عرَفنا أن سليمان سامي بن داود قومندان الآلاي السادس قاد آلايه من قشلاقه إلى المنشية، وأنه صفَّ الآلاي طابورًا وخطب فيه «بأن العدو يريد استلام المدينة بالقوة، ولكننا نحن عزمنا على إخلاء المدينة من الناس وعلى إحراقها حتى لا يستطيع العدو أن ينتفع بشيء منها.»

وقلنا إن الضباط الصغار احتجوا عليه، فأسكتهم وأمرهم بانتظار أوامر التنفيذ، وأنه في الساعة الرابعة رأى الناس من السفن الدخان يعقد سرادقًا في الإسكندرية، وأن رسول الأميرال الذي جاء للمفاوضة عاد إليه فأخبره بأن المدينة خالية.

والذي وقع أن فرسان الجيش أرسلوا إلى جميع الحارات والأسواق يأمرون الأهالي بإخلاء المدينة والجلاء عنها، وأن عرابي هو الذي يأمرهم بذلك؛ لأن المدينة سوف تُحرق وتُدمر فلينجوا بأنفسهم، فجزع الناس جزعًا شديدًا ليس فوقه جزع. ولم ينقص هجرة الناس ضرب من ضروب الألم والفزع والخوف والهول في هذا الهرب، فالشيوخ والنساء والأطفال ديسوا تحت الأقدام، وتفرَّق شمل الأسر وتشتت، والسجناء الذين سُجنوا بعد مذبحة ١١ يونيو أُخرجوا من سجونهم، والبدو انقضوا على المدينة من كل جانب، ولصوص الأجانب اشتركوا بالنهب والسلب مع البدو والرعاع.

ويقول الشيخ محمد عبده إن ١٥٠ ألفًا مجردين من كل شيء، أخذوا في الحركة لغير قصد ولا لمأوى والفزع ملء نفوسهم على شطوط المحمودية ودمنهور والسكة الحديد وجسر السكة الحديد من دمنهور إلى القاهرة. وكانت المهاجرة تكوِّن خطوطًا سوداء تارة عريضة وأخرى رقيقة متحركة في كل جهة أشبه بسلسلة إنسانية طويلة، هنا ينزلون وهناك يمشون ببطء ولا وقاية ولا عيش على طرفي نقيض مع سماء صافية وأرض خضرة نضرة.

«وكانوا في حالة عقلية كالجنون سائقين أمامهم أو حاملين على ظهورهم ما خف حمله من أمتعتهم: حيوان، أثاث، خيل، ثياب رثة.»

وفي الساعة الثانية نهض سليمان سامي من على كرسيه في وسط المنشية، واتجه إلى دكان بقال على مقربة من قشلاق الحرس، وأخذ فأسًا وحطم الأبواب، ولما أنكر مأمور الضابطة وبعض ضباط الطوبجية الواقفون هذا العمل شتمهم ونهرهم، وأخرج صفائح البترول وأخذ يبل الخِرق ويلهبها ويسلمها للجنود ليشعلوا النار في المخازن والدكاكين والمنازل، ثم عاد إلى كرسيه في وسط المنشية، وأخذ الجنود يتمون ما أُمروا به، وانضم إليهم الجنود الفارون من الآلاي الرابع من جهة رأس التين، فأخذوا بإحراق شارع شريف والشوارع الأخرى.

ولم ينكر سليمان سامي عمله عندما حقق معه المجلس العسكري، وجميع الشهود من الضباط وغيرهم أثبتوا هذه الحقيقة؛ لأنهم كانوا قد وضعوا هذه الخطة منذ ٢٧ مايو عندما أرسلوا تلغرافًا إلى الخديوي يقولون فيه: إذا لم يَعُد عرابي إلى نظارة الجهادية لا يكونون مسئولين عن الأمن العام ولا عن كيان المدينة، وكان برنامجهم فوق إحراق المدينة القبض على القناصل.

وكان أذكاهم وأعلمهم يظن أن إنكلترا ضعيفة في البر، فلا مندوحة عن حرمانها في حالة الحرب من هذه الغنيمة — أي الإسكندرية — ومن موقع حربي تستند إليه في القتال، وكانوا يريدون التشبه بروسيا عندما غزاها نابليون في سنة ١٨١٢، فأحرق رستوبشين موسكو ليحرمه الاستناد إلى موقع فأفلح. لذلك أذيعت نشرات وُزعت في طول البلاد وعرضها في هذه الواقعة في بلاد الروس؛ ليكون الرأي العام مستعدًّا لقبول هذه التضحية نكاية بالإنكليز.

والذي قاله الموسيو دومر بنخر قنصل الدنمارك أمام المجلس العسكري إبان محاكمة عرابي، إن عرابي قال للموسيو مونج قنصل فرنسا بالقاهرة ذات يوم وهو يحدثه عن إمكان اعتداء الإنكليز: إنه إذا صمم الإنكليز على العداء وأنزلوا جنودهم إلى أرضنا، لا يجدون أمامهم سوى الخراب والدمار. ولما ذكر له القنصل «حقوق الإنسان» ذكر له عرابي ذكرى عمل روستوبشين الروسي. وقال نينه سكرتير عرابي الخصوصي: «إن أعيان المدينة كانوا قد قرروا منذ زمن بعيد، وكرروا القول بأنهم يحرقون المدينة ولا يدعون الأجانب يتسلمونها وينجسونها.»

