يظهر أن العقل يتعرض في هذه الأيام لمحنة منكَرة، لم يتعرض لمثلها منذ زمن بعيد في هذا العصر الحديث! والسياسة مصدر هذه المحنة، فقد أَبَتْ إلا أن تتسلَّط فتَجُور في السلطان، وتظلم فتسرف في الظلم، وتُخْضِع لأهوائها وشهواتها كُلَّ شيء حتى هذه الجذوة المقدسة التي جعل الله بها الإنسان إنسانًا والتي جعل الله بها للناس كرامة تُحفَظ وحُرمة تُرعَى، والتي جعل الله بها الإنسان سيدًا لهذه الطبيعة التي تحيط بنا، ومَلِكًا لهذا العالم الصغير الذي نعيش فيه.

وقد عَرَفَتِ الأممُ في هذا العصر الحديث ضروبًا من الظلم، وألوانًا من الطغيان، ولكنها لم تتعرض من إهانة العقل، وازدراء كرامته، وإخضاعه لعدوان السياسة وطغيانها، وتحكيم الجهل فيه بمثل ما تتعرض له في هذه الأيام في بعض البلاد.

أما في ألمانيا، فيجتمع الشباب والطلاب مئات من الألوف، وقد حملوا الكتب وتأبَّطوا الأسفار، حتى إذا انتهوا إلى ميدان أو ميادين، جمعوا هذه الكتب والأسفار التي جاهد العقل حتى أنتجها، ثم أضرموا فيها النار فحرَّقوها تحريقًا، وهم في أثناء ذلك فَرِحون مبتهجون، وقد عبثت بهم نشوة تشبه نشوة السُّكْر، وتملأ قلوبهم هيامًا بهذا اللهب المنكر الذي يحرق العقل وآثاره ونتائجه الخصبة القيِّمة.

يقع ذلك في برلين، ويقع ذلك في غير برلين وتُقِرُّه حكومة منظمة تعدُّ نفسها بين الحكومات المتحضرة، وتريد وتصر على ما تريد، أن تكون في الصف الأول بين الحكومات الكبرى في هذه الأرض.

نعم؛ وتُنقَض المجامع العلمية والأدبية والفنية، فيُقصى عنها رجال كانوا مصدر الفخر والعزة لألمانيا وللإنسانية كلها في العلم والفن والأدب، فإن لم يُقصَوا عمدًا سُلِّطَتْ عليهم ظروف قاسية، تضطرهم إلى أن يقصوا أنفسهم من هذه المجامع، ثم إذا خلت منهم أماكنهم فيها، أُقِيمَ مكانهم قومٌ آخرون لم يمتازوا، ولم تُعرَف لهم آثار خصبة قيمة، ولكنهم رسل السياسة وأتباعها وأعوانها يُقدِّمونها على كل شيء، ويتوسلون إليها بكل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء، حتى بالعلم والفن والأدب.

نعم؛ وفي أثناء هذا كله، تُحظَر كتب مطبوعة على القراء فلا يجوز أن تُباع ولا أن تُشترَى، وتُعلَن أسماء طائفة من المؤلفين قد مُحِي حقُّهم في التحدث إلى الناس محوًا، فلا ينبغي للألمانيين أن يقرءوهم، ولا ينبغي للمكاتب الألمانية أن تبيع كتبهم أو تَعْرِضها للبيع.

نعم. ولا يتحرَّج وزير ألماني أن يخطب ويذيع خطبته في ملايين الألمان، ويقول في هذه الخطبة: «لقد آنَ الوقت الذي تُطهَّر فيه ألمانيا من قاذورات العقل!»

تبارك الله! لقد آمَنَ الناس منذ قرون وقرون بأن جذوة العقل هي التي طهَّرَتِ الإنسانيةَ من آثام الأهواء والشهوات، ومن رجس العواطف والغرائز، فأصبح العقل الآن عند بعض الألمانيين ينتج القاذورات، ويجب أن تُطهَّر ألمانيا من آثاره! فإذا بحثت عن هذه الثورة المنكرة بالعقل في ألمانيا، فلن ترى إلا شيئًا واحدًا هو السياسة. سخط على اليهود مصدره السياسة، سخط على الشيوعية والاشتراكية والديموقراطية مصدره السياسة، سخط على العلم والأدب والفن مصدره السياسة!

ويلٌ للناس من السياسة! لقد طغت عليهم وبغت فيهم، حتى اضطرتهم أن ينكروا أنفسهم وتاريخهم ومجدهم القديم.

