حمل الدكتور فياض قيثارته وأنشد فأثار في الأوتار زوبعة أنغام وألحان، وحرَّك في النفوس كوامن النزعات والأشجان، وما أتى على نشيده إلا وقد حطم القيثارة وقطع الأوتار فلم يترك لأحد بعده أن يرسل زفرة أو ينغم لحنًا.

إلا أنه بإنشاده قد شدَّ من نفوسنا الأوتار وهيَّأها للاصطفاق على وقع كل شدو وكل تطريب، وكانت أولى نتائج سحره المعجزة التي شهدنا: لقد أبصر الأعمى، وثاب متشائم المعرَّة إلى الخالق وإلى الخلائق، وهو الذي ألفناه يهجو الحياة، ويحل مشكلتها بأمنية اليأس والعفاء، ويمقت بني الإنسان، فيقول في نفس واحد:

فإذا به يتوب توبة علنية خالصة على يد كليم الله في هذه الحفلة: كاهن بيت المقدس الخوري المقدسي.

وكان عليَّ أن أحتفظ بالنسب أنا كذلك، فإن لم يكن ثَمَّة توبة أعلنها، أو كلمات كتسبيح الموسيقى أرسلها، فصمت عبقري مبين.

غير أني خطوت من القارة السوداء إلى القارة السمراء لأتكلم، وأراني هنا للمرة الثانية بعد الحرب التي عمدتنا معمودية الألم والقلق والإدراك فيفيض الحنين في جوانحي وتتسابق التحيات إلى شفتيَّ:

فسلامًا أيتها الجامعة الكبيرة التي ضمَمْتِنا لتشعرينا مرة أخرى بأنك كنت ولا تزالين حصنًا متينًا من حصون اللغة العربية، وأنك كنت ولا تزالين تزهرين من شبيبتنا ربيعًا بعد ربيع وتنشئين من رجالنا جيلًا بعد جيل! سلامًا أيتها الجمعية الناهضة رئيسًا وأعضاء وعاملين! إنك لقائلة بأن الشرق يدري متى وأين تصبح الأريحية واجبًا، وتقولين للنابغين إن النور لا يخبو، وإن المعطي والآخذ يتساويان في أفق العلم والإنسانية! سلامًا أيها الليل المنسدل على الشط الفينيقي القديم، على الجبال وعلى السهول، على مدائن سوريا وعلى قرى لبنان، على الاضطراب وعلى تشعب الشئون، على الأبرياء المظلومين وعلى المجرمين في السجون، على أجداث الموتى وعلى قبور الشهداء الخالدين! سلامًا أيها الجمهور الذي تحسب نفسك هنا مصغيًا مترقبًا وما أنت إلَّا الخطيب البليغ؛ لأنك تحمل إلينا نحن الباحثين عن وطننا المتناثر بلاغًا من نداء الأوطان، وتستنطقنا بلغة الأوطان، وترسل إلينا نفحة من روح الوطنية وشرارة!

أيها السادة والسيدات، الآن أُمسك كلمات الحنين لأنظر قليلًا في معنى الاسم الذي تعرف به هذه الجمعية «تهذيب الشبيبة» دون أن أتقيَّد بغايتها، بل لأتساءل «لماذا تُهذَّب الشبيبة؟»

إذا كانت الطبيعة صالحة وكان كل ما خلقه الله حسنًا فهذه الناشئة بعض برايا الباري، وغرائزها من مواهب الطبيعة التي تَغَنَّى بحمدها روسو وأنصاره، ومعنى التهذيب هو التزيين والتنقية والتطهير، فكيف يُنَقَّى الخالص؟ وكيف يُطهَّر ما لم يُصِبه تلوثٌ ولا تشويه؟

نعم، نحن من برايا الباري والطبيعة صالحة، ولكن الباري أخضع البرايا لناموس التطور، وصلاح الطبيعة في الفرد هو الصلاح في شلَّال الماء وفي النهر الفائض لا بد أن يتناوله نظام الري والتوزيع ليكون أمنًا لا خطرًا، وحياةً لا موتًا.

وأخطأ روسو يوم قال بصلاح كل ما تصنعه الطبيعة وبفساد كل ما يصنعه الإنسان؛ لأنه وقف عند أول حكم من أحكام الحياة، ولم يأبه لما يلازمه من قوانين التطور والصقل والتهذيب الشائعة في جميع أجزاء الكون.

