليفان لا ينفصلان، وأرى بينكم وجوهًا تذكِّرني بأني منذ شهور قلائل سرت في قافلة جمعت كثيرين من حضراتكم نساءً ورجالًا، فجلسنا معًا إلى مائدة واحدة، وتقاسمنا بفعل اهتزاز الأمواج الأفراح والأتراح على ظهر الباخرة «جيانيكولو» التي كان الأب أبو حديد نقطة التشريفات المركزية فيها، وكان مونسينور بيرو شاعرها الغِرِّيد وبلبلها الصداح، واشتركنا في غفرانات العام المقدس ومشاهدة آثار روما وكاتدرائياتها ومتاحفها الخالدة؛ تذكارات هنيئة بريئة تزيد عذوبة ونفاسة كلما طوى عليها الدهر يومًا من نسيج ردائه، فأنَّى وجَّهتُ نظري وفكري في موقفي هذا تلقَّاني ما يقول لي بأني هنا لست بالغريبة، وإذ أَهُمُّ بإسداء الشكر إلى رئيس هذا النادي وأعضائه الكرام على دعوتهم؛ أجد كلمات الشكر وقد انقلبت بين شفتيَّ تحية حارَّة ممَّن تلقي نفسها في دار هي دارها، وبين قوم هم أهلوها.

يُخيَّل — أيها السادة والسيدات — أن أندية القاهرة أجمعت في هذه الآونة على وجوب تدشين منابرها من الجانب النسوي، كأنما هذا الجيل المتيقظ أصبح — في لهوه وقلقه — معطاشًا إلى أحاديث غير هذه التي حيكت كالأسطوانات منذ أجيال ودهورٍ، كأنما هو أصبح توَّاقًا إلى صوت جديد ينادي من على الأندية ومنابر الطروس مشيرًا إلى نقطة من الحياة منسيَّة، فما وقفت على منبر في هذه الأيام إلا وشعرت بالتفاف أرواح الجمهور حول روحي تمدُّني بالقوة والشجاعة، وتوحي إليَّ الكلمة المجنَّحة المطلوبة؛ فترتفع نفسي بفعل هذا الوحي إلى أفق عالٍ حيث تتعرف بذاتها قبل أن ترسل الوحي ألفاظًا إلى مسامع الحاضرين.

ومع تقديري لهمتكم وعطفكم — أيها الرجال — فإن اهتمامي بعطف النساء عظيم، أنتم أوقفتموني هنا، ولكنْ نظرةً إلى النساء تروا أن كلًّا منهن ترقبني لترى هل أنا أُحسِنُ القول كما كانت هي تُحسِنُهُ مكاني؟ وهل أنا أفوز في التعبير عن آرائهن وأفكارهن خلال موضوعي ليجوز لي أن أمثلهن الليلة أمامكم؟

فباسمكن — يا سيداتي — أقف هنا مُدشِّنة هذا المنبر للآتي سيرقينه من بنات هذا الجيل، ومُمهِّدة السبيل لبنات الأجيال التالية إن صح أن أول خطوة هي أعسر خطوة، وأعلن أني على أُهبَة لكسر زجاجة الشمبانيا ليستكمل التدشين جميع شروطه — على طريقة سادتنا الرجال — فلا يقبل بعدئذٍ طعنًا ولا نقضًا، أما زجاجة الشمبانيا فهي هنا رمزية؛ أي أنها الخطاب الذي يظهر أنه سيجمع بين ما فرقته الطبيعة، فمن المعلوم أن الذي يكسر زجاجة الشمبانيا يتغافل عن فتحها، وأن الذي يفتحها لا يفكر في كسرها، أما أنا فسأفتحها أولًا وبعدئذٍ أكسرها، فأكون محققة مبدأ التناقض والجمع بين الضدين الذي يحب الرجال أن ينسبوه إلى النساء.

