أشرنا في مقالنا السابق إلى أن الإنسان — في المجتمعات الصناعية على الأقل — قد تحرَّر تمامًا من «الاقتصاد المالتسي»، وأصبح علم الاقتصاد لأول مرة «اقتصادًا بشريًّا»، ومع هذا الاقتصاد الصناعي الجديد تحرَّر الإنسان إلى حد بعيد من قيود الطبيعة، وأصبح سيد الموقف، يوظف إمكانياته لزيادة الإنتاج والإنتاجية التي انعكست على تحسين مستوى معيشته، وليس زيادة في أعداد ذريته.

ولكن هل صحيح أننا تحررنا كليًّا من قيود الطبيعة وانتصرنا عليها، أم أن الطبيعة لم تخسر المعركة كليًّا، وأنها ربما خسرت جولة وقد تعود لتثأر لنفسها، وتهدد كل ما حققه الإنسان، بل وقد تعاقبه على تجاهله لها؟ هل اندفع الإنسان بأكثر مما ينبغي، وتجاهل الطبيعة بأكثر مما يجب؟ هذا سؤال هام، وقد ظهر على السطح بشكل واضح خلال القرن العشرين. وَلْنبدأ بالتذكير بقصة الإنسان مع الطبيعة، وكيف انتقل من عبودية شبه كاملة لأهواء ونزوات الطبيعة، إلى نوع من التعاون معها، ثم إلى تجاوزها وأحيانًا تجاهلها.

ظهر الإنسان المعاصر (المفكِّر) Homo Sapiens Sapiens منذ ما لا يقل عن مائتي وخمسين ألف سنة، وربما أكثر، وهناك مَن يقدِّر ظهور هذا الإنسان بما لا يقل عن مليون سنة، قد أمضى الإنسان ما بين ٩٥–٩٩٪ من هذا التاريخ في حياة بدائية طبيعية، أطلق عليها هوبز «حياة الوحشية»، وذلك في مجموعات صغيرة يقتات فيها الفرد بما تفيء به عليه الطبيعة، فهو يعيش حياة اللقط والقنص (الرجال عادة للقنص والصيد، والنساء للقط الحبوب والجذور من الأرض)، وربما لم يجاوز عدد سكان العالم في تلك المرحلة عدة عشرات، وربما مئات الآلاف من البشر. وفقط منذ حوالي عشرة آلاف سنة عرفت البشرية أخطر نقلة حضارية عندما اكتشف الإنسان الزراعة (القمح غالبًا في جنوب البحر الأسود أو في شمال العراق، والأرز في جنوب الصين، والذرة في أمريكا الشمالية)، ومع اكتشاف الزراعة بدأت حياة الاستقرار وظهور المدن وبداية الحضارات الكبرى حول الأنهار الكبرى في وادي ما بين النهرين، ثم في وادي النيل، ثم في الصين والهند، ربما لم يجاوز عدد سكان العالم عند بداية هذه الثورة الزراعية ما بين ٢–٢٠ مليون نسمة. ولم تنتشر الزراعة حول العالم بين يوم وليلة، بل أخذت وقتًا طويلًا حتى أصبحت النمط السائد للإنتاج في معظم المجتمعات البشرية. وأخيرًا جاءت النقلة الحضارية الثانية مع «الثورة الصناعية» في منتصف القرن الثامن عشر في إنجلترا، ومنها انتقلت إلى دول غرب أوربا ثم أمريكا الشمالية، وربما لم يبلغ سكان العالم عند بداية هذه الثورة الاقتصادية الجديدة البليون نسمة، حين وصل عدد سكان العالم إلى هذا الرقم في بداية القرن التاسع عشر (١٨٢٠). وكما ذكرنا في مقالنا السابق، فإن المجتمع الصناعي ما زال يمثِّل جزءًا يسيرًا من العالم المعاصر، فغالبية سكان العالم ما تزال تعيش عصور ما قبل المجتمعات الصناعية.

ومن خلال هذا التطور اختلفت علاقة الإنسان بالطبيعة؛ فهو خاضع تمامًا للطبيعة عالة، وطفيلي عليها، يقتات بما تجود به عليه من خيرات في معظم تاريخه منذ وجوده، واختلف الأمر في علاقة الإنسان بالطبيعة مع الثورة الزراعية، فهناك تعاون بينهما؛ على الإنسان أن يعمل ويجدَّ في الحرث والري والحصاد ومكافحة الآفات، وربما إقامة السدود وتنظيم الري، وهكذا، وتتكفل الطبيعة بعد ذلك برعاية الزرع ونموه وحتى ظهور الثمرات؛ فالزراعة هي عمل مشترك بين الإنسان والطبيعة. وأخيرًا جاءت الصناعة وتحرَّر الإنسان — أو كاد — من الخضوع للطبيعة، بل إنه أصبح يطوع الطبيعة لأغراضه وأحيانًا لنزواته، فمع المجتمع الصناعي أصبح الإنسان هو السيد، والطبيعة مجرد موضوع لنشاطه أو مصدر لخاماته.

