ما قبل أن يتكلم وزير الداخلية في مجلس النواب عن موقف الحكومة من المبشِّرين؛ فقد كانت صحيفة الوزارة مستخذية، شديدة الارتباك، تعتذر عن الوزارة وتلح في الاعتذار، وتُلقي تَبِعَةَ التبشير وما يسلك إليه المبشرون من طرق الإكراه والعبث على هذا الشعب البائس؛ لأنه يرسل أبناءه وبناته إلى هذه المدارس والملاجئ، ولأنه لا ينشئ المدارس والملاجئ الإسلامية التي تعلم الفقراء وتُؤوي البائسين وتصرف أولئك وهؤلاء عن هذه المعاهد التي يملؤها الخطر على الدين والأخلاق.

ولم تكن صحيفة الوزارة تتحرج من أن تتهم المعارضين بالعَنَت وترميهم بالإسراف على الحكومة والغُلُو فيما يطلبون إليها ويبتغون منها، نستغفر الله، بل لم تكن صحيفة الوزارة تتحرج من أن تنال خصوم الوزارة في دينهم وأخلاقهم وكراماتهم معتمِدة في ذلك على أكاذيب الكاذبين من شيوخ الأزهر، واختلاقات المختلقين من غير شيوخ الأزهر، زاعمة أننا آخر من ينبغي أن نتحدث عن المبشِّرين أو يذود عن الدين؛ لأن واحدًا أو غير واحد من المأجورين والمَوْتُورين والذين لا يشفقون من أن يبيعوا ضمائرهم بمنصب أو مقدار من المال قليل أو كثير، لفَّق طائفة من الأكاذيب واصطنع طائفة من الأضاليل، وأعانته الحكومة الإسلامية الصالحة القائمة التي يقطر منها الإيمان ويتصبب منها الورع كلما قالت أو تحركت أو عملت، فأخذ يذيع أكاذيبه وأضاليله بأعين الحكومة التي تدفع عن الدين، وتذود عن الأخلاق، ولا تُؤْثِر إلا الحق والصدق فيما تعمل وما تقول، ولكنَّا لم ننتظر وما تعودنا أن ننتظر رأي حامي الإسلام وراعيه ووزير التقاليد ومن يعمل لهما، من هؤلاء الذين يتخذون دين الله تجارة ويسلكونه طريقًا إلى هذا النعيم الزائل في هذه الحياة الزائلة. لم ننتظر رأي هؤلاء السادة الأخيار الأبرار الأطهار لندفع عن الحق ونذود عن الدين، ونُبلي في الذود عن هذا والدفاع عن ذاك بلاءً نَوَدُّ لو قام ببعضه شيخ الأزهر ومن إليه من أصحابه الطاهرين الطيبين، والله يعلم ما نذكر ذلك تمدُّحًا به ولا فخرًا، فما قصدنا قَطُّ فيما عملنا إلى تمدُّحٍ أو فخر، وما قصدنا قط فيما عملنا إلى دفاع عن أنفسنا أو انتقام لها، ولو قد شئنا بعض ذلك لكان لنا من علماء الدين الذين يَكذِبون على الدين، ولكان لنا مع المُتَّجِرِين بالورع موقف أو مواقف يشفقون منها كل الإشفاق ويفرون منها كل الفرار، ويَوَدُّون بجدع الأنوف وصلم الآذان لو رُدَّ عنهم شرها وصُرِفَ عنهم نكرها، ولكنا تركناهم لا نقول إلى ضمائرهم، فالله يعلم ماذا صنعوا بهذه الضمائر ولكن إلى حساب الله ورأي الناس.

فلندع سخف هذه الصحيفة والذين يمدونها بالأكاذيب والأضاليل فيما يمسنا، ولنقف عند أحاديثها عن الوزارة وسيرتها مع المبشرين.