التهذيب في معناه باللغات الغربية education من اللاتينية ex ducere؛ أي الإخراج من طور إلى طور آخر، هو في الواقع انتقال وتحسين وتهيئة الفرد لتبادل المصالح والمنافع مع إخوانه، حيث المجتمع والحضارة، هناك الأنظمة والروابط، وهناك وجوب تنشئة الفرد على غايات محيطه وأساليبه وحاجاته، مع احتفاظ الفرد بحريته وجميع مواهبه الشخصية.

وما كان أسهل «تهذيب» الناشئة بالأمس؛ لأننا لم يكن لنا من مصالح ومنافع نتبادلها مختارين، ولم يكن لنا من مثل أعلى نشرئب إليه، لفتة إلى حياتنا منذ خمسين عامًا، نجد هناك شخص عبد الحميد، وإنما عبد الحميد يمثل جميع العتاة والمهووسين الذين يجهلون أن الحكومة من الشعب وللشعب وليس الشعب بآلة للحكومة، وكانت حكومة عبد الحميد أَليَقَ ما تكون بمولاها، يتناوبها الظلم والحق والرشوة والاستبداد، وما فتئ الفرد حيوانًا اجتماعيًّا كما يقول فنيلون، وحيوانًا سياسيًّا كما يقول أرسطو، فهو لذلك متفاعل حتمًا وما يحيط به أو يسوسه من جماعة وما يقيده من نظام وقانون؛ فيعامل من هو دونه بمثل ما يعامله من هو فوقه، كما يكون الحاكم والقاضي، كذلك رب البيت في عائلته، والمعلم في مدرسته. كان الملك يضغط على الحاكم، والحاكم يضغط على المحكوم، والمحكوم يضغط على أبنائه وتلاميذه؛ فما هم جميعًا إلَّا آلات إذلال وإخضاع وإرهاب بعضهم لبعض، ليس في الشرق فحسب، بل في جميع الأمم خلال عصور الإرهاق، فكانت غاية التهذيب كغاية الحكم والسياسة تكييف عبيد يمتثلون خانعين بلا تذمُّر ولا شكوى، والعبيد من الحكام والآباء والمعلمين كانوا يفلحون في سبك النفوس الصغيرة في قالب العبودية والظلام الذي ضَؤُلت فيه شخصياتهم، صمٌّ بكمٌ لا يعقلون، يُسبكون في قالَبهم صمًّا بكمًا لا يعقلون!

ألا فلتشرفي ذكرًا أيتها المدارس الغربية؛ لأنك حملت إلينا بشير الحياة وغصن الرجاء، فتعلمنا عن طريقك معاني الحرية والمسئولية والكرامة!

إن أغراض الحياة — أيها السادة والسيدات — أبعد من مطامع الحاكمين، وحقوق الأمم أبقى من افتئات المعتدين، جاءنا الشعاع عن طريق الغرب وكان لدينا شعاع آخر يحتجب ولكن لا يغيب في أشخاص أفرادنا الممتازين، من أولئك الشرقيين الذين عرفوا أمراضنا فحاولوا أن يعالجوها ويحطموا منا الأغلال، من أي المدن هم؟ إنهم ليكتظون أمامنا في فضاء هذا النادي مقبلين من بيروت نفسها، من لبنان، من دمشق، من طرابلس وحمص وحماة، من مصر، من العراق، من جزيرة العرب، من الأناضول، من كردستان وأفغانستان، من الأستانة، من مختلف الطوائف والأديان، ومن جميع أنحاء ما كان يُدعَى بالأمس مملكة بني عثمان.

وما اسمهم؟ وما حاجتهم إلى النعوت والألقاب؟ كلمة واحدة تطبع على ذكرهم علامة لا تُمْحى، اسمهم الأحرار، أحرار العرب، أحرار الشرق، أحرار الإنسانية! الغرب حمل إلينا الشعاع وهؤلاء حملوا أمامنا المشاعل، الغرب علمنا النظرية، وهم جعلوها بمثلهم عملية تطبيقية فأرسلوا في دمائنا قطرة متوهجةً فوَّارةً هي قطرة الحرية!

تهذيبنا بالأمس أضعف رجولة الرجال، وجعل المثل الأعلى من المرأة أن يكون لها فم يأكل — أجلَّكم الله يا سادتي — دون فم يتكلم، أما اليوم فقد انكسر القالب القديم في السياسة والنُّظُم والحكم؛ فانكسر بالتبع في المجتمع والمدرسة والعائلة، ففي أي قالب تهذيبي نسبك الآن؟ وعلى أي الأغراض القومية تنشأ شبيبتنا؟ ما هي صورة الحكومة لترتسم على مثالها صورة المدرسة؟

اطمئنوا بالًا يا سادتي المُشْفِقين، لن أتكلم في السياسة لأني غبية لا أفهمها في تعقُّدها البارع وتلوِّيها الحاذق، ولأني لا أنسى مطلقًا أن هنا يجب أن أكون تلك التي لها فمٌ … إلى آخره!