وفتح الزجاجة هو عبارة عن شرح عنوان الخطاب؛ لأن حضرة السكرتير الهمام أتحفني بمناقشة تليفونية ترمي لي تغيير العنوان، «فالغرائز» وصلت إليه الغرائب، و«السيكولوجية» اقترح أن تكون بسيكولوجية، أما كلمة «الثلاث» فسكت عنها مِنَّة وكرمًا، فالغرائز جمع غريزة، يقابلها بالفرنسية كلمة “Instinct” من اللاتينية “Instinctus”، سامحوني على هذه الكلمة الآتية رأسًا من القاموس، ومعناها ما غرزت عليه طبيعة الإنسان مما قد تتكيف مظاهره وتتنوع وتتطور ولكنه في صميمه أصل راسخ لا يتلاشى، أما الثلاث فجمع ١ و٢ و٣ من الغرائز الأساسية التي أريد أن ألمح إليها، أما السيكولوجية فهي طبعًا مشتقة من كلمة Psychologle بالعربية علم النفس وبالإنجليزية Psychology فاستعملت لفظها في العربية على الطريقة الإنجليزية لأني لو جعلتها «بسيكولوجية» لانبرى لي أستاذنا زكي باشا بحق وألقى عليَّ درسًا بأن الساكنين بالعربية لا يتجاوران، وإن لامني سعادته ولمتموني حضراتكم لاستعمال السيكولوجية بدلًا من «النفسية»؛ أجبت أن السيكولوجيا في أوربا بعد أن كانت فرعًا من الفلسفة النظرية وما وراء الطبيعة أصبحت منذ نصف قرن تقريبًا — لا سيما في الأعوام الأخيرة — علمًا مفصلًا منظمًا قائمًا بذاته ترجع إليه جميع العلوم الاجتماعية والجنائية والتاريخية والعمرانية، فدَرَس جوستاف لوبون سيكولوجيات الشعوب والجماعات والمهن، ودرس علماء الاجتماع من الفرنسيين والإنجليز والألمان والنمساويين والروس والطليان سيكولوجيات الأمم والمراتب، ودرس الأطباء الحاذقون سيكولوجية المرضى والأمراض، ودرس رجال الشرع والقضاء سيكولوجيات الجرائم والمجرمين، حتى التاجر عمد إلى سيكولوجية زبائنه يعالجها بالإعلان والترغيب ويسيطر عليها من أقرب جهاتها منالًا، وما ذلك إلَّا لإدراك هؤلاء أن العلاقة متينة بين الجسد وبين ما نسميه النفس، ذلك الجوهر الغامض الكامن في الجسد والذي هو مصدر الإحساس فيه والحياة، كذلك لاحظ جميع هؤلاء أن الجماعات الخاضعة لأحوال واحدة، المُواجِهة في الحياة تجاريب متماثلة، تتكيف شيئًا فشيئًا في صورة واحدة، وتتربى فيها ملكات واحدة كوَّنت مع الوقت «سيكولوجية» تلك الجماعات وأبرزت طابعها الخاص. ومن هنا عرفنا نفسية الجاني، ونفسية العالم، ونفسية الطبيب، ونفسية المحامي، إلى آخره. ومن ثَمَّ اطلعنا على ما اكتشفه علماء الاجتماع ورسموه من سيكولوجيات الشعوب وما تشترك فيه فيما بينها أو تتفرَّد به من الغرائز. ومن الغرائز المشتركة بين الجميع، هذه الغرائز الثلاث التي هي موضوعنا، وقد وصلنا إليه أخيرًا من أطول السبل بعد أن أديت شبه امتحان أرجو أن أكون قد نجحت فيه، وهو فتح زجاجة الشمبانيا التي جاء وقت كسرها.

أيها السادة والسيدات، الغرائز الثلاث التي يشترك فيها الجميع مع بعض الاختلاف المحتوم بين الجماعة والأفراد وفقًا لمزاج كل منها، هي أولًا غريزة «الأنا» أو الفردية، والغريزة الوجدانية، والغريزة الاجتماعية. وهذه الغرائز الثلاث هي محور الوجود البشري والاجتماعي، وهي في تماسكها وتسلسها السبيل المنطقي الوحيد للنمو والتطور والحياة.