وإذا كانت البشرية قد أمضت معظم تاريخها قبل الزراعة (أكثر من ٩٥٪) في ظل هذا النمط من حياة الفطرة الأولى، متعرِّضةً لأهوال الطبيعة ومخاطر الحيوانات، حيث تعيش حياة بدائية في مجموعات صغيرة لا حول لها ولا طَوْل، في حياة لا تكاد تختلف عن حياة الحيوانات، فلا غرو والحال كذلك أن تشكَّلت الغرائز الأساسية الأولى للإنسان في ضوء هذه الحياة الجافة والقاسية، ومن هنا تظهر في هذا الإنسان البدائي الأنانيةُ والخوفُ والريبةُ من كل جديد مع العدوانية والخداع، وغير ذلك مما تورثه الحياة البدائية المعرضة للمخاطر من كل جانب. وجاءت الزراعة منذ أمد ليس بعيدًا ولفترة قصيرة من هذا التاريخ لا تتجاوز ٣-٤٪ من تاريخ البشرية، لتغرس في النفس البشرية نوازع جديدة تتفق مع منطق الزراعة، مثل التعاون والتكافل مع مزيد من الرهبة من الكوارث الطبيعية والخوف من المجهول، ومع غير قليل من القَدَرِيَّة والتواكل، وربما الإيمان بالمعتقدات الدينية وما وراء الطبيعة. وأخيرًا ففي أقل من الواحد في الألف من هذا التاريخ البشري الطويل، تجيء الثورة الصناعية بمفاهيمها الجديدة عن العقلانية، وفاعلية العمل، وقوة العلم، وأهمية التنظيم، وضرورة إتقان العمل، واحترام المواعيد، والوفاء بالالتزامات، والثقة في الآخرين، وكلها نوازع حديثة أُضِيفت إلى ما سبق أن اكتسبه الإنسان من غرائز ونوازع بدائية من خلال تاريخه الطويل.

ومع الثقة المفرطة في رجاحة العقل وفاعلية العلم، ومع النجاحات المذهلة للتقدم التكنولوجي والصناعي وما حققه الإنسان من اختراقات في كافة الميادين، فقد انطلقت المجتمعات الصناعية الحديثة في اندفاع هائل إلى استغلال كل بقعة من الأرض، واستخراج أكبر قدر ممكن من باطن الأرض من معادن أو ثروات طبيعية، مع التوسع في إنتاج السلع الاستهلاكية بلا حدود، وهكذا أصبح العلم والعقل مسخَّرين لخدمة هدف أساسي وحيد؛ الاستهلاك، ومزيد من الاستهلاك، وكأننا نعيش في عالم بلا حدود أو قيود، وقد بدأت هذه الانطلاقة في القرن التاسع عشر، وتوسعت خلال القرن العشرين.

ولم ينتبه العالم في اندفاعه المحموم نحو إنتاج المزيد من كل شيء، إلى أن هناك تكلفة لا بد من تحمُّلها، وأن هناك حدودًا لكل شيء؛ فالإنتاج وما يتركه من مخلَّفات تحتاج إلى معالجة، واستخراج المواد الأولية من باطن الأرض، له حدود، وقد بدأت بالفعل بعض الموارد في النفاد أو إبراز بعض مظاهر النفاد. وما يترتب على إنتاج واستهلاك السلع من تزايد في عوادم ونفايات هذا الاستهلاك، لا يقتصر على مشكلة علاجها والتخلص منها، بل إن هذه العوادم والنفايات ما تلبث أن تلوِّث الجو والبحر والأرض؛ فأغلب أنهار الصين قد أصبحت ملوثة تمامًا ولا تصلح أو بالكاد تصلح للحياة النهرية، والهواء أصبح في العديد من المدن الصناعية المكتظة غير قابل للحياة، أو يجعلها أكثر صعوبة، وما ينتج من عوادم يؤثر في الغلاف الجوي، وقد أحدثت بالفعل ثقب الأوزون والذي يهدد مستقبل الحياة. وأخطر من هذا وذلك، ما ترتب على تلك الاستخدامات مما يُطلَق عليه «الاحتباس الحراري» وتعريض المناخ لهزات خطيرة، فهناك خوف من ارتفاع مستمر في درجات الحرارة، وما قد يترتب عليها من ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، وارتفاع مستوى مياه البحر، وتعريض العديد من المدن والموانئ للزوال. وكان اختفاء الغابات في أوربا وأمريكا أحد أسباب عدم الاستقرار المناخي، وها هي البرازيل ودول آسيا (إندونيسيا) لا تجد غضاضة في استئصال غاباتها، تمامًا كما فعلت أوربا وأمريكا في القرن التاسع عشر. وإذا كانت الثورة الصناعية قد اعتمدت — إلى حد بعيد — على توافر مصادر رخيصة للطاقة، بدءًا من الفحم والبخار، وانتهاءً بالنفط والغاز، فكل هذه الموارد هي موارد نافدة غير متجددة، واستخدامها يؤدي — فضلًا عن ذلك — إلى تلوث البيئة. ولم يتوقف الأمر على ما يلحق الموارد الطبيعية أو ما يترتب عليها من إفساد للبيئة، بل العديد من الأمراض الحديثة قد انتشر في المجتمعات الحديثة؛ فالإيدز تكاد تستهلك أفريقيا، وهي ليست قليلة في الدول الأخرى، وكل يوم تسمع عن أوبئة جديدة؛ فهذا جنون البقر، وتلك أنفلونزا الطيور، فضلًا عن أمراض العصر من أمراض للقلب أو أمراض نفسية وعصبية أو غير ذلك.

