من «التقاليع» التي يَتَخَطَّفُها الأدعياء «المنهجيون» — على غير فهم ولا روِيَّة — تقليعة الأدب الإقليمي، أو الفنون الإقليمية على الإجمال Regional.

وهي كلمة يلتقطونها بأطراف الآذان فيُهرعون بها إلى السوق على آخر نَفَسٍ أو «آخر أنفاس»؛ لكي لا يسبقهم أحد إليها، وإنهم ليحسبون أنها السر المكنون الذي لم يسمع به أحد — قبلهم — من العالمين.

وقد خُيِّلَ إلى هؤلاء الخَطَّافين زمنًا أن «الإقليمية» بضاعة يمكن أن تُستورَدَ إلى بلادنا، وبدعةٌ ينبغي أن نعمل على ترويجها باسم التجديد، ولا بأس أن تُروَّج باسم الموضوعية، أو باسم التقدمية، أو باسم الانتفاضية، أو بما شاءوا من تشكيلة هذه الأسماء … وإن هي إلا أسماء!

وأول جهالة من جهالات هذه الرعونة الفكرية أنهم يجهلون أن الأدب الإقليمي شيء يوجد اضطرارًا كلما وُجدت أسبابه الطبيعية، كما توجد الأصناف الإقليمية من الزرع بغير إرادة الزارعين، بل على الرغم من إرادة الزارعين في كثير من الأحايين.

والجهالة رقم (٢) من جهالات هؤلاء الأدعياء — باسم المنهج أو باسم التقدم — أنهم يجهلون أن الفوارق الإقليمية إذا وُجدت في ثقافة أمة وجب عليها أن تعمل على إزالتها، وأن تجتهد في تقريب المسافة بينها، ولم يكن من واجبها أن تعمل على توسيعها وتثبيتها وتصعيب وسائل التقريب بينها.

والجهالة رقم (٣) من جهالات هؤلاء أنهم لا يعرفون ما هي العوامل الطبيعية والاجتماعية التي تفعل فعلها، أو التي فعلت فعلها من قبل فنشأت منها الآداب الإقليمية.

ففي اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية عوامل كثيرة تعمل عملها اضطرارًا على إنشاء الآداب الإقليمية، ولكنها جميعًا ليس لها نظير في بلادنا، ولا وجه على الإطلاق للمقارنة بينها وبين عوامل الاتفاق والاختلاف التي نشاهدها في أقاليم بلادنا.

ولنضرب مثلًا بالبلاد الأمريكية في الولايات المتحدة وحدها، ودع عنك البلاد الأمريكية بين وسط القارة وشمالها وجنوبها.

فمن عوامل الأدب الإقليمي في بلاد الولايات المتحدة:

أولًا: الاختلاف بين الأقاليم التي يتألف سكانها من سلالات أمم الشمال والوسط في القارة الأوروبية؛ كالسويد والدانمارك وألمانيا والجزر البريطانية وهولندا، وبين الأقاليم التي يتألف سكانها من اللاتين؛ كالطليان والإسبان وأبناء البرتغال.وثانيًا: البلاد التجارية على الشواطئ، والبلاد الزراعية في الوسط والجنوب، وتقابلها البلاد التي تكثر فيها الأمطار ومراعي البقر والخيل.وثالثًا: البلاد الصناعية، وتقابلها البلاد «الريفية» ولا سيما في الجنوب.ورابعًا: البلاد التي لا تعرف غير فصل واحد طوال العام، والبلاد التي تتقدم فيها الساعة بتوقيت الصيف من نصف ساعة إلى ساعتين.وخامسًا: الولايات التي يكثر فيها الأَرِقَّاء الملوَّنون، ويكثر فيها أتباع الكنيسة الكاثوليكية، ويشتد فيها الشعور بالفوارق المذهبية والفوارق في الحقوق السياسية، فلا يتيسر فيها العمل بمبادئ الديمقراطية على أحدثها وأوفاها، ولا تزال النزعة إلى المحافظة الشديدة غالبة على عاداتها وتقاليدها وأنظمتها الاجتماعية والسياسية، مع ما يصحب هذه المحافظة الشديدة من تقاليد النفاق الاجتماعي، ونقائض التردد في الكتابة والفن، بين الواقعية التي تدعو إلى كشف النقاب عن أسرار البيت والضمير، أو تدعو في مقابلة ذلك إلى الإباحية والانطلاق من جميع القيود، وليس للإقليمية في الأدب أثر أبلغ من هذا الأثر في الاختلاف بين أمتين غربيتين، أو بين عصرين متباعدين.وسادسًا: الولايات التي تجمعها ذكريات الغلبة في الحرب الأهلية، والولايات التي تجمعها ذكريات الهزيمة فيها.وسابعًا: تلك البيئة النفسية — السيكولوجية — الغريبة التي تجمع النقائض من أبعد الأطراف لمواجهة الغلاة المتعصبين من بقايا «البيوريتان» الأولين، ومنهم تلك الجماعة المرهوبة التي تألفت في الخفاء منذ الحرب الأهلية، ثم أعيد تأليفها قبيل الحرب العالمية الأولى، وهي جماعة (كو — كلكس — كلان kukluxklan)، ومذهبها استخدام السلاح في مقاومة اليهود والكاثوليك والزنوج والهنود الحمر، ويلتقي في صفوفها المحافظون من سلالة النبلاء، وأبناء البيوتات، والنازيون، وأنصار الحكم المطلق، وأعداء السامية من شتى الألوان والأحزاب.