واعترف برودلي المحامي عن عرابي بأنهم ابتاعوا كمية كبيرة من البترول قبل ضرب الإسكندرية، واعترف بأن السواري الذين دعوا الناس لترك المدينة لم يكونوا تحت إمرة سليمان سامي، بل تحت إمرة ناظر الجهادية وبقيادة طلبة.

وشهد الضابط أحمد نجيب وعلي داود وسعد أبو جمل وإسماعيل بك صبري ومهدي بك ووكيل الخارجية تيغران بك، أن طلبة ومحمود سامي مرَّا بالمنشية والنار تتقد فيها وبما حولها، ولم يلفظا كلمة واحدة. وقال وكيل مأمور الضابطية وبعض الضباط معاونيه إنهم عرفوا عزم سليمان سامي قبل تنفيذه، فذهبوا إلى عرابي وهو في باب شرقي، وطلبوا منه أن يُصدر أمره بمنع ذلك فلم يفعل.

ولما سُئل عرابي قال إن الحريق نجم عن قنابل الإنكليز، ولكن أعوان عرابي كانوا يحصرون التبعية بسليمان سامي.

ولما اعترف سليمان سامي بأنه أحرق الإسكندرية، زاد في اعترافه بأنه كان ينوي القضاء على الخديوي توفيق وهو في قصر الرملة.

وقد كان الحرس الخديوي مؤلفًا من الفرسان بقيادة ضابط برتبة بكباشي، ولكن بعد ظهر ١٢ يوليو وصل أربعة بلوكات من الآلاي السادس، وضربوا نطاقًا حول السراي ووراءهم السواري بنطاق آخر، وكانت الأوامر إليهم ألا يدعوا أحدًا يدخل السراي أو يخرج منه. وكان وراء الجيش الرعاع يضجون ويصخبون، فجزع سكان السراي وارتفعت أصوات البكاء والعويل والنحيب، وشمل الاضطراب الجميع، حتى إن الخديوي طلب أن يعطوه بندقيته، وأقسم له المشير درويش باشا بأنه سيموت تحت أقدامه، ثم استدعوا البكباشي فقال إن الأوامر التي لديه هي أن يمنع كل اتصال بالسراي. وحينئذٍ ذهب سلطان باشا وسليمان باشا أباظة وناظر ثالث من النظار إلى عرابي وهو في باب شرق منهمك بتنظيم انسحاب الجيش، وكان يتحاشى مقابلتهم فلما قابلوه قال لسلطان باشا: «ما الذي أستطيع عمله؟ إن الأمة ساخطة على الخديوي، وهي تخشى أن يلجأ إلى الأسطول الإنكليزي.» ولما ألحوا عليه وعرف أن الخديوي طلب قطارًا خاصًّا ليعود عليه إلى القاهرة، أصدر الأمر إلى طلبة عصمت بأن يستدعي الآلاي المحاصِر لسراي الخديوي؛ فلما استدعى الآلاي ظل السواري يضربون نطاقهم حوله، ولكنهم كانوا أقل حماسة لعرابي وجماعته منهم للخديوي. فلما خيم الليل أرسل الخديوي الهدايا والمال للضباط وأفراد الفرسان وأهدى درويش باشا النياشين إلى جميع الضباط، وهكذا تحول المهاجمون إلى مدافعين. وزعم البعض أن الثوار كانوا ينوون إحراق السراي ومن فيه، ولكن هذا الزعم ظل محل الشك، والثابت أنهم كانوا يريدون الاستيلاء على شخص الخديوي، حتى إن المستر بلنت صديق عرابي أكد ذلك وقال بعد تأكيد عزم عرابي على ذلك: إنه أخطأ بالعودة عن عزمه؛ لأن الإنكليز كانوا يستولون عليه ليكون علَمهم أمام المصريين في حالة النصر، ويكون رهينتهم في حالة الانكسار.

فالعمل الذي عمله الثوار مع الخديوي قضى عليه في اليوم التالي أن يبحث عن ملجأ تحت حماية الأسطول — وهذا ما يؤخذ من أقوال الوفد الذي ذهب إلى عرابي ليستدعي الآلاي السادس، ومن هذا الوفد سليمان باشا أباظة وحسن حسني بك — فعاد إلى سراي رأس التين.

ظلت هجرة الأهالي وظل انسحاب الجيش مستمرين طوال نهار ١٢ يوليو، واختير محمود فهمي ليكون رئيس أركان الحرب، وليجد المكان الذي يلتجئ إليه الجيش، فاختار عزبة خورشيد بالقرب من حجر النواتية. وكان نظام الفريق الأول من الجيش في انسحابه تامًّا، ولكن الفريق الثاني وصل وهو مثقل بالمنهوبات، فلم يكن من المستطاع تنظيمه.

وكان القتل والنهب والاقتتال على الغنائم في المدينة شديدًا جدًّا في كل مكان، وكانت القطارات ملأى بالناس من كل هيئة ومرتبة. أما جنود سليمان سامي فظلت في مهمتها حتى الساعة الخامسة، وفي هذه الساعة عزف النفير فاجتمعوا وهم يحملون ما نهبوا وساروا إلى باب شرق؛ ولم يبقَ في طول المدينة وعرضها سوى اللصوص والنهابين وبعض الأوروبيين المحاصرين في البنايات التي ذكرناها.

وصرف عرابي ليلته في زورق بخاري في قناة المحمودية، وصرف سليمان سامي وضباطه ليلتهم في سراي الخديوي على المحمودية، وهي المعروفة بسراي نمرة ٣.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.