لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التي أُنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وأُحيطت بألوان لا تُحصى من إعلان الأقوياء وأوهام الضعفاء، وآمال الذين يحبون المُثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل في الأرض ويشيع بين الناس، فيأمن الخائف، ويطمئن القَلِق، وتستقر القلوب بين الجُنوب.

لم أؤمن قط بهذه الهيئة؛ لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فلم تَكُفَّ معتديًا ولم تقمع باغيًا، ولم تقر أمنًا ولم تُشِعْ عدلًا، ولم تزد على أن أنفقت مالًا كثيرًا وملأت الأرض كلامًا وأوهامًا، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والأقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.

ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولْسن مبادئه تلك الخطيرة؛ لتكون أساسًا للسلم. فلم تمضِ شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التي ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية، حتى كان الرئيس ولْسن نفسه أشد الناس إسراعًا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.

ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أُذيع ميثاق الأطلنطي، فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية، وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه، كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك في بلاد اليونان التي كانت حليفته في الحرب، والتي اصطلت النار الألمانية، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الإنجليزية أيضًا.

لم أؤمن بشيء من هذا كله؛ لأن حياة الناس علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الإخلاف، وأن أقوالهم إن وصِفت بشيء فإنما توصف بالتمويه، وبأنها ذات وجهين في أحدهما الرحمة وفي الآخر صنوف العذاب. وهم يبرعون في بذل الوعود كما يبرعون في إخلافها، ويمتازون في إعطاء العهود كما يمتازون في نقضها؛ تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفًا، وأهون من أعظم الناس هوانًا.

كذلك تملق الإنجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب، فلما أُتيح لهم النصر تنمروا وتمكروا وأسرفوا في البغي والطغيان. وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل في مجلس العموم أثناء بطشه باليونان، عن تلك المُثل العليا التي أعلنها في ميثاق الأطلنطي، فقال: تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول.

وما كرهت شيئًا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك في هيئة الأمم المتحدة هذه، وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز. وما شككت في شيء قط كما شككت في مجلس الأمن، هذا الذي لا يؤمِّن أحدًا، ولا يرد إلى أحد حقًّا، ولا يُنصف مظلومًا من ظالم، ولا يصد معتديًا عن عدوان، والذي سميته غير مرة: مجلس الخوف؛ ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة، وأن البأس لا يخاف إلا البأس، وأن الحديد لا يفله إلا الحديد. ولم نرَ قط قويًّا أعطى الحق لأنه آمن بالحق، ولا أقر بالعدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض؛ وإنما الأقوياء بين اثنتين دائمًا، فهم يبطشون إن أُتيح لهم البطش ويمكرون إن لم يجدوا إلى البطش سبيلًا.

وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع في كل عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال، وهذا مجلس الأمن يجتمع في كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويُحملها ما يُحملها من العناء، ولم نرَ خائفًا أَمِنَ ولا باغيًا كُفَّ عن بغيه، ولا مظلومًا أُتيح له الإنصاف، ولا ظالمًا آثر العدل والقصد.

وإنما تجري أمور الاستعمار في ظلهما كما تعودت أن تجري، لم يتغير منها شيء؛ شعوبٌ تُستذل وتُستغل في غير رفق ولا لين، وفي غير مقاومة منها أو امتناع، لا تقاوم ولا تمتنع؛ لأنها لم تجد بعدُ سبيلًا إلى شيء من ذلك، ولا يخطر للمستذِلين المستغِلين أن يرفقوا بها أو يرحموها؛ لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروهًا. وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تُجاب، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن، فتضطر إلى أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضي في جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم اللَّه بينها وبين الظالمين، واللَّه خير الحاكمين.

وأروع من هذا كله وأبرع، أن تُرفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن، فيقال فيها الكلام الكثير، وتُبذل في الدفاع عنها الجهود التي لا تُحصى، وتوضع أيدي هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه في مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التي يقع فيها الظلم المنكر في كل لحظة من لحظات الليل والنهار، ويهتم العالم لهذا الكلام الذي يُقال، والجهود التي تُبذل، وينتظر العالم هذا القرار الذي ستصدره الهيئة أو المجلس، والذي سينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل في حياة راضية آمنة.

ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر، وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء. هذه الدماء التي تُسفك، وهذه النفوس التي تُزهق، وهذه الحقوق التي تُهدر، وهذه الحرمات التي تُنتهك، وهذه الشعوب التي تصبح وتُمسي في شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان؛ كل ذلك لا خطر له ولا ينبغي أن يكون له خطر. وإنما الشيء الوحيد الذي يجب أن يكون له الخطر كل الخطر، وأن تحرص عليه هيئة الأمم أشد الحرص، وتضحي في سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء، وبآمال الشعوب ومُثلها العليا؛ هو أن يظل اتفاق الدول المستعمِرة قائمًا لا يصل إليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلًا.

فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب، ولتطغَ بريطانيا العظمى على من تريد أن تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يُصد هذا البطش أو يُرد هذا الطغيان أو تُمحى آثارهما. وإنما المهم أن تظل الدولتان على شيء من الاتفاق، تطلق يد كل منهما فيما تريد وفيمن تريد. أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعًا الولايات المتحدة الأمريكية، ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يُمكِّن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التي لا توافقها في المذهب ولا في الرأي ولا في تدبير شئون المال.

الأمر كله يدور على المنفعة، وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء، ومنفعة الأقوياء في أن يقاوموا عدوهم الأكبر. فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغي أن يُقام لهم وزن أو يُلقى إليهم بال.

كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون، تَهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شيء وبعد كل شيء، ولا عليهم أن يُضحى بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة.

ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة، وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون، فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضًا، وقد يصدم بعضها بعضًا، وقد يجب أن يُضحَّى ببعضها في سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغي أن تُقرَّ فرنسا نظام الجيش الأوروبي وإن كرهه الشعب الفرنسي، وقد ينبغي أن تمضي فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية في غير طائل، وإن ضجَّ شعبها من هذه الحرب التي لا تُعرف لها غاية.

وقد ينبغي أن تضحي بريطانيا العظمى بشيء من تجارتها في الشرق الأقصى وفي شرق أوروبا؛ ليكون حصار الشيوعية مجديًا. وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنًا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم في أقطار أخرى من الأرض.

وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء، لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شيء من المصاعب أو العقبات. فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم، ثارت المصاعب، وكثرت المشكلات، واجتمعت المؤتمرات، وتفرقت في غير طائل، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا، ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.

وإذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها، صوَّرها الشاعر العربي القديم أروع تصوير وأبرعه في بيته الخالد:

ومَنْ لمْ يَذُد عن حَوضِه بِسِلاحِه

يُهَدَّم ومَنْ لا يَظْلِم الناسَ يُظْلَمِ

والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا، وألا نظلم أحدًا ولا نرضى أن يظلمنا أحد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.