فأما قبل أن يلبس وزير الداخلية ثوب الحزم هذا الذي لبسه في مجلس النواب أول أمس، فقد كانت صحيفة الوزارة رائغة زائغة، تدفع عن الوزارة بالراح وتلتمس لها المعاذير، وتتهم خصومها بالإغراق والإسراف وبالتجنِّي والتمنِّي. وأما بعد أن استأسد وزير الداخلية وأعلن بملء فمه في مجلس النواب أنه نفى مبشِّرة من الأرض، وأنه سيستنقذ فتيات المسلمين من مدرسة بورسعيد، وأن الوزارة أعدت مقدارًا من المال لإنشاء المدارس والملاجئ للفقراء والبائسين؛ فقد رد الرُّوح إلى صحيفة الوزارة وانبعث فيها النشاط، واضطربت فيها الحياة، وانطلق لسانها بالحمد والثناء وبالفخر والكبرياء، فأخذت تصف حزم الوزارة، وحسن بلائها في الدفاع عن الدين. وكيف لا؟ ألم تجرؤ الوزارة فتنفي أجنبية من أرض مصر. وكيف لا؟ ألم تكرم الوزارة فتُؤوي الفقراء والبائسين. وكيف لا؟ ألم تغرق الوزارة في الكرم فترصد الأموال لإنشاء الملاجئ والمدارس تُؤوي إليها الفقراء والبائسين.

ولكن صحيفة الوزارة فيما يظهر محتاجة إلى أن يعلم الناس حقيقة هذا الأمر ليتبينوا أن الوزارة أقل ما تكون استحقاقًا للثناء على ما أتت وما وعدت؛ لأنها لم تأتِ شيئًا ولم تَعِدْ بشيء ولو قد تُرِكَت إلى نفسها لظلت جامدة هادمة، وصامتة ساكتة، لا تعمل ولا تقول. لقد وُفِّقَ المسلمون من أهل بورسعيد حين لم يحفلوا بالوزارة ولم يلجَئوا إليها بعد أن استعداها الناس واستغاثوها، فلم يجدوا عندها غناءً ولا بلاءً، وفق المسلمون في بورسعيد حين أعرضوا عن الوزارة هذه المرة وفزعوا إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك يستعدُونه ويلوذون به ويطلبون إليه أن يأمر حكومته لترد عنهم هذا البلاء وتصرف عنهم هذه المحنة.

هنالك وجد المسلمون في بورسعيد من جلالة الملك سميعًا لهم، عطوفًا عليهم، رفيقًا بهم، حريصًا على أن يدفع عنهم هذا المكروه، نعم ووفقنا نحن حين أعرضنا عن الوزارة فلم نطلب إليها شيئًا ولم نستعِنْ بها على شيء، وإنما رجونا أن يتفضل صاحب الجلالة فيأمرها لتطيع، وينفخ فيها من رُوحه القوي لتجد شيئًا من الشجاعة تستعين به على النهوض بواجبها بعد أن قامت الأدلة القاطعة على أنها حين تترك إلى نفسها لا تصنع شيئًا.

جلالة الملك إذن هو الذي تفضَّل فأمر الوزارة على أن تصطنع الحزم، وجلالة الملك إذن هو الذي تفضَّل فأمر الوزارة أن ترصد من أموال المسلمين ما تحمي به فقراء المسلمين من عبث المبشرين. ونحن واثقون كل الثقة بأن الوزارة لو أجرت أمر صاحب الجلالة كما أراد وكما صدر إليها؛ لكان حرمها أشد وسعيها أدنى جدًّا إلى التوفيق.

