بين يدي مجلس النوَّاب في هذه الأيام مشروع قانون تتعجل الحكومة إصداره، كما تعجلت إصدار قوانين الجامعة منذ حين. ومن الحق على المصريين الذين يفكرون في المستقبل السياسي لهذا البلد تفكيرًا نزيهًا، صادقًا، خالصًا من كل شائبة، أن يقفوا عند هذا القانون وقفة فيها شيء من الروية والتنبُّه؛ لما يشتمل عليه من نذير، فهو ينذر بخطر شديد قد لا يفطن له الناس عند النظرة الأولى، لكنهم لا يكادون يطيلون النظر فيه حتى يشعروا بأن حربًا عنيفة تُهيَّأ لمستقبل الديمقراطية في مصر!

ومهما أقل في ذلك فلن أصل إلى المبالغة، ولن أتورط في الغلو، فإن بعد النظر وقصره لا يمسَّان تنظيم الصلات بيننا وبين الإنجليز فحسب، ولا يمسَّان حل المشكلة السياسية الظاهرة من إنزال الوزارة القائمة عن مناصب الحكم، وإقامة وزارة حزبية أو قومية مكانها فحسب، بل يجب أن يمس شيئًا آخر هو قوام حياتنا السياسية الداخلية والخارجية، وهو إقامة الديمقراطية في مصر على أساس ثابت متين.

وأنا واثقٌ بأنك ستدهش حين أسمِّي لك القانون؛ لأنك لم تتعود أن تحفل بمثله، ولكني أرجو ألَّا يصرفك الدهش عن التفكير، وأن تنتهي معي إلى الإيمان بأن هذا القانون كيدٌ يدبر للديمقراطية المصرية والناس عنه غافلون. هذا القانون هو قانون التخصص في الأزهر. أسمعت هذا اللفظ؟ إنه يسير! تراه كل يوم في الصحف فلا تقف عنده، وقد يتحدث الناس به من حولك فلا تلقي إليه سمعًا ولا بالًا، ولكنه مع ذلك خليقٌ أن تقف عنده، وخليقٌ أن تلقي إليه سمعك وبالك، وخليقٌ أن تتهيأ لاتقاء ما فيه من شر.

ولست أريد اليوم أن أتحدث عنه إلَّا من ناحية واحدة هي التي تعنيني، وهي التي تعنيك حين تفكر في المستقبل السياسي لهذا البلد الحزين. يشتمل هذا القانون على حكم يبسط سلطان الأزهر بَسْطًا مُنكرًا على التعليم في مصر، وإذا سيطر الأزهر على التعليم فقد سيطر على كل شيء، ولم لا وهو يسيطر على تنشئة الأطفال وتثقيف الشباب؟!

هذا الحكم هو الذي ينشئ في الأزهر قسمًا للتخصص في المهنة، وأنت تنكر لفظ المهنة هذا كما أنكره أنا، وتراه مبتذلًا سقيمًا، ولكن معناه ليس مبتذلًا ولا سقيمًا؛ فهو يدل على فن التعليم.

ينشئ هذا القانون إذن في الأزهر قسمًا يتخصص فيه الأزهريون في فن التعليم، حتى إذا أتموا تخصصهم هذا خرجوا منه فانتشروا في أقطار مصر، يعلِّمون في المدارس المصرية على اختلافها. وليس بهذا بأس إذا حسن الدرس في الأزهر، وضمن لنا قسم التخصص تخريج المعلمين الأكفاء. ليس بهذا بأس على عقول الأطفال والشبَّان وأخلاقهم؛ فالأزهر إذا صلح كان كغيره من المدارس مصدرًا للخير لا خوف منه ولا بأس به، ولكنك تعلم أن للأزهر نظامًا أقل ما يوصف به أنه بدعة في الإسلام.

