عاد الأمر إلى الاضطراب والفساد بين شركة ثورنيكروفت وعمالها، وأصبح الناس اليوم قد حُرِمُوا وسيلة من وسائل الانتقال التي كانوا يعتمدون عليها، ويهيئون أمورهم على أنها متصلة غير منقطعة، وموفورة ليس عليها خوف، ومن حق الناس أن يضيقوا بهذا الإضراب الذي يتكرر فيعطل عليهم مصالحهم، ويفسد عليهم أمورهم، ويعرضهم لضررٍ قد يكون كثيرًا. وهم على كل حال لم يأتوا من الأمر ما يجعلهم أهلًا للقاء هذا الضرر واحتمال هذا الأذى، ومن حق الناس أيضًا أن يعرفوا مصدر هذا الإضراب الذي يتكرر، وهم إنما يستطيعون أن يعرفوه من العمال، ومن الشركة، ومن الحكومة التي يجب أن تسيطر على ما بينهم وبينها من صلات، وتتوسط فيما بينهم وبينها من خلافٍ.

فأما العمال فهم لا يبخلون بتفسير موقفهم، وإظهار الناس على أسبابه ومصادره، وهم لا يتمنَّوْن إلا أن يؤذن لهم في القول، ولا يحبون إلا أن يسمع لهم الناس، لعل رثاء الناس لهم وعطفهم عليهم وتأييدهم لما يطلبون، أن يدعو الشركة إلى أن تغير من موقفها الذي يرونه ظالمًا مسرفًا في الظلم، ولعله أن يخرج الحكومة عن خطة اللين للقوي، إلى شيء من الحزم في المطالبة بالإنصاف، ولعله إذا لم ينتهِ إلى هذا أن يبعث في نفوس العمال أنفسهم شيئًا من الرضى وقليلًا من العزاء؛ فليس أحب إلى نفس المكروب المحروب من أن يحس عطف الناس عليه ورثاءهم له، لم يبخل العمال بالقول ولا بالتفسير؛ فهم يستكثرون ساعات العمل، وهم يستقلون ما يُعطَوْن من أجر، وهم يشكون من معاملاتٍ أخرى قاسية فيها فصل لبعضهم، وتعريض لبعضهم الآخر للفصل، وعبث بكثير من حاجاتهم وآمالهم.

قالوا ذلك وكرروه وألحُّوا فيه، وأضربوا منكِرين له محتجين عليه، ثم قيل لهم إن من اليسير إصلاح ما ينكرون إذا عادوا إلى أعمالهم، وكانت الحكومة قد توسطت بينهم وبين الشركة، وكانت وساطة الحكومة هي التي مكَّنت من أن يبذل للعمال هذا الوعد، فصدقوه واطمأنُّوا إليه واستأنفوا عملهم، وانتظروا الوفاء، ويظهر أن هذا الوفاء لم يكُن سريع الخطى، بل لم يكُن مَيَّالًا إلى الحركة! فيُقال إن الشركة لم تُغيِّر ما كانت وعدت بتغييره، ويقال إنها حين أرادت بعض التغيير راوغت وداورت، وفصلت من العمال والموظفين عددًا ليس بالقليل، فعاد الخلاف كما كان أو أشد ممَّا كان، وعاد العمال إلى الإضراب.

كذلك يقول العمال في تفصيل كثير مؤلم، تقرؤه في غير هذا المكان من الكوكب. أما الشركة فلا تقول أو لا تكاد تقول شيئًا، وأما الحكومة فتؤثِر صمتًا أقل مما يوصف به أنه لا يلائم مصلحة أحد، لا يلائم مصلحة الناس الذين لا يريدون أن تعطل مصالحهم، ويحبون أن يفهموا فيمَ تعطيلُها، ولا يلائم مصلحة الشركة التي لا ينبغي أن يسوء بها ظن الناس، وأن يفهم الجمهور أنها تستغل العمال وتسرف في العبث بهم، ولا يلائم مصلحة العمال الذين يحرصون على ألَّا يتهمهم أحد بالعنت والمبالغة والاستهانة بمصالح الناس، ثم هو لا يلائم مصلحة الحكومة بنوع خاص؛ فهي التي أذِنت لهذه الشركة بالعمل، وهي التي قضت بهذا الإذن على نشاط جماعة من الوطنيين كانوا يعملون في النقل بالسيارات، وهي التي حملت الناس شيئًا غير قليل من المشقة حين قضت على هذا النشاط مكان تشجيعه، ومحته مكان تقويته. وهي التي تعاقدت مع الشركة، فمن حقِّها على نفسها ومن حق الناس عليها أن تشعر مصر بأن القضاء على النشاط الوطني لم يكُن من شأنه أن يؤدِّي إلى الغلو في إذلال المصريين، واستغلالهم وإهدار مصالحهم وتعريض فريق منهم للبطالة وما يتبعها من الجوع والحرمان، ومن الحق عليها لنفسها وللناس أن لا تتهم بالتقصير في المحافظة على عقد الالتزام هذا الذي أمضته، والذي يجب عليها أن ترعى حرمته، وأن تأخذ الشركة برعاية حرمته أيضًا.

