القرون الوسطى (القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر)

القرن الثاني عشر

لا نعرف من روايات القرن الثاني عشر التي كانت تُمثَّل في الساحة العمومية أمام باب الكنيسة غير رواية آدم، لكننا نجهل اسم مؤلفها. ولقد كانوا يسمحون في ذلك العهد لممثل دور الإله أن يدخل الكنيسة بعد فراغه من تمثيل مشاهده، وكانوا يسمحون لممثلي أدوار الشياطين أن يخترقوا صفوف المتفرجين في الساحة العمومية يخيفونهم ويضحكونهم.

وكانوا ينشئون على المسرح جنة، ويزينوها بما كانت تسمح به مداركهم، وكانوا يمثلون مشهد غواية آدم وخروجه مع حواء من الجنة، ويعقبونه بمشهد قتل هابيل، وفي نهاية الرواية تمر الأنبياء جميعًا على المسرح. ولم يكن المسرح في ذلك العهد كما هو الآن، بل كان جزءًا من الساحة العمومية خاليًا من الستائر ومُعِدَّات المسرح.

ولقد كانت هذه الرواية تتفق مع القضية الدينية، ولكنها كانت بعيدة عن الروايات التمثيلية. ومن الغريب أن الدروس الدينية اللاتينية كانت تتخلل المناجاة والمحاورات، بيد أننا نرى في هذه الدرام الدينية بعض مشاهد تمثيلية درامية كمشهد إغواء الشيطان لحواء، ونرى أيضًا بعض هذه الأشخاص محللًا تحليلًا يقرب من الحقيقة؛ فشخص الشيطان وشخص حواء قد حُلِّلَتْ أخلاقهما تحليلًا يدفع بنا لأن نقول: إن التمثيل الحقيقي كانت تتمخض به الأيام في ذلك العهد.

القرن الثالث عشر والرابع عشر

هذا ما نعرفه عن حال الدرام في القرن الثاني عشر. أما القرن الثالث عشر والرابع عشر، فقد تقدَّمَتْ فيهما الدرام ولم يَبْقَ في أيدي الإفرنسيين من مؤلفات هذين القرنين غير درام «القديس نيقولا» تأليف جان بوديل داراس ودرام «معجزة تيوفيل» تأليف ريتبوف. أما الأولى، فمؤلفها شاعر قادر تشهد له أشعاره بمقدرته وعبقريته، وروايته تحتوي على أشعار جميلة بدأها بوصف معارك الصليبيين. وما دفعه إلى ذلك غير عزمه على السفر معهم مُجرِّدًا سيفه من غراره، ولقد كان لهذه المشاهد الحماسية تأثير كبير في نفس الجمهور، ولكنه أعقبها بمشاهد مضحكة صوَّر فيها مساوئ مواطنيه، واتخذ لها جو حانة من الحانات في ذلك العهد، فكان بدء روايته الشجاعة والحماسة وختامها الهزل والسخرية.

وينتج من ذلك أن طريقة التأليف في ذلك العصر كانت ناقصة وبعيدة عن أصول الفن الحقيقي، أما الدرام الثانية عن معجزة تيوفيل فهي الرواية الوحيدة التي كتبها ريتبوف، وكانوا يقصدون بكلمة معجزة كل الحوادث العظيمة التي تُنسَب للعذراء والقديسين، وبطلها هو تيوفيل الراهب ذو المطامع الذي كان يعيش في القرن السادس، والذي يُقال عنه إنه باعَ رُوحَه للشيطان، ثم عاد إلى الهدى بعد الضلال على يد العذراء، وهذه القصة مشهورة في القرون الوسطى نراها مُصوَّرة في القصائد والصور والتماثيل.

أما أسلوب المؤلف، فهو يصلح لتصوير اضطرابات النفس وآلامها ونزعاتها القوية، ولكنه غير صالح لتصوير التوبة والندامة. وخير ما في هذه الدرام ثورة تيوفيل بعد إلحاده حالما يرى نفسه لا ينصره صديق ولا يُثبِّته محب. وكان يقوم بتمثيل هذا النوع جماعات أدبية، نخص بالذكر منها جماعة آراس.

