من أجمل المناظر التي يشهدها العالم في هذه الأيام منظر المفاوضات أو المحادثات أو المناقشات أو تبادل الرأي بين وزير الخارجية البريطانية ورئيس الوزارة المصرية؛ فهو إِنْ دلَّ على شيء فإنما يدل على أن العالم الذي ألح عليه الحزن والخوف والإشفاق — منذ أُثِيرَتِ الحرب العالمية الثانية — في حاجة إلى أن يشهد ما يُسَلِّيه وما يُرَفِّه عنه، وإنَّ ساسة الديمقراطية المنتصرة لا يبخلون عليه بالتسلية ولا يَضِنُّون عليه بالترفيه.

ولعلَّك تُوَافِقُني على أنَّ المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية رجل اشتراكي، بل هو من زعماء الاشتراكية، وله في الحكم وتصريف السياسة الداخلية والخارجية مذهب يلائم سياسة حزبه الاشتراكي فيما يُقال وفيما يُكتَب على الأقل، وعلى أن صدقي باشا رئيس الوزارة المصرية أبعد الناس عن الاشتراكية وأشدهم بغضًا لها وسخطًا عليها، وله في الحكم وفي تصريف السياسة الداخلية والخارجية مذهب ينبغي أن يكون معاكسًا أشد المعاكسة لمذهب زميله في المفاوضات، أو المحادثات، أو المناقشات، أو ما شئت من هذه الأسماء التي لا يستطيع الناس أن يتفقوا عليها. وهما على ذلك يلتقيان ويتفاوضان أو يتحادثان أو يتناقشان، وهما على ذلك يرجوان أن يَصِلا إلى الاتفاق على ما يقوم فيه الخلاف بين المصريين والبريطانيين.

فهذا دليل واضح على أن العالم يتقدَّم ولا يتأخَّر، وعلى أن فكرة التسامح التي كان فولتيير يدعو إليها ويبشر بها في القرن الثامن عشر ما زالت بخير، لم يفسدها ولم يضعفها ظهور الشيوعية الروسية والنازية الألمانية والفاشية الإيطالية.

وأنت توافقني على أن المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية عضو في حزب العمال، وهو بحكم عضويته هذه قد انتُخِبَ في مجلس النواب، وهو يعتمد على الكثرة الضخمة في مجلس العموم البريطاني، وهذه الكثرة تعتمد على ثقة الشعب البريطاني، على ثقته الخالصة من كل زيف، المتبرئة من كل زيغ، التي لا تحوم حولها الشبهات من قريب أو بعيد.

والمستر بيفن يعتمد على هذه الكثرة وحدها، لا يستعير سلطانه من تأييد خصومه السياسيين ولا من تأييد أصدقائه الذين يحالفونه اليوم ليخاصموه غدًا. وهو صادق إن قال إنه يتحدث بلسان البرلمان البريطاني، وصادق إن قال إنه يتحدث بلسان الحكومة البريطانية، وصادق إن قال إنه يتحدث بلسان الشعب البريطاني كله، بل هو صادق إن قال إنه يتحدث بلسان الممتلكات المستقلة التي تتكون منها القوة العاملة في الإمبراطورية البريطانية. وهو يستطيع أن يغضب فتغضب له الإمبراطورية كلها، وأن يرضى فترضى معه الإمبراطورية كلها.

أمَّا صدقي باشا فهو عضو في مجلس النواب الذي يعرف المصريون كيف انتُخِب، والذي يشهد عليه أعضاؤه وزعماؤه بأن انتخابه لم يكن خالصًا من كل زيف ولا مبرأً من كل زيغ ولا معصومًا من كل اعوجاج. بل قد قال فيه مكرم باشا إن انتخابه قام على التزوير، وقال فيه النقراشي باشا إن انتخاب بعض أعضائه قام على التزوير.

فمجلس النواب المصري مشكوك إذن في صحة انتخابه وصدقي باشا عضو فيه، وهو ليس عضوًا في كثرته السعدية ولا في قلته الدستورية، وإنما هو رجل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء، وإنما هو مستقل.

ومعنى ذلك أنه لا يعتمد على تأييد المستقلين إلَّا أن يكون هذا التأييد مؤقتًا مشروطًا، ولا يعتمد على تأييد السعديين والدستوريين إلَّا أن يكون هذا التأييد مؤقتًا مشروطًا أيضًا، ومعنى ذلك أنه إذا تكلم فليس من المحقق أنه يتكلم بلسان مجلس النواب، لا بلسان الكثرة ولا بلسان القلة. وهَبْ أن مجلس النواب قد منحه ثقة إجماعية، فقيمة هذه الثقة مشكوك فيها؛ لأن تمثيل مجلس النواب لإرادة الشعب مشكوك فيها أعظم الشك وأقصاه. وإذن؛ فلن يُصَدَّق رئيس وزرائنا إن قال إنه يتكلم بلسان الشعب.

وأبشع من هذا أن رئيس وزرائنا يرأس هيئة المفاوضات التي لا تثق به ولا تطمئن إليه؛ فلن يُصَدَّق إن قال إنه يتكلم بلسان هذه الهيئة.