عندما نقول «أنا» ندرك إجمالًا ما تعنيه هذه الكلمة من تعريف الشخصية الواحدة وتعيين حقوقها الشرعية على الوسائل الضمينة بالوجود والصحة والهناء والحرية، وهذه الوسائل هي في بادئ الأمر من نوع الحاجة؛ أي أنها عند الطفل، وعند الجماعات غير المتحضرة، وعند الأفراد العاديين، حسيَّة كثيفة تكاد تقصر على مواد الغذاء والكساء والمسكن والوقاية والدفاع عن الروح وحب الانتقام والرغبة في السيطرة الفظة الخشنة دون دقة ولا تنوع ولا صقل.

ثم تتولَّد في الفردية صفات ونقائص وميول ورغبات وفروق بين المعاني والأشياء والأعمال والمدركات، فيتوغل الفرد في عالم الفهم والشعور، ويرقى صعودًا إلى حيث يُجابِهُ معاني الحرية والعدل، ويتمتع بالعبقرية فيُخضِع قُوى الطبيعة ويسيطر على العناصر، وتتناوبه الانفعالات والمسرات والآلام والتجاريب فتميت كل يوم منه قديمًا وتخلق فيه جديدًا. ولسنا محتاجين إلى من يعلمنا حب أنفسنا، فذلك أعرق شعور فينا وهو شرعي عادل مقدس؛ أقول إنه مقدس ولا أستدرك، إذ أي شيء أحقُّ بالإعزاز والتقديس من هذه الحياة التي تلقيناها من جود الباري؟ وأي عدلٍ أعدلُ من الاحتفاظ بها وصيانتها وإنمائها واحترامها وحبها وإسعادها؟

وهذه الفردية الصحيحة الحرة إنما هي نسيج المجتمع، ولا يكون المجتمع قويًّا عظيمًا إلا عندما تكون فردياته قوية عظيمة، مالئة كل مكانها الطبيعي، قلت كل مكانها فحسب! وربما علق كثيرون منكم على قولي بأن ما يشكو منه المجتمع الآن ليس تضاؤل الشخصية وانكماش الفردية بل نقيض ذلك، إذ كل فرد لا يرضى أن يكون أقل من أمة، وكل أمة لا ترضى أن تكون أقل من الإنسانية، وأنا أجيب أن هذه هي الدمغة الدالة على ضعف الفردية، وإلا فليجبني السادة الأطباء: عندما يتضخم القلب — أو أي عضو من الأعضاء الأخرى — ويطغى على الأعضاء المجاورة فيحتل مكانها، أهذا من الصحة أم من المرض؟ إن معارفي الطبية قليلة ولكني أعلم أن التورم علامة المرض وتضاؤل الحيوية، وتضخُّم الفرديات هو هذا ما نمقته ونسميه غرورًا وحمقًا وطغيانًا وافتئاتًا؛ هي وضع النفس في مكان ليس لها، وانتحال المرء ما ليس فيه، وادعاء ما لم يخلق لأجله، هي تجاوز حدود الفردية واغتصاب حقوق الآخرين التي يجب أن تكون حدودًا لحقوقنا والقوة التي يجب أن تتهيب حيالها قوتنا، وعندما نذكر التضحية والتفادي إنما نعني في الغالب هذا الغرور، هذا التضخم الذي لا بد من بعضه عند كل من، أما التنازل عن الحق الطبيعي الصميم فلا يكون إلا طارئًا استثنائيًّا، أما التنازل عنه بتتابع واطراد فذلك مستحيل لأن الفرد إنما بذلك يجحد عطايا الباري فينكر نفسه، وينكر علة وجوده، ويسرف في تبذير قوته الحيوية، فما هو إلا المنتحر، ولو أنكر كلٌّ نفسَه في سبيل الآخرين لكان شأن الجماعات شأن من يبني البيت ابتداء من السقف ويجعل العرض يقتل الجوهر، التطور في الطبيعة يبدأ من أدنى الكائنات إلى أعلاها، والتطور في الإنسانية يبدأ بالفرد، فالأسرة، فالجماعة، فالمهنة، فالأمة، فالجنس، وأخيرًا الإنسانية، وأرقى ما ترمي إليه دساتير الأمم وقوانينها هو الحرص على راحة الأفراد واستقلالهم؛ لأنه السبيل الوحيد لسلامة المجتمع وتقدُّمه وهنائه.