ولكنها أنفذت أمر جلالة الملك كما استطاعت وكما وسعتها الشجاعة، فجاء سعيها منقوصًا وعملها بعيدًا عن التوفيق. نعم لو أنفذت الوزارة أمر جلالة الملك على وجهه لما اكتفت بنفي مبشرة من أرض مصر، بل لعطلت هذه المدرسة تعطيلًا، ولقطعت على المبشِّرين كل سبيل للعبث بدين الأطفال في بورسعيد. وآية ذلك أن «الشعب» نفسها تذكر أمر جلالة الملك للوزارة وعطف جلالة الملك على الشعب وذود جلالة الملك عن الدين، وهي تذكر ذلك لا مستنتجة ولا مستنبطة ولا متخيلة، وإنما تذكره مستيقنة رواية قد تحدث به إليها مصدر يثِق بما يقول، وآية ذلك أيضًا أن «الشعب» تنبئنا بأن الوزارة كانت تريد أن ترصد مبلغًا كبيرًا من المال فلم يرض جلالة الملك عن هذا المبلغ، بل تفضَّل فأمر الوزارة أن ترفعه حتى بلغت به سبعين ألفًا، والله يعلم أي مقدار كانت الوزارة تريد أن ترصد لهذا العمل، وأكبر الظن أنه كان كبيرًا عند صحيفة «الشعب» يسيرًا في حقيقة الأمر. وقد كُنَّا أمس نخشى أن يكون وعد الوزارة بإرصاد هذا المبلغ من المال كلامًا من الكلام وأمنية من الأماني. فأما وقد ظهر أن صاحب الجلالة هو الذي أنطق الوزارة بهذا الوعد وهو الذي رفع هذا المقدار إلى حيث هو؛ فنحن مطمئنُّون إلى أن البر بهذا الوعد لن يتأخر وإلى أن انتظار الوفاء لن يطول؛ لأننا نعلم حق العلم أن جلالة الملك لن يترك سبيلًا إلى المَطل أو الإخلاف. فالشكر إذن خالص لجلالة الملك لا للوزارة، والثناء إذن موفور على جلالة الملك لا على الوزارة، والشعب يعرف كيف يلقى عطف جلالة الملك بحبه الخالص وولائه الصادق وإخلاصه المتين.

أما الوزارة فإنها تُشفق ممَّا طلبنا إليها من العلاج الصحيح لمسألة التبشير ومن الدفاع الصحيح عن الدين والقومية والأخلاق، تشفق من المراقبة الدقيقة التي نلح في أن تفرضها الدولة على المدارس الحرة سواء منها المصرية والأجنبية، تشفق من هذا لأنها تشفق من الامتيازات، ولأنها تخاف إن سعت في فرض المراقبة على المدارس الأجنبية أن يتنكر لها الأجانب ويَزْوَرُّوا عليها، وهي على رضى الأجانب حريصة، وإلى عطف الأجانب محتاجة، وفي حب الأجانب راغبة، تشفق من هذا، ولولا إشفاقها لما نام القانون بعد أن هُيِّئ وأذيع واستُفْتِيَ فيه الناس. تشفق وتصور صحيفتها هذا الإشفاق تصويرًا مخزيًا لا يلائم كرامة ولا عزة ولا يلائم وزارة الاستقلال هذه التي أفحم رئيسها رئيس الوزراء الإنجليزي برده التاريخي المشهور المعروف الذي لا يشك أحد في أنه قد هُيِّئ على غير علم من الإنجليز وكُتِبَ على غير موافقة من المندوب السامي، وأُرْسِلَ على غير رضى من وزارة الخارجية البريطانية، والذي لا يشك أحد في أن المستر مكدونلد لم يكَد يقرؤه حتى أخذه الدوار واستيقن بأن الوزارة المصرية تعرف كيف ترد الدول الكبرى إلى مواقفها المتواضعة، وكيف تصد المعتدين حين يتعرضون لأمورها الخاصة فتضطرهم إلى التسليم والاعتذار.

نعم إن هذا الإشفاق من فرض المراقبة على المدارس الحرة تصوره صحيفة الوزارة تصويرًا لا يشرف الوزارة. فهي تزعم أننا إنما نطلب هذه المراقبة تعجيزًا للوزارة وتحديًا لها وتكليفًا لها ما لا تطيق، نستغفر الله، ومتى جاز لأحد أن يعتقد أن هذه الوزارة الكريمة الحرة، أن هذه الوزارة العزيزة المستقلة، أن هذه الوزارة التي أفحمت مكدونلد تعجز عن أن تراقب التعليم في أرض مصر؟! من الذي يقدر أن هذه الوزارة التي لا تحفل إلا بمصر ولا تحرص إلا على مصر، ولا تشفق إلا من مصر، تعجز عن أن تقول للأجانب إن مصر بلد مستقل وهو لا يسمح بأن يُلقَى إلى أبنائه من العلم إلا ما يلائم حاجتهم ومنفعتهم وكرامتهم؟ من الذي يقدر أن هذه الوزارة تعجز عن أن تستمتع بأبسط حقوق السيادة، بل تعجز عن السعي لتستمتع بأبسط حقوق السيادة؟