ولعله من مكارم القرن العشرين أنه طرح قضية البيئة والحدود الطبيعية على قدرة الإنسان لأول مرة وبشكل واضح وقاطع، وكان أن صدر في بداية السبعينيات من هذا القرن تقرير هام لنادي روما بعنوان «حدود النمو»، يوجِّه الأنظار إلى خطورة التوسع المستمر وغير المحدود في السعي وراء «النمو» بكل شكل وبأي ثمن، فأوضح هذا التقرير أن هناك حدودًا تفرضها الطبيعة على النمو، وأن ثمن الإسراف في هذا التوسع المحموم في الإنتاج قد يكون مرتفعًا ومؤلمًا على البشرية جمعاء. وفي بداية السبعينيات أيضًا عقدت الأمم المتحدة مؤتمرًا هامًّا في هلنسكي عن البيئة، وتوالت من بعضها الدعوات للاهتمام بالبيئة، وقد تُوِّجَتْ هذه الجهود بمعاهدة كيوتو Kyoto لحماية البيئة (وهي المعاهدة التي رفضت أمريكا التوقيع عليها، رغم أن نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور كان المدافع الأول عنها).

وأهم ما يطرحه موضوع البيئة أنه يطرح قضية تتعلق بمصلحة العالم في مجموعه، فبقاء الكرة الأرضية صالحة للحياة يتوقف على ما يفعله كل واحد منَّا، فكلٌّ منا مسئول عن سلامة الأرض ومستقبلها، وهذه هي فكرة السلع العامة Public Goods، فهي سلع أو خدمات تنفع المجموع، وبالتالي فعلى الجماعة أن تتولى مسئولية توفيرها وصيانتها، والبيئة بهذا الشكل ليست مجرد سلعة عامة وطنية أو قطرية، بل هي «سلعة عامة» كونية Global Public Good، وبالتالي لا يجوز التهاون فيها بمقولة إن ذلك يوفر مصلحة خاصة أو حتى وطنية، فالأمر يتعلق بالعالم في مجموعه؛ فليس من المقبول أن نعرِّض مصالح العالم للخطر لتحقيق مصالح محدودة لفئة أو قطاع، أو حتى لمصالح دولة بعينها، وهكذا تطرح قضية البيئة وبشكل قوي قضية المصلحة العامة الكونية.

وإذا كانت قضايا البيئة تطرح على العالم المسئولية العامة للبشرية للدفاع عن مصالحها في الوجود المادي، فإن التساؤل يدور أيضًا عما إذا كانت «المصالح المعنوية» التي تتعرض لها بعض المجتمعات هي أيضًا من القضايا الكونية، والتي يؤدي إهمالها إلى تلوث البيئة الاجتماعية العالمية. وقد رأينا كيف أن الإحساس بالظلم الاجتماعي والسياسي قد أطلق موجات من الإرهاب الذي يؤرِّق حياة الآمنين من مختلف الأماكن، ولا يقل عن ذلك خطورة تجارة المخدرات والرقيق الأبيض أو تجارة السلاح، فهذه أيضًا كلها أنواع من التلوث الاجتماعي الذي يستوجب تحمُّل المسئولية الدولية، ليس عن طريق الحروب والغارات والسجون والتعذيب فقط، وإنما بالخوض في الأسباب العميقة وراء هذه الانحرافات ومحاولة علاجها. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.