ليس من الملائم إذن لمصلحة الحكومة أن تؤثر هذا الصمت الذي آثرته، وليس من مصلحتها بنوع خاصٍّ أن يسوء ظن الناس بها ورأيهم فيها، وأن تتهم باللين المسرف والتهاون المنكر مع الأجنبي، وبالشدة المُغرِقة والتعنُّت مع المصري، وليس من مصلحتها بحال من الأحوال أن تتساءل طائفة من المصريين؛ هي طائفة العمال: فيمَ وجود الحكومة إذا كانت تعجز أو تتكلف العجز حتى عن حماية المصريين من جور الأجنبي وقسوته عليهم في بلادهم، وتعجز أو تتكلف العجز حتى عن أخذ الشركة بتنفيذ عقد الالتزام؟

فالناس لا ينشئون الحكومات لينظروا إليها ويلهوا بها ويستمتعوا بجمالها وبما تحيط نفسها به من مظاهر القوة والجلال. وإنما الحكومة أداة من أدوات العمل في الحياة، قد أُنشِئَت لأغراضٍ، فإذا لم تحقق هذه الأغراض أصبحت عبئًا ثقيلًا، وأصبحت متاعًا لغوًا لا حاجة إليه، وأول ما يجب على الحكومة في مثل هذه الحال، كما قلنا منذ أيام، إنما هو حماية هؤلاء العمال مرتين؛ حمايتهم لأنهم عمال لهم حقوق يجب أن يظفروا بها، وعليهم واجبات يجب أن يؤدُّوها، ولهم آمال يجب أن لا تقطع بينهم وبينها الطريق، وحمايتهم لأنهم مصريون يعملون عند الأجنبي في بلادهم، فيجب أن توفر عليهم عزتهم، وتحفظ عليهم كرامتهم، ويُعامَلوا كما يعامل الرجل العزيز في وطنه العزيز.

ونحن نأسف أشد الأسف لأن سيرة الحكومة فيما بين العمال والشركة من خلاف لا يظهر فيها من الحزم والقوة ما يُشعر الناس بأنها تؤدي هذا الواجب على أحسن وجه ممكن للأداء، نفهم إلى حدٍّ ما أن يسوء رأي الحكومة والبرلمان في رجال التعليم الأولي، وأن تستكثر عليهم مرتباتهم الضئيلة، وأن يختلف النواب في هذه المرتبات، أترقى إلى جنيهين، أم تنزل إلى جنيه ونصف جنيه! نفهم ذلك إلى حدٍّ ما، فهو يدل على سوء فَهم للتعليم، وعلى سوء تقدير لحق المعلم وواجبه، ولكن ما يبخل به من المال على المعلمين، سيبقى في خزائن الدولة، ولكن ما يُلِمُّ بالمعلمين من ظلمٍ سيصدر عن المصريين وسيصيبهم من مواطنيهم، فأما أن تغلو شركة أجنبية في تخفيض أجور العمال المصريين، ولا تشتد الحكومة في منعها من هذا الغلو، فشيءٌ ليس إلى فَهمه من سبيل، فالمال الذي ستبخل به الشركة على هؤلاء المصريين لن يرد إلى خزائن مصر، ولن يبقى في أرض مصر، ولكنه سيعبر البحر إلى حيث يستمتع به الأجنبي، والظلم الذي سيقع على العمال من نقص الأجور، وزيادة ساعات العمل، واضطرار فريقٍ منهم إلى البطالة لن يقع من مصري على مصري، ولكنه سيقع من أجنبي على مصري.

فلتقدر الحكومة هذا كله، ولتفكر الحكومة في أنها مَدِينَةٌ لنفسها ولوطنها وللكرامة والعدل ولمنفعة الجمهور الذي أُنشِئَت لتخدمه وترعى مصالحه، بأن تقف موقفًا حازمًا كريمًا في هذا الخلاف، وأن تضطر الشركة إن كانت ظالمة إلى العدول عن هذا الظلم، وتضطر العمال إن كانوا جائرين إلى العدول عن هذا الجور، ولا تضيع مصالح الجمهور لخلافٍ من اليسير جدًّا أن يُزال لو نهضت الحكومة بواجبها على الوجه الصحيح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.