وحسبنا لإعلاء شأن الفردية أن نذكر تلك الشخصيات العظيمة التي ساقت العمران دهرًا بعد دهر إلى رُقيِّه العلمي والاجتماعي والفكري والروحي، الغريزة الفردية أوجدت المكتشف والمخترع والمصلح والعبقري والقديس والرسول، وكلًّا من هؤلاء الذين ينيلوننا أجنحة ننهض بها من خمول الحياة المألوفة والعادة اليومية؛ فنمضي نحو غايات المستقبل ورحبات الرجاء، بل حسبنا أن نذكر السيد المسيح الذي تجرد من كل رابطة بشرية ليظل فردية نورانية تسير في طريقها إلى المجد، إلى الصليب، إلى الموت. وليس من ظَرفٍ نثبت فيه أهمية الفردية المطلقة كالموت، ففي الموت يترك الفرد الجميع والجميع يتركونه، وكما يموت المرء وحده فكذلك يحيا وحده صميم حياته في الآلام والمسرات، في النعمة كما في النقمة.

ومع نمو الغريزة تنمو غريزة أخرى تلازمها، هي الغريزة الوجدانية العجيبة التي ترجع إليها — خصوصًا — أسباب الشقاء والهناء، الغريزة التي تكيف الطبائع وتعجن الشخصيات حتى إنك لا تستطيع أن تتصور المجد والجمال والعظمة والسعادة إلا بها ومعها، بل لا تستطيع أن تفرِّق بينها وبين النبوغ وأعظم مواهب الإنسان، فما تخيلت التفوق في امرئ إلا وتوسَّمت له شعورًا أقوى منه عند الآخرين، ومن نسيج أثمن وأنفس من نسيج عواطفهم، «ألا الْمِسْ قلبك في صدرك»، يقول ألفرد دي موسه في قصيدة من أجمل قصائده «فهناك محراب العبقرية!»

ما هو سر العواطف يا ترى وما هي غايتها؟ مثلًا لماذا يتعلق الفرد بأمه فيراها فريدة بين الناس أجمعين؟ لماذا تظل شخصيتها مقدسة في نظره أيًّا كانت منها الشوائب والعيوب، ويظل ذكرها — حتى بعد مماتها — يشجِّعه ويعزيه ويحبب إليه الحياة ويعلمه الرأفة بالناس والإغضاء عن مساوئهم؟

أَلأَنَّها حملته في جسدها كما يقولون وغذَّته بدمها قبل أن تغذيه من لبنها؟ كلَّا، ليس للمرأة من فضل في ذلك ولا هي فيه مُخيَّرة أو متفردة، بل تشاركها في ذلك حشرات الأرض، ومنها من تُضحِّي بحياتها في سبيل ذريتها وليس من يشكرها على ما تفعل.

أَلأَنَّها أرضعته وسهرت على راحته ومرَّضته وهو ضعيف قاصر؟ إن من المراضع والمربيات من يقمن بهذا مأجورات وهنَّ أتقن لعملهن من كثر من الأمهات.

أَلأَنَّها تُهيِّئ له وسائل العيشة وأسباب الراحة؟ إن صاحب أي فندق يقوم بذلك نحو أي غريب مقابل دُريهمات معدودة متفق عليها.