وأشد مِنْ هذا كلِّه بشاعةً أن مجلس الوزراء مُؤلَّف من سعديين يستطيع حزبهم أن يصدر إليهم الأمر فينفون ثقتهم بصدقي باشا، بل هم لم ينتظروا أن يصدر إليهم هذا الأمر، فقد صرح أحدهم غير مرة بأن وزارة صدقي باشا ليست دستورية، وبأنها ضرورة لا تلبث أن تزول! ومن دستوريين يستطيع حزبهم أن يأمرهم بالتخلي عن صدقي باشا في أي وقت شاء، فإن أطاعوا فَقَد صدقي باشا ثقة زملائه، وإن عصوه أصبحوا مستقلين لا يمثلون هذا الحزب.

ومجلس الوزراء مؤلف مع هؤلاء من مستقلين يستطيع كل واحد منهم أن يتخلى عن رئيس الوزراء في أي لحظة كما تخلى عنه نائب رئيس الوزراء لطفي السيد باشا ووزير التجارة سابقًا حبشي باشا.

وإذن؛ فلن يستطيع صدقي باشا أن يضمن لنفسه الصدق إن قال إنه يتكلم بلسان مجلس الوزراء.

فالمتفاوضان أو المتحدثان أو المتناقشان يختلفان كما ترى أشد الاختلاف؛ أحدهما قوي بتأييد الشعب إلى أبعد غايات القوة، والآخر ضعيف بخذلان الشعب إلى أقصى آماد الضعف. وهما مع ذلك يلتقيان ويتفاوضان أو يتحادثان أو يتناقشان.

وأظرف من هذا كله أن وزير الخارجية البريطانية لا يستطيع — ومعه الوزارة البريطانية كلها والبرلمان البريطاني كله — أن ينذر صحيفة أو يعطلها أو يصادرها إلَّا في حدود رسمها القانون، وليس لأحد من الإنجليز مهما يكن أن يتجاوزها في أي ظرف من الظروف، حتى حين تكون الحرب قائمة، وحين تكون الأحكام العرفية معلنة، وأن رئيس الوزارة المصرية قد أنذر الصحف وعطلها وصادرها، غير ملتزم حدود القانون، ولا متقيد بنصوص الدستور. وقد همَّ البرلمان أن يحتج فلم يُغْنِ عنه الاحتجاج، وهمَّ رئيس الشيوخ أن يحتج فلم يبلغ بالاحتجاج غايته، وإنما التقى مع رئيس الوزراء عند نصف الطريق أو عند ثلث الطريق.

وأشد من هذا كله ظرفًا وطرافةً أن وزير الخارجية البريطانية لا يستطيع أن يمنع اجتماعًا مهما يكن أعضاؤه ومهما يكن موضوعه ومهما يكن مكانه، حتى ولو أيدته الوزارة الإنجليزية كلها والبرلمان الإنجليزي كله إلَّا في حدود القانون التي ليس إلى تجاوزها سبيل. ولو قال قائل للإنجليز إن وزير الخارجية أو رئيس الوزارة في بريطانيا العظمى يريد أن يمنع مستر تشرشل أو مستر إيدن من شهود اجتماع أو إلقاء خطبة؛ لرفعوا أكتافهم وهزُّوا رؤوسهم وأغرقوا في ضحك عريض!

فأمَّا رئيس وزرائنا فإنه يمنع — لا أقول الوفد — فاضطهاد الوفد شيءٌ طبيعي، ولكنه يمنع مكرم باشا من أن يجتمع إلى زملائه أو يتحدث إليهم أو يلقى الناس في ناديه!

ورئيس وزرائنا يستطيع أن يمنع النقراشي باشا من هذا كله إن خرج النقراشي باشا من هذا الحلف البديع. وليس أمر هيكل باشا بخير من أمر صاحبيه، فالاجتماع مباح لرئيس الحكومة والذين يناصرونه، والاجتماع حرام على خصوم الحكومة حتى حين يكونون أعضاء في البرلمان. وعلى رغم هذا الخلاف بين الرجلين؛ فهما يلتقيان، ويتفاوضان، أو يتحادثان، أو يتناقشان!

وليس لهذا كله مصدر إلَّا أن فكرة التسامح التي كان فولتير يدعو إليها ويُبشِّر بها في القرن الثامن عشر ما زالت بخير لم تمسسها أحداث الدكتاتورية بسوء! فصدقي باشا رجل متسامح يفاوض هذا الوزير الديمقراطي الاشتراكي الذي يؤمن بحرية الشعب البريطاني، ولا يعمل إلَّا معتمدًا على ثقته وتأييده. والمستر بيفن رجل متسامح يفاوض صدقي باشا الذي لا يحفل بالشعب إلَّا حين يتكلم، ولا يحفل بالبرلمان إلا حين يتكلم أيضًا، ولا يثق إلَّا بنفسه ولا يثق به أحد غير نفسه، ولا يطمئن إلَّا إلى نفسه ولا يطمئن إليه أحد غير نفسه. لا مصدر لهذا إلَّا فكرة التسامح التي ظفرت بها الإنسانية في العصر الحديث!