***

وكل هذه الفوارق قد وُجدت اضطرارًا ولم توجد بالبرامج المرسومة التي تنقل من الخارج على منهج من مناهج الفنون أو مناهج الدروس.

وكل ما يملكه المفكرون والمصلحون من جانب الاختيار بعد انكشاف هذه الفوارق لهم، وظهور أسبابها وبواعثها لعقولهم ونفوسهم، فهو ماضٍ على الدوام إلى وجهة التقريب بينها، واقتلاع حواجزها وحدودها، سواء بالعمل السياسي أو بالعمل الثقافي أو بالعمل الأخلاقي الذي تتولاه الجماعات كما يتولاه الآحاد، والزمن يساعد العاملين على تقريبها من جميع الأطراف، كما توحدت فيها الصحافة والإذاعة، ومنشورات الطباعة، وخطط التعليم، وتعميم الدعاية من كل فريق في أنحاء البلاد بإجماعها.

وأصحابنا «المنهجيون»، أين هم من كل هذا؟

ولا هم هنا.

ولا هم هناك!

إنهم فرحانون بأطراف ما سمعوا فَرَحَ المُحْدث في نعمته بتقليد المُعْرقين من أهل النعم، ولا فرق بينهم وبين مطربنا «الغشيم» المعروف الذي سئل عن إحدى العقائل فهتف قائلًا: يا سلام، إنها «جنتلمان»!

فبينما يجتهد الأمريكيون في القضاء على هذه الإقليمية بالجهود المختارة والجهود الاضطرارية، يرفع المنهجيون من هؤلاء الأدعياء عقائرهم بالدعوة إلى خَلقِ الأدب الإقليمي بين القليوبية والبحيرة، وبين دمنهور وأسيوط، وبين قناطر إسنا وخزان أسوان، وبين إسكندرية وبورسعيد.

وأوجز ما يقال عن الفوارق بين هذه الأقاليم أنها كلها جميعًا ليست أبعد ولا أثبت من الفوارق التي توجد في البلد الواحد، فليس بين الجيزة في طرف الصعيد، ولا بين أسوان في طرفه الآخر فارق واحد لا يوجد مثله في بلدة طنطا أو بلدة الزقازيق، وأكبر ما يُلحَظ من هذه الفوارق أنها اختلاف لهجات في نطق بعض الحروف والكلمات يُسمَع مثله وأكثر منه في مدينة القاهرة؛ حيث تختلف لهجة «ابن البلد» في الأحياء القديمة، وتختلف اللهجات عامة بين جميع الأحياء.

فإذا كان هذا هو المقصود بالأدب الإقليمي؛ فقد انتقلنا من الكلام على الكتابة بالعامية أو بالفصحى إلى الكتابة بلهجة الحسينية، أو لهجة كرموز، أو لهجة كفر الصيادين، أو لهجة شندويل!

ذكرني بتلك «المنهجية» المختطفة سؤالٌ تلقيته من قارئ أديب من قراء اليوميات كدت أن أحوِّله إلى واحد من جماعة «المناهجة»، لولا أنه سؤال في موضوعٍ يجاب عنه، وليس في منهجية الأدب الإقليمي موضع لغير السخرية والإهمال.

يقول الأديب صاحب التوقيع:

قال لي طالبٌ بكلية الزراعة — جامعة القاهرة — وفي السنة الأخيرة للنجاح، ومن أصل صعيدي: لماذا لا تتكلم باللهجة القاهرية وقد مضى لك فيها أكثر من سبع سنوات؟ فقلت له: إنني أنتسب إلى أصل صعيدي، وبلدتي كودية الإسلام بمركز ديروط، ولا أريد أن أُدخِل على لهجتي أسلوبًا أصطنعه للتجمل والادعاء. وقد حاولت أن أقنعه على غير جدوى، فكتبت إلى سيادتكم أستوضح رأيكم، منتظرًا منكم الجواب بما ترون.

حنا وهبه الفهلوي

وأقول للأديب الفهلوي: إن «المنهجية» على سُنة محدثي النعمة في سوق المصطلحات لم تتقرر بعدُ لحسن الحظ، وإلا وجب عليه أن يحتفظ بكل حرف من حروف اللهجة الديروطية الصعيدية، ووجب عليه بعد ذلك أن يكتب بها، ويمعن في المحافظة فيجمع قاموسها على حدة خاليًا من كل كلمة منياوية أو جرجاوية، ولا نقول قاهرية وطنطاوية.

ولكن المسألةَ بعد هذا مسألةُ عادة غير متكلفة؛ فإذا كان كلامه تكلفًا مصطنعًا؛ فَتَرْكُ التكلُّف والاصطناع أجمل وأولى، وإذا جرى لسانه بهذه اللهجة طواعية مع طول الإقامة وامتناع المقاومة، فلا موجب للعناد والإصرار على لهجة دون غيرها من لهجات هذا الوطن؛ فإنها كلها لغة وطنية لا تُخرج المتكلم بها من نسبته إلى بلاده، وليس من الكسب له أن يترك النسبة إلى القاهرة لسكانها، ولا أن يقنع من الوطن كله بحدود ديروط!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.