يذكرون الامتيازات ويشفقون من الامتياز، ولكن من الذي يزعم أن تنفيذ هذا القانون على الأجانب لا سبيل إليه إلا بعد إلغاء الامتيازات؟ زعموا أن في مصر نظامًا يقضي بأن تطلب الحكومة إلى جمعية المحكمة المختلطة الموافقة على بعض القوانين التي تريد مصر أن تنفذها في الأجانب، وزعموا أن مصر قد طلبت وما زالت تطلب إلى هذه الجمعية الموافقة على بعض هذه القوانين، وزعموا أن هذه الجمعية وافقت، وما زالت توافق على كثير من هذه القوانين، فلماذا لم تطلب الوزارة إلى هذه الجمعية أن توافق على هذا القانون كما أشير عليها حين كانت تَجِدُّ في إصداره، هل تستطيع الوزارة أن تبين للناس موقفها هذا الغريب، لقد اندفعت في العناية بهذا القانون حتى خُيِّلَ إلى الناس أنه قد يصدر في غيبة البرلمان، ثم اندفعت في إهمال هذا القانون حتى اعتقد الناس أنه مات قبل أن يشهد الحياة، أين هذا الشيطان الذي خنق هذا القانون قبل أن يشهد النور؟ أأجنبي هو أم مصري؟ وفِيمَ كانت هذه العناية المسرفة؟ تفسير ذلك يسير، كانت الوزارة تريد أن تتخذ هذا القانون أداةً سياسية للتأثير في المدارس الحرة المصرية بعد أن تبين لها أن سياسة الإعانة وبذلها عن جود أو منعها أو التقتير فيها لا تكفي لنشر الدعوة.

لتسمح لنا الوزارة وصحيفتها في أن نقول غير مترددين إن الحكومة في حاجة إلى شيء من الشجاعة لتوقظ هذا القانون من نومه أو لتبعثه من موته، ولتسعى لدى الدول الأجنبية في تنفيذه على المدارس الحرة كلها. نعم ولو تركت الوزارة إلى نفسها لما التفتت إلى هذا القانون ولا فكَّرت فيه. ومع ذلك فإنه وحده الخليق بحماية الأخلاق المصرية من عبث المفسدين، وهو وحده الخليق بحماية القومية المصرية من تأثير القوميات الأجنبية. وهو وحده الخليق بحماية الإسلام من عدوان المبشِّرين.

أفيُؤذَنُ لنا أن ندع الوزارة بعد أن يئسنا منها في هذا الأمر كما تركناه حين يئسنا منها في الضرب على يد المبشرين، وفي أن نفزع إلى حضرة صاحب الجلالة الملك مرة أخرى فنطلب إلى جلالته أن يتفضل فيأمر وزارته أن تُخرِجَ هذا القانون وتَجِدَّ في إنفاذه على المصريين والأجانب! أفيؤذَن لنا في أن نرفع إلى جلالة الملك أن الأخلاق المصرية في حاجة إلى الحماية، وأن القومية المصرية في حاجة إلى الرعاية، وأن الدين الرسمي للدولة في حاجة إلى الصيانة، وأن سبيل هذا كله إنما هو مراقبة الدولة في دِقَّةٍ وأمانة ونزاهة للتعليم أمر سواء منه المصري والأجنبي، أفيُؤذن لنا في أن ننتظر أن يتفضل جلالة الملك فيشمل برعايته السامية هذه الناحية من حياة المصريين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.