إذن تُحَبُّ الأم لأنها والوالد تعمل وتقتصد وتجاهد وتدَّخر لتُنِيل ولدها هذا المال الذي يزيل من سبيله جميع الصعاب ويفتح أمامه جميع الأبواب؟ ولكن قد ينال المرء أحيانًا ألوفًا من الجنيهات عن طريق أوراق اليانصيب، فلا يتعلق بمدير المصرف وموظفيه، وقد يظفر بالمال وراثة من قريب مجهول ممقوت؛ فيزيد مقته له بالاستيلاء على ثروته، فضلًا عن أن الأبوين غير مُخيَّرَين في تنشئة ذريتهما، بل هما مرغمان على القيام بنفقتها على قدر طاقتهما بحكم الحياة وحكم الأحوال وحكم القانون.

والابن البار يحبُّ أمه الصالحة وهي عاجزة مريضة فقيرة منبوذة من المجتمع، فيسعى جهده ليقدم لها ثمرة عمله وينير حياتها بابتسامة التعلل والرجاء.

إذن ما هو سبب التعلُّق الذي يدهشنا؟ سببه — أيها السادة والسيدات — أن الأم الصالحة هي الرمز الأعلى والأصدق والأبقى للحب، وما قيمة أعمالها ومساعيها إلا بما تفيضه عليها من تلك الروح المحبة المحببة، ألا فلتزلزل الأرض زلزالها، ولتتفجر البراكين، وليفتك الجوع والوباء، ولتنقضَّ الصواعق، وليُكشِّر المجتمع عن أنيابه فيحكم على الجاني بميتة العار! إن الولد ليعلم دوامًا وسط النوائب واليأس أن هناك قلبًا يحبه ويشعر معه، ويلتمس له الأعذار، ويُظلِّل عاره وألمه واندحاره بجناح العطف والمحبة والغفران، وذلك هو قلب أمه، من أجل ذلك فقط نحب الأم ونقدسها ونجعلها مبدأ الحب على الأرض وفي السماء!

ولذلك نشفق على اليتيم الذي ليس له مثل هذا الكنز الذي لا يُثمَّن، وأوجع من اليتم عن طريق الموت اليتمُ الذي تحكم به الحياة؛ أي عندما تكون الأم والدة ليس إلا، لا تشعر بعواطف الحنان، ولا تدرك ما هو مجد الأمومة! يقولون «الدنيا أم» وفي ذلك عين الصواب، فإن الذي علَّمته أمه بعطفها وحصافتها الثقة يكون في الحياة عريقًا أصيلًا، وأما اليتيم لنقص الأمومة عند والدته فيرى الدنيا حيَّة رقطاء تتقلب حواليه لتغدره وترديه!

ومن حب الأم تتطور العواطف فتشمل الأب والأخوة والأخوات والأقارب والمعارف، حتى إذا شب الفرد واتضحت ميوله لم يرضَ بالذين يسايرونه بحكم الرابطة الدموية والقرابة، بل اختار أصدقاءه وعشراءه وأحبابه من الذين يشاطرونه ذوقه وميوله وأفكاره، أو من الذين يتوسم لديهم ما يرفعه ويصقله ويجعل عنده للحياة قيمة غير قيمتها المألوفة، ومن ذا الذي يستطيع أن يعيش بلا حب وحنان؟ وأي شخصية تعظم وتعلو إن لم يكن لها عين الحب ترقبها، وبسمة الحب تغذيها، وتلك العناية الرقيقة، وذلك الوحي الفيَّاض الذي لا يصدر إلا عن القلب الدافق بالحب والحنان؟

ومن الغريب أنَّ ما نسميه أخلاقًا طيبة وشيمًا كريمة، وحكمة واستقامة وصدقًا ووفاءً وعزة وإباءً وذوقًا وفصاحة، كل ذلك ليس بناتج عن العقل والذكاء، بل كل أولئك أشعة شمس أفقها القلب الكبير الحساس.

وهنا كذلك الصحة يهددها المرض، لأن كلمة الحب في بعض دوائر المجتمع لا تعني في الغالب إلا العواطف الشاذة المعربدة والفوضى في السلوك التي لا يعرف بعض الناس غيرها، ولا يتصورون أن النور غير الأوحال؛ فيكون اسم الحب والعاطفة في شرعهم مرادفًا لمعنى التقهقر الأخلاقي، ولكنَّ أول شرط عندي لتقدم الشخصية وارتفاع النفس هو سمو معنى الحب في تلك النفس وتقديس جلال العاطفة.