وهو هذا النظام الذي يجعل لهيئة كبار العلماء سلطانًا واسعًا يشلُّ سلطان الحكومة أيضًا، فكل من تخرج في الأزهر خاضع لسلطان هذه الهيئة، تحاكمه إذا شذَّ في سيرته شذوذًا ما، وتحاكمه بنوع خاص حين يشذُّ في التفكير، وحين يخرج فيما يكتب أو ينشئ عن مألوف العلماء الأزهريين. وهي إذا حاكمته جاز لها أن تخرجه من زمرة العلماء الأزهريين، وهي إذا أخرجته من هذه الزمرة حرمته طائفة من حقوقه المدنية، وأوجبت على الحكومة أن تفصله من أي عمل فيها، وحرمت على الحكومة أن تكل إليه أي عمل من أعمال الدولة. وقد ظهرت آثار هذا النظام منذ سنين حين حوكم الأستاذ علي عبد الرازق أمام هذه الهيئة، فأخرجته من زمرة العلماء، وأذعنت الحكومة المصرية يومئذ لحكم هذه الهيئة فعزلته من منصب القضاء.

ومعنى هذا أن الأساتذة الأزهريين الذين سينبثون في مدارس الحكومة على اختلاف درجاتها، وأنواع التعليم فيها، سيخضعون لهذه السلطة القضائية الغريبة، فيفكرون بمقدار، وينتجون بحساب، ويسيرون على الشوك، فإذا شذَّ أحدهم عما يحب الأزهر — أستغفر الله — بل عما تحب هيئة كبار العلماء — أستغفر الله — بل عما يراد لهيئة كبار العلماء أن تحب، أقول: إذا شذَّ أحد من هؤلاء الأساتذة حُوكم أمام هذه الهيئة، فإذا قضت بإخراجه من زمرة العلماء الأزهريين وجب على وزارة المعارف أن تخرجه من زمرة المعلمين، وأن تحول بينه وبين التعليم، ووجب على الحكومة كلها بعد ذلك ألَّا تكلفه عملًا رسميًّا ما.

سيخضع هؤلاء الأساتذة لهذه الهيئة، وستخضع معهم وزارة المعارف لهذه الهيئة، وستخضع معهم الحكومة كلها لهذه الهيئة، وستنزل الحكومة عن شيء من سيادتها لهذه الهيئة. سيصبح الوزراء منفردين في مكاتبهم ومجتمعين في مجالسهم أداة لهذه الهيئة تصرفها كما تريد، أو كما يُراد لها. هم كذلك الآن بالقياس إلى القضاة الشرعيين، وإلى الموظفين القليلين من رجال الأزهر في مصالح الدولة، فسينبسط هذا السلطان بعد أعوام فيتناول التعليم كله. أرأيت إلى هذا الخطر الذي يضع وزارة المعارف تحت سلطان شيخ الأزهر؟ أفكرت فيما قد يكون لهذا من تأثير، لا أقول في مستقبل التعليم، بل أقول في مستقبل السيادة التي يجب أن تكون لحكومة الدولة، بل أقول في مستقبل الديمقراطية المصرية كلها.

أنا واثقٌ كل الثقة بأن الديمقراطية منتصرة آخر الأمر، بل إنها ستشمل الأزهر نفسه. فمهما تبلغ قوة المحافظين والمسرفين في المحافظة، فلن تغير طبيعة الأشياء، وطبيعة الأشياء تقضي أن يأتي النظام الديمقراطي على كل شيء، ولكنك توافقني فيما أظن على أن الذين يشرعون هذا القانون يهملون طبيعة الأشياء هذه، ويخلقون لمصر مصاعب ومشاكل لا فائدة في خلقها. وقد أثبت كل شيء أنها كانت دائمًا مصدر الشر والفساد.