ومِنْ قَبْلِ ذلك أُذِلَّ العقل في روسيا، فشُرِّد العلماء والكُتَّاب، وأُذِيقوا ألوان الذل والعذاب، ولم تَزَلْ بهم سياسة البلاشفة، حتى أخضعتهم لسلطانها، واضطرتهم إلى أن يكونوا لها أعوانًا وأبواقًا. وإذا لم تصل حال العلماء والمؤلفين في إيطاليا إلى مثل ما وصلت إليه في روسيا، أو في ألمانيا، فإن حال هؤلاء الناس ليست من الحُسْن والرقيِّ، ولا من الأمن والدعة، بحيث يُغْبَطون عليها، أو يُهنَّأون بها، فيجب أن يخضع العقل وما ينتج من علمٍ وأدبٍ وفن، لسلطان الفاشسم، وإلا أصابه الإذلال، وتعرَّض لضروبٍ من الشدَّة وصنوفٍ من الحرمان!

يجب أن يُقْسِم الأساتذة والمعلمون يمين الوفاء للنظام الجديد، في حياتهم السياسية وحدها، بل في التعليم أيضًا. يجب أن ينزل العقل عن شخصيته، وأن يكون مرنًا رخوًا وأن يتشكل بالأشكال التي تريده السياسة على أن يتشكل بها. فأما كثرة هؤلاء الأساتذة والمعلمين فقد أقسمت، وأما قلتها فقد آثرت ما جاءها به النذير، ففُصِلَتْ من الجامعات والمدارس، وتفرَّقَتْ في أقطار الأرض، تفر بكرامة العقل من الفتنة والإذلال.

ولقد قرأت منذ عام، ثم منذ أشهر، كتبًا لرجلٍ من أكبر العلماء الإيطاليين، رفع اسم وطنه في البيئات العلمية منذ أعوامٍ طوالٍ، فإذا هو قد رفض هذه اليمين التي طُلِبَتْ إليه، وإذا حياتهم بين المشقة والعناء، بحيث لا تشرف بها الحضارة العصرية.

ولا بد لمصر من أن يُمتحَن فيها العقل كما يُمتحَن في هذه البلاد الأوروبية الراقية، ولا بد للسياسة من أن تذل العقل في مصر، كما أذلت العقل في ألمانيا، وكما أذلته في روسيا، وكما أذلته في إيطاليا؛ لأن مصدر طغيان السياسة واحد في هذه البلاد كلها، مهما تختلف صوره وأشكاله، هو سخط على الديموقراطية، وإنكار لها، وتبرُّم بها، ومحاولة لتطهير الشعوب منها.

قومٌ يريدون أن يبسطوا سلطان العمال على غيرهم من الطبقات، فيحققون طغيان العمال، وقوم يريدون أن يحاربوا الشيوعية، ويمكنوا الطبقات الوسطى من القضاء عليها؛ فيحققون طغيان هذه الطبقات، وقومٌ لا يَجِدون أمامهم عمالًا لا يطمعون في التسلط، ولا يجدون أمامهم طبقات وسطى تحتاج إلى أن تُقاوِم وتدافع عن نفسها، ولكنهم يجدون أنفسهم وأطماعهم وأهواءهم وشهواتهم وإيمانهم لأنفسهم بالعصمة، فيريدون أن يُخضِعوا لأنفسهم أمة كاملة، وشعبًا بأَسْره، وأولئك وهؤلاء يخشون العقل فيحاربونه! ويحتاجون إلى العقل فيتملقونه! وأولئك وهؤلاء يتخذون وسائل القوة المادية العنيفة بإذلال العقل وإخضاعه لما يريدون!

ما كان أحرصنا على أن ندع ألمانيا وإيطاليا وروسيا في ثورتها وانقلاباتها، لولا أن هذه البلاد تضرب للناس أمثالًا خطرة، وتغري الناس بما أُغْرِيَتْ به هي، بمحاربة العقل وإخضاعه لألوان الطغيان.

ليس لأحد أن يتحكَّم في سياسة أمة أجنبية، أو يدخل في أمورها، ولكن من الذي يزعم أن العقل ملك لأمة دون أمة، أو وقف على شعبٍ دون شعب؟! من الذي يزعم أن الكتاب الألماني إذا أخرجه مؤلفه للناس وأذاعته فيهم المطبعة ملك لألمانيا دون غيرها من البلاد؟! كلا ليس العقل الألماني ملكًا للألمانيين وحدهم، وإنما هما ملكٌ للناس جميعًا، والاعتداء عليهما اعتداءٌ على الناس جميعًا، والتعرض لهما بالإذلال والتمزيق طغيانٌ على الناس جميعًا، فمن حق الناس جميعًا أن يضيقوا بذلك وينكروه، فكيف إذا كان هذا الطغيان مغريًا بالتقليد، داعيًا إلى الاقتداء والتأسِّي؟!

ما أظن أن هذه الحركة العنيفة التي تحدث في ألمانيا الآن والتي تَفْتِن العقل وتضطهده، وتتجاوز في فتنته واضطهاده كُلَّ حدٍّ، قد حرمت ألمانيا مودة الأمم الأوروبية الراقية وحدها، بل هي خليقة أن تَحْرِم ألمانيا حُبَّ الأمم الشرقية، التي تطمح إلى الحرية، وإلى حرية العقل خاصة، والتي تجاهد في سبيل هذه الحرية، وتلقى في جهادها هذا عناءً شديدًا.