***

اجتزت قنال السويس مساء أمس الأول، وهناك عند عتبة الصحراء أمام القطار المزمع على الرحيل كنت أتحدث عن يقظة الشرق مع عَالِم أجنبي مسافر، فأصغى إليَّ طويلًا وهو متردد بين التصديق والارتياب، ثم قال: «كل هذا حسن، ولكني أنا أُدرِّس علم الاقتصاد السياسي منذ أعوام، وقد راجعت تواريخ الأمم القديمة والحديثة، الكبيرة منها والصغيرة؛ فوجدت لتيقظها ورقيها وكرامتها مقياسًا واحدًا لا شذوذ عنه؛ هو قوة الإنتاج في جميع فروع النشاط الحسي والمعنوي، من الميسور أن نعلم ما تستهلكون أنتم — الشرقيين — في يقظتكم هذه، ولكن أي الأغراض من الحياة تطلبون؟ وهل تنشئون شبيبتكم على معرفة هذه الأغراض والعمل لها؟ ما هي الأعمال التي يزاولها شبانكم؟ وإذا صح أن يقظتكم هذه بدأت بعد الحرب فحدِّثيني عما فعلتم منذ الهدنة، لا أسأل عن الشركات العظيمة، والمشروعات الناضجة، والأعمال المالية العائدة بالأرباح الباهظة، ولكن حدِّثيني عن تجاربكم، عما حاولتم القيام به في حياتكم الصناعية والزراعية والمالية، إنكم تستهلكون وتستهلكون، فماذا أنت منتجون؟ أيها الشرقيون المتيقظون.

وأقبلنا على المفاوز واقتحم القطار مملكة الرمال طول ساعات الليل، وفي تلك الصحراء المترامية بين قارتَي آسيا وأفريقيا، بشكل حيوان يتحفَّز للانقضاض على البحر، تواريخ وحوادث تشترك فيها أديان ثلاثة وحضارات مختلفة وشعوب شتى، ومن جهات كثيرة من هذه الصحراء أقبلت عليَّ مواكب الماضي متعاقبة بلا ترتيب ولا استطراد تاريخي، مملوءة بالعِبَر والدروس والحِكَم.

من هنا، بعد مجاعة بلاد كنعان، مرَّ يعقوب وذريته إلى مصر يحتمون بحمى يوسف الذي كان بالأمس قد نبذه إخوته، من هنا مر قمبيز العاتي ونبوخذ نصر ذو الصفحة التاريخية المُدلهِمَّة، من هنا مر سيزوستريس المصري بعد فتح أورشليم، وهيرودس الذي تولى الملك بكلمة واحدة من أنطونيوس، هنا في العريش قضى بودوان الأول ملك أورشليم نحبه، وهنا كذلك دُوِّنت المعاهدة القاضية بعودة كليبر وجنوده إلى فرنسا بعد معارك الأهرام، هناك في غزة انهار شمشون الجبار بالانفعال الذي يصرع الرجال عند أقدام النساء، من هنا مرَّ الإسكندر قاصدًا إلى حيث يشيد على شفة البحر الأبيض مدينة هي أعظم انتصاراته وأخلد جميع فتوحه: الإسكندرية، من هنا مر الطفل العذب الوديع هاربًا مع أبويه الفقيرين، هو الذي سيكون في الغد أعظم رسول للرحمة والمساواة، ويعلمنا كيف تثور النفس الكبيرة، وهي ممتثلة، وكيف يموت العظيم لأجل مبدأ عظيم، ومن هنا، أو من هناك، مر بعد ستة قرون الفتى البدوي الأسمر متوجهًا إلى دمشق، هو الذي عما قليل سيقترن اسمه باسم كتاب ينال في ستين عامًا انتشارًا لم ينله كتاب سواه، وسيكون عنوانًا لحارة تصل بين ماضي الإنسانية وحاضرها، وهنا يمر الآن هذا القطار مُحدِّثًا بمقدرة الإنسان الذي غلب العناصر وأخضعها، وسَطَا على أسرار الطبيعة ونبش دفائنها، وعرف أن يستخرج الخير من الشر والثروة من الفقر، هذه المزجيات التي جعلتها الحرب والأطماع آلة للربح ووسيلة لقهر الشعوب، ها هي تُقرِّب المسافة بين البلدان وتوحي إلى الفرد الضعيف أن الأرض جمعاء ملكه وأن جميع البشر إخوانه.