وتتشعَّع القلوب بالحب وتنمو الشخصيات فتحتاج إلى الخروج من ذواتها كالبذرة تشق نفسها وتشق الأرض لتبرز حياة على العالمين، عندئذٍ تبدو الغريزة الثالثة، الغريزة الاجتماعية التي تبتدئ بعد الغريزة الثانية قليلًا، وتظل في نمو واتساع وانتظام طول الحياة، بأساليب تتوافق والمجتمع الذي تعيش فيه وتخضع لأنظمته.

تذكرون تلك الكلمة القديمة التي قالها أرسطو ليُعَرِّف أبناء عصره ووطنه، قال: «الإنسان حيوان سياسي.» ومرت القرون فإذا بفنلون يُعرِّف أهل فرنسا في عصر لويس الرابع عشر فقال: «الإنسان حيوان اجتماعي.» وكلاهما صادق في تعريفه لأن الإنسان حيوان سياسي واجتماعي في آنٍ واحد.

من ذا يستطيع أن يعيش بلا أصدقاء ومعارف، وأي الأعمال يمكن أن تقوم وتنجح بدون اشتراك في المصالح وتبادل في الأخذ والعطاء؟ إن كل بأس السجين في وحدته، والسجن الانفرادي الذي استبدلت به إيطاليا الحكم بالإعدام على كبار المجرمين وسفاكي الدماء — يفوق جميع صنوف الموت قساوةً وعذابًا. أيها الغرباء، كم من مرة أنالتني أصواتكم التعزية! وكم من مرة استقيت الشجاعة وحب الحياة من ابتساماتكم ونبرات أصواتكم! وكم من مرة باركتكم لذلك وأنتم لا تعلمون!

إن أول دوائر المجتمع للطفل هي عائلته وعائلة أمه وأبيه، فالمدرسة، فأهل مهنته، فأهل مرتبته وذوي العلاقات بمصالحه الاجتماعية والمالية والوطنية والقومية، إلى آخر ما هنالك، فهذا المجتمع الذي ينشر لنا منذ نعومة أظفارنا جماله ودمامته، ويقيم في سبيلنا العراقيل كما يمهد لنا السبيل، ويقسرنا على المثابرة والعمل والجهاد وحفظ النظام، وينيلنا وسائل التعزية واللهو والسمر والانشراح، هذا المجتمع هو كالمادة — كالهيولي — في الظاهر أصل كل شيء وإليه مرجع كل شيء، لا تعزية ولا حياة لمن يعيش وحده. إن الغريزة الفردية تُقوِّي المرء وتسلحه، ولكن الغريزة الاجتماعية تصقله وتنعِّم زواياه الحادة، والذي يستطيع أن يُرضِي ويجذب الناس إليه، فذاك بلا ريب سعيد وموهوب. بين هؤلاء الغرباء لكل منَّا أخٌ خير من كل أخ، وصديق وحبيب يبادل وسائل الحياة ومنافع الوجود، ولكن لا ننسينَّ أن المرتبة الاجتماعية لا تكفي لتبرير المخالطة وتوليد المحبة والميل، وكلما ارتقى المرء بأفكاره وعواطفه زاد تصعبًا في اختيار أصدقائه وخلصائه؛ لذلك قالوا إن أصدقاء المرء أدل الدلائل على أخلاقه وميوله، حتى إننا لنجد في كل لغة من لغات العالم مثلًا يقابل هذا المثل العربي الجميل: «إن الطيور على أشكالها تقع».

وناديكم هذا — يا أهل النادي — من تلك الدوائر الاجتماعية الصالحة المفيدة التي هي كالحياة نفسها جامعة بين الفضل واللطف، بين الجد والسمر، واسمحوا لي في الختام أن أتمنى أن أرى على مقربة منه ناديًا آخر مثله للسيدات فتتم من حيث الأندية المساواة للرجال والنساء.