يجب أن يكون لمصر حظها من فتنة العقل واضطهاده، فمصر جزء من أوروبا، ويجب أن تأخذ بحظٍّ من كل ما يقع في أوروبا!

ظهرت الثورة بالديموقراطية في أوروبا فثار بها بعضنا في مصر! ظهرت بدعة الدكتاتورية في أوروبا! فشُغِفَ بها بعضنا في مصر! ظهر إذلال العقل في أوروبا، فجدت فيه حكومتنا في مصر! وهل يقع في الجامعة المصرية الآن إلا هذا؟! إنما حياة الحكومة والجامعة حرب متصلة بين السياسة والعقل، قد انتصرت فيه السياسة على العقل انتصارًا مؤزرًا لا يُعَزَّى الناس عنه إلا أنه موقوت يزول بزوال مصدره، وهو الوزارة القائمة.

لقد غُيِّرت نظم الجامعة وقوانينها وأشرنا نحن إلى خطر هذا التغيير وما فيه من مكرٍ بالعقل، وإذلال له، وتحكيم للسياسة فيه، وقد أخذت الجامعة تخضع للنظام الجديد وتظهر فيه آثاره السيئة، فيا له من شر! ويا له من نكر! ويا له من ذل! لا تبيضُّ له الوجوه! …

هذا مجلس الجامعة الجديد، يجتمع في شكله الأرستقراطي منذ أيام، فتُقصَى عنه كثرة الجامعيين، ويُقال لها انتظري حتى يبلغك الدعاء، فتنتظر صاغرة، ويقضي هذا المجلس الأرستقراطي في شئون الجامعة وأهلها غائبون، ويا شرَّ ما يقضي! حتى إذا فرغ من أمره، دُعِي الكثرة الجامعية فجاءت طائعة واشتركت فيما لا غناء فيه.

عُرِض على مجلس الجامعة الأرستقراطي هذا، أن يُرقِّي جماعة من الأساتذة المساعدين إلى كراسي الأساتذة، فأبى؛ لأن هؤلاء الأساتذة لم يظفروا بدرجة الدكتوراه، ولكنه رأى لبعضهم عليه حقًّا، فاستثناه لا بالترقية العلمية، ولكن بالمال، رقاه درجة الاستثناء، ومنحه علاوتين بالاستثناء.

كأن الجهود العلمية إنما تقوم بالدرجات والعلاوات في معهد يجب أن تقوم فيه بالألقاب العلمية قبل كل شيء.

هلُمَّ أيها الجامعيون تنافسوا في الدرجات، وازدحموا على العلاوات، وضعوا جهودكم العلمية للبيع والشراء؛ فهذا أقصى ما تستطيعون أن تطمعوا فيه الآن!

ومحنةٌ أخرى للعقل في الجامعة، هذه التي تريد أن تُقصِي عن مجالس الكليات كما أقصت عن مجلس الجامعة طائفةً من الأساتذة المساعدين، هم الذين قامت عليهم الجامعة، سيصبحون منذ اليوم، وليس لهم إلا إلقاء الدروس، وسيقضي فيهم الأجانب، وكبار الموظفين وهم صاغرون!

ما هكذا يُحترَم العقل المصري، ولا هكذا تنشأ الكفاية المصرية، ولا هكذا تُهيَّأ مصر لاحتمال التبعات ولقاء الخطوب، ولكن لماذا نطمع فيما لا يطمع فيه كثير من الأوروبيين؟! هؤلاء علماء الألمان يُستذَلُّون، وهؤلاء علماء إيطاليا يُستذَلُّون، فلمَ لا يُستذَل علماء مصر؟! هناك فرق لم تفطن له الحكومة، أو فطنت له وتعمَّدَت الإعراض عنه، وهو أن علماء الألمان والإيطاليين يستذلهم الألمان والإيطاليون، فأما علماء مصر فيستذلهم الأجنبي برضا حكومتهم المصرية …!

صنع الله لهذا البلد الشقيِّ، فقد أبى حظُّه السيئ إلا أن يجعله خاضعًا دائمًا لوصاية المعصومين من الأوصياء!

أما أنا، فأُقدِّم إلى الوزارة القائمة أصدق التهنئة لما وُفِّقَتْ إليه من إذلال المصريين، فما ينبغي لها وقد أذلت أساتذة الجامعة إلى هذا الحد، أن تطمع في مزيدٍ من السلطان! وأُقدِّم أصدق التهنئة إلى الجامعيين، فما ينبغي لهم وقد انتهوا إلى هذا الحد من الذل، أن يخافوا بعد اليوم ضيمًا. وأي ضيمٍ شرٌّ مما هم فيه؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.