هذا بعض ما خطر لي في وحدة الليل بالصحراء، ولكن كلمات الرجل الغريب لبثت ترنُّ في نفسي كدقات ناقوس ملازم، ومن غرائب الاتفاق أني حضرت من حيفا في سيارة واحدة مع ثلاثة من فضلاء المتخرجين من الجامعة من أعضاء تهذيب الشبيبة، فعالجوا في أحاديثهم كثيرًا من المشاكل التي يثيرها سؤال الرجل الغريب، وبعد أن ألموا بحالة البلاد، وذكروا منها العيوب والأعذار، كنت أنا — جمهورهم الصامت — أكرر على نفسي تلك الأسئلة التي سمعتها في الليل: «ما هو غرضكم من اليقظة والتعليم والتهذيب طالما أنتم عالة على الغرب في كل ما تستهلكون؟ نعرف ما أنتم تستهلكون، فماذا أنتم منتجون؟»

أيها السادة والسادات، يتكون تاريخ الأمم والأفراد من عوامل ثلاثة ثابتة في خطوطها الكبرى متطورة في التفاصيل والأجزاء.

أول تلك العوامل العامل الطبيعي؛ أي موارد البلاد الطبيعية من تربة ونبات وحيوان ومعادن ومياه وموقع جغرافي يعيِّن العلاقات التجارية، والعامل الثاني هو العامل القهري أو الجبري الذي يكتسح مشيئة الشعوب والأفراد كالحروب مثلًا والطوارئ والزلازل والأوبئة.

والعامل الثالث وهو أهم العوامل لأنه مكوِّنُ حيوية الأمم، هو العامل الفعلي أو العملي؛ أي نشاط الأمة ومجهودها، وابتكارها، وانتظام الشعور والإدراك فيها، وحكمتها في الاستفادة من مرافقها وممكناتها، وفي معالجة ما يجب أن يُعالَج، وعلى الوجه الذي يجب أن يُعالَج به.

وجميعنا نعلم أن مصادر بلادنا ومواردها ليست دون ما تملك كثير من البلاد الأخرى، ونعلم أن العامل القهري يتخذ عندنا شتى الصور والأشكال، ولكن أترانا نهتم بالعامل الثالث — العامل الاختياري الفعَّال — كل الاهتمام؟ أتجهد مدارسنا أن تنمِّيه كل النمو في نفوس شبابنا وفتياتنا؟

اذكروا بعض بلاد إيطاليا، اذكروا مصائب اليابان واذكروا كيف تنهض تلك الأمم دفعة بعد دفعة، ترمم بعمل الأعوام والأجيال ما أفنته الطبيعة في لحظة واحدة، فهل لنا نحن مثل هذا النشاط ومثل هذا الاحتمال؟ أيذكر كلٌّ من شبابنا أن الأرض تناديه لتحيِيَه وتحيا؟ وأن الصناعة والزراعة تطلب ذكاءه ومجهوده لتنمو وترقى؟ أيسأل شبابنا أنفسهم: تستهلكون إنتاج الغرب أيها الشرقيون، فماذا أنتم منتجون؟

ولكن الإنتاج وحده على خطورته لا يكفي، ولا بد من تنظيمه والربط بين أقسامه بتلك العاطفة التي توحي الأمل والصبر والحماسة والثبات، لا بد من عاطفة الوطنية، لا بد أن تقود أعمالنا غاية الوحدة القومية.

في أثينا بلاد الرياضة البدنية والجمال الجسدي كانوا يقيمون حفلات سنوية يجري فيها المتسابقون وبأيديهم شموع مُتَّقدة، فالفائز من سبق والمشعل في يمينه مُتَّقد كشارة الانتصار، وليتسنى لهم ذلك كانوا يجدون في مراحل متعددة من ميدان السباق مواقد تتلظَّى فيها النيران وينطلق منها اللهيب، فيشعلون منها شموعهم المنطفئة ويستأنفون السباق، وقد تجددت منهم الحماسة والنخوة، وحدا بهم رغم العناء والتعب طلبُ المجد والانتصار.

ألا فيلكن هذا شأننا في مجهودنا الجديد لحياتنا الجديدة! ولتكن الحماسة الوطنية وفكرة الوحدة القومية مراكز نور وحرارة نجدد عندها ما تراخى من عزائمنا لنمضي بعدئذ متسابقين إلى حيث تحقق الشعوب آمالها، وتقوم بما فرض عليها في موكب الأمم الحية الناهضة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.