يا للكهف الفظيع وقد طغت في أجوائه قوات الشقاء. وسُدَّت في جوانبه منافذ الإفلات والضياء، وكأنه قد ثقلت عليه من فوق يد الله!

بعودتك — يا ربيع الوفاء — تعودنا الذكريات العذاب: ذكرى عهد سالف، ذكرى صباح منصرم، ذكرى أمل قديم، ذكرى هناء مقيم! ثم نفكر حيالك في الليل المقبل، في الغم المدلهم، في الموت المهاجم، في العمر الفاني! وأمام عيوننا الملتهبة يمر تكاثف الدخان واللهيب كأنما هو يذيع أحكام القدر!

أجل، تستعد لك الأرض غير أنها هذه المرة تتهيَّأ لاحتضان الصرعى والمنكوبين، والأنهار تستعد لتصطبغ أمواهها بنجيع الدماء، والأشجار تستعد لتحنو بأفنانها على الجرحى والمصابين، والأزهار تستعد لتلثم مشوَّه الأعضاء ومكلوم الأجساد، وهاوية البحر تستعد لتبتلع الكماة الصناديد، والأسماك تستعد لتتذوق لحوم الذين تغذَّوا على لحومها طويلًا! والأفق يستعد ليشهد هبوط النيازك البشرية بعد أن أَلِفَ منذ الأزل هبوط النيازك الفلكية!

الناس في انتظار، والطبيعة في انتظار، فماذا أنت بمنتظريك فاعل؟ أربيع العذوبة؟ أيجوز في عرفك أن تكون ربيع الحنظل؟

ربيع الأزهار والتجديد والتوليد، أترضى لنفسك أن تكون ربيع اليُتْم والثُّكْل والتشريد؟

يا ربيع الحياة، أتستطيع أن تكون ربيع الرَّدَى؟

مطارق الحديد تطرق في المصانع والمعامل، آلات وأدوات خلقتْها العبقرية تقذف بأدوات وآلات للقضاء على العبقرية.

الثروات الحسية والأدبية — الثروات التي كوَّنتْها جهود الإنسان واختباراته على كر الأحقاب — حُشدت لتُستخدم في الفتك والتدمير، أرأيت أنوارها المشئومة؟ كعيون الجن في أعماق المغاور، كأحداق الغيلان تحت شائك الأدغال، إن بصيصها لَنذير بالشر والويلات، لَكأنَّ الكرة الأرضية بأسرها أمست بركان «الإتنا» وكأن جميع بني الإنسان باتوا أعوانًا لإله الحديد والنار «فولكان» يصوغون بأمره وسائل الهلاك!

أَذَكروا اللعنة القديمة فمضوا يعملون تحت وطأتها خانعين؟ أَلِتَنفيذها هم في الدأب أمناء يتساوقون؟

إلى أين يتسابقون؟ وهل أمامهم في آخر الأمر سوى ذياك الباب الواحد؟

ومن تراهم يكونون؟ لقد فقدوا أسماءهم؛ ما هم إلا شلالات تيار يتدافع.

ماذا يقولون؟ معمعة الحرب، وقصف المدافع، وتفجُّر القنابل، ولعلعة الرصاص، وانهيار المدائن، وتفطُّر الجبال، كل ذلك ذاهب بما يقولون!

والجهود التي يبذلون! القبر يزدرد الجهود التي يبذلون!

ريح صرصر تثنيهم جميعًا كلون الأماليد الشيوخ منهم والشبان، النساء والأطفال، المُقاتِل والمُقاتَل، المنكوب والمواسي على السواء!

واهًا! أية رهبة تنحدر مع روح الربيع من نجوم السماء؟ أية نقمة يلمع سيفها في بهاء الفجر مسلولًا؟!

كذِّبنا — يا ربيع الجنون — وأثبت لنا أننا لأنفسنا مضللون، وأننا بمرض «الكآبة والاضطهاد» مصابون!

كذِّبنا — يا ربيع الحرب — وأثبت لنا أنك ربيع السلم!

كذِّبنا وأثبت أنك — كما عهدناك — في تأدية رسالة الحياة أمين وإن لم تكذِّبنا أيها الربيع.

وإذا تحتَّم المُضيُّ في الحرب لتصير كلمةُ الحق حقيقةً، وليشتري الإنسانُ بالدم الغالي نعمةَ الحرية وغبطة الحياة.

فيا ربيع الخلان والعشاق والمتيَّمين.

ما أنت هذه المرة إلا ربيع الجبابرة والعمالقة والأبطال!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.