أيها السادة والسيدات، ترون أن الموضوع كاد ينتهي، وأنه كان عليَّ أن أغادر هذا المنبر شاكرة لكم دلائل عطفكم وانتباهكم وحسن إصغائكم، ولكن حضرة مرشد هذا النادي الأب الجليل ثيوفانوس شار قال لي عندما شرَّفَنَا بزيارته لنتذاكر في شأن هذه المحاضرة والموضوع الذي يحب حضرته أن أكلمكم فيه، وبعد الثناء عليكم جميعًا والشهادة بأنكم راقون ناهضون، قال لي: أيًّا كان الموضوع الذي تتخذينه أرجو أن تفتحي منه ساقية صغيرة فتقولي … فتقولي كذا وكذا، أريد أن أعرب عن احترامي وطاعتي للأب الجليل، ولكني لا أريد أن أغضبكم، فهل توافقون حضراتكم على ساقية أبينا؟ أخطركم بأن الموضوع موضوع انتقاد، فهل تقبلونه سلفًا؟ وهكذا بعد أن فتحنا زجاجة الشمبانيا في العنوان، وكسرنا الزجاجة في المحاضرة عن الغرائز الثلاث، ها نحن نفتح ساقية أبينا شار.

لقد شاءت الطبيعة أن يكون لكل فصيلة من الكائنات، وكل جماعة من الناس طابع خاص لا يقيد حريتها، بل بالعكس يوسعها ويطلقها في أرحب حدودها الممكنة، على أن تستبقي لها شبه وجه وشبه هيئة؛ ففي الولايات المتحدة مثلًا، عشرة ملايين من الأصل الألماني اعتنقوا نهائيًّا الجنسية الأمريكية واندمجوا إلى الأبد في الأمة الأمريكية بحكم ظروفهم ومصالحهم، وهم رغمًا عن ذلك ما زالوا يتعلمون اللغة الألمانية مع لغة البلاد الأمريكية، وهم الذين بنفوذهم أخروا الحكومة الأمريكية مدة ثلاثة أعوام عن خوض الحرب إلى جانب الحلفاء، كذلك اذكروا الألزاس-لورين فإن الوحدة الفرنسية عند أهلها ظلت عنيدة متعصبة لأصلها ولغتها الفرنسية مدة نصف قرن، رغم السيطرة الألمانية ورغم ما كانت عليه من رخاء مالي، بل اذكروا ما تراشق به في الأسبوع الماضي من الخطب السنيور موسوليني الطلياني والهر اشترسمان الألماني بشأن الأقليات ذات الأصل الألماني التي سلختها إيطاليا من النمسا، إيطاليا — ككل دولة غالبة — تريد أن تصبغ تلك الأقليات بصبغتها، وتلك الأقليات — ككل جماعة قوية الحيوية — تريد أن تحتفظ بقوميتها الأصلية ولغتها ومشاربها وعاداتها.

إن الجماعات الصغيرة التي يسميها القانون السياسي «أقليات» مهما خضعت للتطور العام واقتبلت جميع وسائل الرقي العمراني، فإنها تحتفظ بالحنين القديم إلى لغتها وأصلها، تلتفت الوقت بعد الوقت إلى ماضيها السحيق، إلى الأرض التي أحبها الآباء والجدود، وجدود الجدود، إلى الأزياء التي ارتداها السلف القديم، إلى الكلمات التي أعربوا بها جيلًا بعد جيل عن آلامهم وأفراحهم وأملهم ويأسهم، وفي ذلك جوهر نسيجها الذي يزيد مع الوقت قوة وجمالًا بانضمام العناصر الجديدة المنخوبة إليه، وتعلمون — يا سادتي — أننا ضعفاء جدًّا من هذا الجانب، مع أننا نسكن مصرًا حاضرة الشرق الأدنى اليوم، وعاصمة النزعة الشرقية الصميمة، ونعيش على مقربة من إخواننا المصريين المتمسكين بقوميتهم، الذين يعطوننا كل يوم من شرقيتهم العريقة مثالًا جميلًا.

