يسكن بجوار منزلنا رجل أشيب مُعَمَّمٌ ذو ثروة كبيرة، إذا مشى في طريقه ينبعث من وجهه جلال ووقار، وإذا نظر إليك نظرة اختبار واستفسار قرأت في عينيه الطيبة، ولا أغالي إذا قلت السذاجة. هذا هو جارنا الجديد المحبوب صاحب المال والبنين والبنات والثروة والجاه والفضل الكبير.

مضى عليه في الحي الذي نسكن فيه أربعة أشهر، ثم جاء شهر رمضان، فإذا بي أراه من نافذة غرفتي يجلس مع أولاده في غرفة من غرف داره ليقرأ البخاري، وإذا بي أرى شيخًا آخر من الذين يطرقون بيوت الناس كل يوم جالسًا بجواره يسمع أحاديث النبي ويهز رأسه استحسانًا، حتى إذا تعب صاحب الدار من القراءة، أمسك شيخنا الجديد بالكتاب وابتدأ في تلاوة الأحاديث.

جميل ذلك المنظر، منظر الشيخين والأولاد الصغار يتلون ويرددون أحاديث النبي، وفي ذلك عبرة لمن يعتبر، وذكر لمن يتذكر. ثم زارنا الشيخ الآخر ذلك الذي اعتاد الدخول في بيوت الناس كل يوم، فجلست معه ساعة من الزمن، وسقت معه الحديث في مواضيعَ شتى إلى أن تكلمنا عن قراءة البخاري، فقلت له: أرى سيدي الفاضل يجلس كل يوم مع جارنا لتلاوة أحاديث النبي.

– نعم يا ولدي وعلى بركة الله.

– قراءة أحاديث النبي ذات فوائد عظيمة. لعلكم وجدتم فيها شيئًا يعزز بعض آراء النحويين.

– نحن نقرؤها يا ولدي على بركة الله.

– ألم تجدوا في معاني أحاديثه نظريات تتفق أو تدحض بعض نظريات علم الاجتماع؟

– نحن نقرؤها يا ولدي على بركة الله.

– ألم تجدوا فيها شيئًا من سياسة الأمم؟

فنظر الرجل نظرة حيرة واستغراب وأمسك بلحيته وتردد قليلًا، ثم قال: نحن نقرؤها يا ولدي على بركة الله.

ثم ودَّعَنا وانصرف.

***

وانقضى شهر رمضان، وكدت أن أنسى ذلك اللقاء إلى أن ساقت الظروف لدارنا مستشرقًا من مستشرقي أوروبا شيخًا أشيب وقورًا حليم الطبع لامع الصفحة، قدِم إلى مصر للبحث عن كتاب عربي قديم في أمراض العيون بحث عنه في جميع مكاتب العالم فلم يجِده في غير مكتبتنا.

جلست مع الرجل وحادثته مليًّا، وقلت له: شكرًا لك يا سيدي؛ لأنك بطبع هذا الكتاب تخدم الشرق أجمع.

– بل إني أشكركم بالسماح لي بطبعه.

– إنك تظهر مآثر العرب وتنشر علومهم الدفينة.

– أجل، ولكني أيضًا أظهر للعالم الإنساني كيف كان حال الطب في ذلك العهد؛ ولهذا أخدم تاريخ هذا العلم، ولعلي أوفق لذلك.

وودعَنا الرجل وانصرف حاملًا الكتاب، وأتانا به بعد أشهر معدودة مطبوعًا متقنًا جميلًا.

لعلي بكتابة هذه الخاطرة أشرح لأبناء وطني سرًّا من أسرار تأخر المصريين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.