لقد كان الأزهر حريصًا على إنشاء قسم التخصص في التعليم منذ زمن بعيد، وكان ظاهر هذا الحرص أن تفتح أبواب العمل للأزهريين، وباطن هذا الحرص أن يبسط سلطان الأزهر على المرافق المصرية. وقد قاومت الحكومة هذه الفكرة في عهد الوزارات التي سبقت هذه الوزارة القائمة، وأبت على الأزهر العناية بتخريج المعلمين؛ لأن هذه العناية حق خالص لوزارة المعارف في كل دولة لها حظٌّ من حضارة، ولكن الذين يحرصون على بسط هذا السلطان الأزهري قد انتهزوا قيام هذه الثورة التي لا تأتي شيئًا إلَّا على الشعب، فوضعوا قانونهم، ووضعوا فيه هذا الحكم وقدَّموه إلى مجلس النوَّاب.

والغريب — وهل بقي شيءٌ يستغرب في مصر؟ — أن اللجنة البرلمانية في مجلس النوَّاب قد نظرت هذا القانون وأقرته ورفعته إلى مجلس النوَّاب، ولم تفطن لهذا الحكم، ولا لما فيه من اعتداء على وزارة المعارف، ولا لما فيه من تجاوز لأصول الديمقراطية، ولا لما فيه من بسط هذا السلطان الخطر إلى جانب سلطان الحكومة. لم تفطن لشيءٍ من هذا، أو فطنت له ولكنها طوته طيًّا، واكتفت بأن تلاحظ أن تعليم اللغات الأجنبية في أقسام التخصص ضيق يجب أن يُوسَّع، وناقص يجب أن يُزاد.

ومع ذلك، فالبرلمان بطبيعته خليقٌ أن يدافع عن النظم الديمقراطية، وأن يحوطها من كل ما يمكن أن ينتقص أطرافها، أو يحدَّ من سلطانها، ولكنك تعلم أن الديمقراطية شيءٌ بغيضٌ إلى بعض الناس في هذه الأيام. ماذا؟ أيحد استقلال الجامعة حتى يُمحى؟ أيُبسط سلطان الحكومة على الجامعيين إلى أقص حد ممكن؟ أيُقسَّم السلطان الجامعي بين الحكومة والأجانب، وتُحرم الجامعة حتى إن تقضي في أمر أبنائها ورجالها، ثم يُبسط سلطان الأزهر حتى يتجاوز الأزهر إلى مدارس الدولة ومصالح الدولة؟

ماذا؟ أبلغ الأمر بسادتنا الذين يحكموننا الآن أن يضعوا معهد العلم الحديث تحت هذه الوصاية الخائفة المشفقة المسرفة في الخوف والإشفاق؟ وأن يمكنوا لمعهد العلم القديم من أن يبسط سلطانه إلى هذا الحد البعيد؟

ماذا؟ أيُراد بمصر أن تمشي إلى أمام، فيسيطر العلم الحديث على مرافقها، ويسعى بها إلى تحقيق آمالها، ويرقى بها إلى مثلها العليا؟ أم يُراد بمصر أن تمشي إلى وراء، فيصبح أمر التعليم والتربية فيها إلى من لا حظَّ لهم من تربية ولا تعليم؟

كل هذا مخالف لطبيعة الأشياء، وكل هذا جهد ضائع، وتبديد للقوة والوقت، ولكنه على كل حال تأخير للرقي، واستهزاء بحق الشعب في أن يرقى ويأخذ مكانه بين الشعوب الحرة.

ألست توافقني بعد ذلك على أن الوزارة القائمة لا تفسد من شئوننا الحاضرة وحدها في السياسة والاقتصاد والتعليم، ولكن لها برنامجًا آخر خفيًّا تنفذه شيئًا فشيئًا، وهو أن ترد مصر إلى حيث كانت في القرون الوسطى بلدًا خاضعًا لسلطان مطلق يؤيده رجال الدين؟!

يجب أن يتنبه المعارضون، وأن يسجلوا هذا الحركات الخفية التي تُهيَّأ لحرب الديمقراطية، فسيصلون إلى الحكم غدًا أو بعد غدٍ، وسيجدون أمامهم أبنية قائمة تمنعهم من التقدم إن لم يزيلوها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.