نحن في ذكائنا، من أسرع الشعوب اقتباسًا ومن أكثرهم إتقانًا للتقليد، ولكننا مع الأسف من أقلهم حرصًا على ذخيرة الماضي وعلى ما يجب أن نحتفظ به لتكوين شخصيتنا الجديدة، نحن من أقل الشعوب غيرة على ثروتنا النبيلة ومن أقلهم اهتمامًا بلغتنا العربية الجميلة، لنا على ذلك أعذار أعرفها وأفهمها، ولكني أجاهر بأنها لا تكفي.

نصغي إلى أحاديث جماعتنا رجالًا ونساءً فإذا بهم يتكلمون لغات الأجانب كأبنائها، ولكنهم يسيئون لفظ العربية ويفاخرون بأنهم يجهلونها، نذكر رجالنا فإذا بهم يُدعَون أدمون وفرنند وهنري، ويجب أن نفتش على نور المصباح لنجد من يُدعَى سليمًا وحبيبًا ونجيبًا وخليلًا، والبنات اسمهن هورتانس وروز وبلانش ونونا ولينا إلى آخره، وليس من تُدعَى ليلى ونجلا وسلمى واسمي وميًّا وهندًا، بيننا المُتفَرنِس والمُتنَكلِز والمُتطَلين والمُتأَمرِك والمُتأَلمِن، إلى غير ذلك، وليس بيننا المتعرِّب والمتشرِّق.

فهذا هو ما أريد أن أُلفتكم إليه لتكون ساقية أبينا ثيوفانس الدلتا التي يصب فيها نهر الخطاب — إن جاز هذا التشبيه — في بحر الإنسانية، كونوا شرقيين قبل كل شيء.

تعلموا ما شئتم من اللغات، ولكن عززوا لغتكم أولًا! تعلموا فنون الشعوب وعلومهم واطلعوا على اكتشافاتهم ومعارفهم، ولكن اذكروا ما سبق إليه قومكم من المعارف والفنون والعلوم! أنشدوا أناشيد الغرب وارسموا رسومه، واعزفوا على آلاته، ولكن لا تنسوا الناي والعود وأبا الزلوف والعتابا والميجانا! استشهدوا بمفكري الغرب وبشعرائه وكُتَّابه وحكمائه وترنموا بشعر هوغو وموسيه، ولكن لا تتجاهلوا مثلًا ديوان خليل مطران.

يوم يقول الغربي أنا ابن الغرب، قولوا: وأنا ابن الشمس، لغتي اللغة العربية، وقوميتي القومية الشرقية. وإن كان في هذه القومية إبهام وتفكك واضطراب، فإني أفاخر بطرح صوت واحد في سبيل تعزيزها وتوطيدها، أفاخر بأن أكون حلقة في سبيل حبكها، أفاخر بأن أكون لسانًا يردد ألفاظًا من مفردات لغتي فيوسعها إنعاشًا وحياة.

قولوا: إني جيل جديد وأريد قومية جديدة حرة نبيلة، رغم الآلام والمعاكسات والمصاعب.

اقتبسوا ما شئتم من خيرات العمران ولكن اسبكوها جميعا في قالب الشخصية الشرقية، فتكونوا عاملين على إيجادها؛ فتنتسبوا إليها في أقطار الشرق والغرب فتباهوا ولا تخجلوا.

أنموا غرائزكم الثلاث: غرائز الفردية والوجدان والاجتماع، ولكن على أن تتطور جميعًا في وحدة شرقية مهذبة كريمة لا تظل عالة على الشعوب، تعيش من فضلات ما تقتبسه عنها، بل تجاهد لتقوم بذاتها وتقف على قدميها دون أن تجهل الآخرين، بل تعطيهم كما تأخذ منهم وتتعاون وإياهم على تكوين جوقة إنسانية بديعة في مسرح العمران العظيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.