وكان الديمقراطيون المنتصرون قد أعطوا على أنفسهم عهدًا ألَّا يتركوا على الأرض شعبًا يُحكَم بالقهر والبأس، ويُساس بالقوة والبطش. ولكنهم — بعد أن أعطوا على أنفسهم هذا العهد — فكَّروا وقدَّروا وتبيَّن لهم أن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، وأن من حق الاستبداد أن يعيش في الأرض كما تعيش الحرية، وأن من حق الظلم أن يَسُوس بعض الشعوب كما أن من حق العدل أن يَسُوس بعضها الآخر، وأن الديمقراطية الكاذبة ليست أقل استحقاقًا للرعاية من الديمقراطية الصادقة. وهم من أجل ذلك أبقوا على نظام الجنرال فرانكو، وهم من أجل ذلك أدَّبوا اليونان الذين صدَّقوا ذلك العهد واعتمدوا عليه، وهم من أجل ذلك يكتفون من الأشياء بأسمائها ومظاهرها، بل هم قد لا يحفلون بالحقائق ولا بالأسماء.

فلم يزعم الجنرال فرانكو في يوم من الأيام أن نظامه ديمقراطي، ونظامه مع ذلك قائم يُدافع عنه الديمقراطيون المنتصرون؛ لأن التسامح ينبغي أن يكون الأصل الذي تقوم عليه الحياة وتقوم عليه الصلات بين الشعوب.

والنتيجة الطبيعية لهذا أن الشعب المصري مثلًا شعب متطفل فضولي — يدخُل فيما لا يعنيه، ويتعرض لما ليس له به شأن — حين ينكر على صدقي باشا حقَّه في أن يتكلم بلسانه أو يتفاوض باسمه مع الإنجليز، فهذا الشعب المصري من الشعوب التي لم تُخلَق للسياسة ولم تُخلَق السياسة لها، وإنما خُلِقت لتذعن وتخضع وتستكين. فإن همَّت أن تخالف ما يصدر إليها من أمر عُوقِبَتْ على ذلك أشد العقاب، فمُنِعَتْ صحفها من الظهور، ومُنِعَتِ اجتماعاتها من الانعقاد، ومُنِعَ خطباؤها من القول، ومُنِعَ الشباب والصبية من طلابها وتلاميذها من الاختلاف إلى معاهد التعليم.

فأمَّا الشعب الإنجليزي فله شأن آخر، فهو مقصِّر مسيء إلى نفسه وإلى العالم وإلى المُثُل العليا كلها إن ترك سياسته للوزراء وأشباه الوزراء، ولم يراقب قادته وسياسته بالبرلمان الحر والصحافة الحرة والخطابة الحرة والاجتماعات التي تنعقد حيث تشاء، ومتى تشاء، وكيف تشاء.

ومعنى هذا أن شعوب الأرض تنقسم إلى قسمين: شعوب خُلِقَتْ لتؤدبها حكوماتها، وتَسُوسها على رغمها، وتمتعها بالسعادة والشقاء سواء رضيت أو كرهت. وشعوب أخرى خُلِقَتْ لتؤدب هي حكوماتها، وتوجهها في تدبير مصالحها كما تشاء هي لا كما تشاء الحكومات. وقُلْ إن شئت إن من شعوب الأرض شعوبًا خُلِقَتْ خادمة لحكوماتها وشعوبًا أخرى خُلِقَتْ ليكون حكَّامها خُدَّامًا لها.

ونحن — بحمد الله — من القسم الأول، تتيح لنا الأيام من حينٍ إلى حينٍ سيدًا يرأس وزارتنا ويدبر أمرنا كما يحب، فإن جمجمنا أو حاولنا أن نجمجم؛ علمنا كيف يكون الصمت وكيف نؤدب الشعوب.

وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فقد جاء في الأثر: «كما تكونوا يُوَلَّى عليكم.» وكان أستاذنا الجليل لطفي السيد باشا يعلِّمنا أن الحكومة صورة الأمة، فإذا كان الشعب ضعيفًا فحكومته قوية عليه مستبدة به، وإذا كان الشعب قويًّا فحكومته خادم له مذعنة لأمره.

ليس في هذا كله شيءٌ من الغرابة، وإنما الغريبُ حقًّا أن تقصر ذاكرة الديمقراطية المنتصرة إلى هذا الحد الذي نراه. فما أكثر الذين صدقوا في أعقاب الحرب أن الأرض ستُملَأ عدلًا بعد أن مُلِئَتْ جورًا، وأن الشعوب ستأمن إلى آخر الدهر من الخوف والعوز والظلم والعدوان! وما أكثر الذين اعتقدوا في أعقاب الحرب أن زعماء الديمقراطية المنتصرة لن يسمحوا لأيديهم بأن تصافح أيدي المستبدين!

ولكن يجب أن لا ننسى ما كان يُقال في قصص ألف ليلة وليلة مِنْ أنَّ حديث الليل مدهون بالزبد لا تكاد تطلع عليه الشمس حتى يذوب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.