قرأتُ في سِفْر الجامعة في العهد القديم لسيدنا سليمان الجملتين الآتيتين:

«ما كانَ فهُوَ ما يكونُ، والذي صُنِع فليس تَحْتَ الشَّمسِ جديدٌ. إن وُجِد شيء يُقال عنه: انْظُرْ، هذا جديدٌ. فهو جديد، فهو مُنْذُ زمانٍ كان في الدُّهورِ التي كانتْ قَبْلَنا.»

ومن المسلَّم أن هذا الكلام صحيح لا ريب فيه؛ لأنه صدر عن حكمة عظيمة. فماذا نُعلِّل الآن وجود الصواريخ وسَفَر الإنسان إلى الفضاء، وغير ذلك من مخترعات العصر الحديث؟

سمير راغب تادرس، التجارة الثانوية، إسكندرية

صدق سليمان الحكيم حين قال: «إنه لا جديد تحت الشمس.»

ونحن نصدق اليوم إذا أعدنا مقاله في العصر الحديث بمعناه الذي أراده في زمنه، ولا يُعقَل أنه أراد معنى سواه.

فالنبي سليمان — صلوات الله عليه — كان يعلم أن الدنيا يجد فيها كل يوم بل كل ساعة، إنسان يُولَد ولم يكن فيها ذلك، وكان يعلم أن الزهرة التي تنبت هذا الربيع شيء جديد لم يره أحد من أجدادنا الذين شهدوا مواسم الربيع موسمًا بعد موسم، وعلموا أنها جديدة تحت الشمس بأعيانها وذواتها التي نراها ولم يرها من قبلنا أبناء القرون الأولى.

ومما لا ريب فيه أن النبي الحكيم لم يقصد إلى الجديد بهذا المعنى؛ لأن الخطأ في هذا القول ظاهر للحكماء وغير الحكماء، ولا حاجة بالإنسان إلى حكمة كحكمة سليمان أو دون هذه الحكمة بشوط بعيد لِيَعْلمَ أن إنكار الجديد بهذا المعنى خطأ لا تختلف فيه عينان.

فلا بد — إذن — من فهم الجديد بمعناه الذي عناه — ولا يمكن أن يعني شيئًا سواه — وهو الجديد في حقيقته النفسية، وفي موقعه من شعور الإنسان، ولا يلزم أن يكون جديدًا بصورته التي يقع عليها العيان.

وعلى هذا، لا جديد في الصواريخ ولا في الصعود إلى الفضاء؛ لأن الناس تحدثوا قديمًا عن سهم «النمروذ» الذي أرسله إلى الفضاء فعاد إليه مخضبًا بالدماء، وتحدثوا عن صعود الجن إلى مدار الفلك، وعن صعود الأرواح إلى السماوات، ولم يشكُّوا في حقيقة هذه الأحاديث، بل كان يقينهم بها أعظم من يقيننا اليوم بالسفر إلى القمر أو ما وراء القمر من أفلاك المنظومة الشمسية، وأفلاك المجرة المنظورة، والمجرات التي لا تُرى بالعين ولا تُلمَح بالمناظير.

وقد تحدث الناس ببساط الريح مِنْ قَبْلِ سليمان ومِنْ بَعْدِه، وتحدثوا عن عرش بلقيس الذي انتقل من اليمن إلى فلسطين قبل ارتداد الطرف، ولم يزل في البلاد الإفريقية من ينتسب إلى الذرية التي خُلِّفت من زفاف بلقيس إلى سليمان.

وكل هذه الأحاديث حقائق نفسية نذكرها بآثارها في النفوس الإنسانية، فلا نرى من جديد في الصواريخ ولا في سفن الفضاء، ولم يتحقق شعور الأقدمين به كما يتحقق شعورنا نحن الآن بمخترعات القرن العشرين … بل نحن متأخرون عن الأقدمين إذا قارنَّا بين الإمكان في نظر المخترعين اليوم والإمكان في أنظار المعاصرين لسليمان الحكيم ومَنْ سبقوهم في الزمان بأجيال قبل أجيال.

فإنك لو سألت المخترع العصري عن إمكان الصعود إلى المجرة تردَّدَ قبل الجواب، ولكن هذا الإمكان لم يكن فيه موضع للتردد عند أجدادنا الأولين إذا سألهم السائل عن صعود الجن إلى الكواكب أو صعود الإنسان بروحه إلى عرش السماء.

ولا جديد تحت الشمس على هذا المعنى في حقيقته النفسية. حتى الشمس ونحن ندور حولها، تارةً فوقها وتارةً تحتها، وهي تحتنا في جهات الأرصاد الفلكية، فلم تُبْطِل الصواريخُ حرفًا مما قاله سليمان بمعناه الذي عناه، بل يُزاد عليه اليوم: ولا فوق الشمس من جديد.

وهل كان في وسعنا أن نسمع من إنسان في العصور الأولى أن السماوات قد ظلت طوال الأبد مغلقة في وجوه الصاعدين والهابطين قبل اختراع الصواريخ وأشباه الصواريخ؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Refaat Mahmoud ·١٩ ديسمبر ٢٠١٦، ٧:١٥ ص

    صدقت فى القول بل أتصور أن فى مخيلة الإنسان اليوم وغد ما لا يصدقه أحد قبل ان يقرا مقالك .. لقد كشفت حقيقة مذهلة حول الأنسان زمان والذى استطيع أن أقول أنه مايزال حتى الآن يتصور اشياء قد تحدث فى الزمن القريب أو البعيد العبرة بحدوثها متى ؟ وكيف ؟ وسيظل دائما كل جديد ليس بجديد فقد سبق التفكير فيه بل وتخيله شكلا ونوعا ولا ننسى أن الإنسات هو من صنع الله وقد يعطي بعضهم بعض صفاته فينخيل اشياء هى ليست خيال انما هى موجودة على ارض مجهولة ولم يحن الوقت لظهورها .. الله وحده أعلم