القرن الخامس عشر

بلغ التمثيل في القرن الخامس عشر ما لم يبلغه في القرون السالفة، ونشأ فيه نوع جديد من الروايات أطلق عليه المؤلفون اسم ليمستير «أسرار الدين»، وما «الميستير» إلا حادثة من حوادث الكتاب المقدس أو من حوادث القديسين ينظمها المؤلف، ويقسمها إلى محاورات عدة، نخص بالذكر منها ليمستير دي نوفوتستمان «أسرار العهد الجديد»، وبها ما يزيد على خمسين ألف بيت من الشعر. ورواية لاباسيون «الهوى» من تأليف أرنول جربان دي مانس، وأصلحها فيما بعد جان ميشيل دانجر، وتحتوي على سبعين ألف بيت من الشعر، ومُثِّلَتْ عام ١٤٥٠، ورواية ليزاكت ديز أبوتر «أعمال الرسل» تأليف أرنول وسيمون جريبان، وتحتوي على ستين ألف بيت من الشعر، ورواية «حصار أورليان» وهي من قلم جان دارك ذات الشهرة الوطنية الكبيرة.

قلنا: إن نوع الميستير منظوم من أوله لآخره، وفاتنا أن نقول: إن الأشعار الوجدانية «ليريك» كان يُغنِّيها الممثلون في جميع روايات هذا النوع.

واتفق المؤلفون في ذلك العهد على تقسيم رواياتهم إلى أقسام عدة تُمثَّل على عدة أيام، وكانوا يختمون حفلات التمثيل بالصلاة، ويبدءونها بمناجاة كبيرة «منولوج» يلقيها ممثل ماهر شارحًا للجمهور موضوع الرواية وراجيًا منه الإصغاء للتمثيل.

وأُبِيحَ للمؤلفين أن يضيفوا إلى أشخاص رواياتهم أشخاصًا وهميين؛ كشخص الحقيقة والسلم والعدل والرحمة والحنان، وأن يخلطوا الجد بالهزل بإضافة مشاهد هزلية يأخذونها من حوادث عصرهم. وحتم المؤلفون على أنفسهم أن يكثروا من مناظر رواياتهم كما يفعل مؤلفو الريفو «العرض» في القرن العشرين، ولم تكن لهم دراية كبرى بالفن فأخرجوا للناس روايات عجزوا عن تحليل أشخاصها تحليلًا دقيقًا.

ولم يتكون في ذلك العهد جوق يحترف التمثيل، فكانوا إذا أرادوا تمثيل رواية أطلقوا في المدينة مناديًا ينادي الناس، فيُهرَع رجال الدين والأشراف والسُّوقة إلى الساحة العمومية، ويتقدَّم منهم من يجد في نفسه الكفاية لتمثيل دور من الأدوار حاملًا معه ملابس دوره بعد أن يشتريها من حر ماله. أما الناس، فكانت تهجر بيوتها إلى الساحة العمومية وتبقى المدينة قفرًا بلقعًا.

وما زال الحال كذلك إلى أن أتاح الله للفن جماعة اتخذت التمثيل حرفة، وكوَّنَتْ جوق «ليكو نفرير دي لاباسيون»، ومُثِّلَتْ في بلدة سان مور ليفو سييه، ولكنا لا نعرف بالضبط اليوم الذي بدأت فيه حياتها التمثيلية.

وما زالت هذه الجماعة تعمل في سبيل الفن إلى أن أصدر شارل السادس عام ١٤٠٢ قراره الملوكي معترفًا فيه بشخصيتها، فهجرت الجماعة الساحة العمومية إلى القاعة الكبرى بمستشفى الترينيتيه، ثم مثلت فيما بعد في قاعات القصور العظيمة قصور الملوك والأشراف «كقصر الفلاندر وقصر بورجونيا»، وبهذا انتقل التمثيل من الكنيسة إلى الساحة العمومية، ومن الساحة العمومية إلى قاعات المستشفيات، ومن قاعات المستشفيات إلى القصور.

ثم أصدر البرلمان في ١٧ من نوفمبر سنة ١٥٤٨ قراره بإيقاف هذه الجماعة عن التمثيل، وبإيقافها ماتت روايات الميستير بعد أن أحيت الفن زمنًا طويلًا. وما السبب في ذلك إلا حاجة الأمة إلى نوع جديد من الروايات يلائم مشاربها وأميالها، فعمد المؤلفون إلى روايات الرومان والإغريق يقتبسون منها مواضيع رواياتهم، فرأى الناس على المسرح «أندروماك» و«هكتور»، وحيَّا الجمهور هذه النهضة الجديدة التي نشأت عنها التراجيدي الإفرنسية، وسنتكلم عنها فيما بعد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.