نعم، وأخيرًا ثاب الغرب الأوروبي إلى رشده أو ثاب رشد الغرب الأوروبي إليه، فعرف أن لا بد ممَّا ليس منه بد، وأزمع العودة إلى القناة بعد أن صَدَّ عنها صدودًا كلَّفه أعباء ثقالًا من الأموال والأهوال، وضروبًا من الخزي والهوان، كان جديرًا أن يتجنب عواقبها لو لم يغره عن نفسه الغرور، ولو لم تأخذه العزة بالإثم فيظن أنه ما زال قادرًا على أنه يصرف أمور الدنيا وأهلها كما يشاء.

كبر عليه أن تخالف مصر عن أمره، وأن تقضي في أمر القناة فتردها إلى أصحابها دون أن تشاوره وتأمره، فضلًا عن أن تستأذنه أو تبتغي الوسائل إلى رضاه، وهو الذي تَعَوَّدَ أن يأمر فيُطاع في غير تردُّد، وأن يدعو فيُجاب في غير إبطاء.

ولم يخطر له أن الأمور لا تجري دائمًا على ما يريد الناس، وإنما تواتيهم حينًا وتمتنع عليهم أحيانًا. ولم يخطر له كذلك أن الصغار يكبرون، وأن القُصَّرَ يرشدون، وأن الضعاف قد تُتاح لهم القوة إذا عرفوا كيف يمدون للقوة أسبابها ويسلكون إليها طريقها. ولم يخطر له آخر الأمر أن نُظم الحياة الحديثة قد تَغَيَّرَتْ، وأن عصر التحكم في الشعوب والسيطرة على الأمم قد انقضى أو كاد ينقضي، لم يخطر له شيء من هذا على كثرة ما خلا بين يديه من الثلاث. فهذه فرنسا قد رُدَّت مدحورة عن الهند الصينية وعن تونس ومراكش، وهذه بريطانيا العظمى قد اضْطُرَّتْ إلى أن ترد إلى الهند وغير الهند من مستعمراتها القديمة حقوقها في الاستقلال كلها أو أكثرها، وهذه الولايات المتحدة الأمريكية قد خرجت من عزلتها واستأثرت بحَظٍّ عظيم من السلطان في الأرض، وهذه روسيا السوفيتية قد أصبحت مرهوبة مهيبة يحسب لها الحساب كل الحساب. وكان كل هذا — أو بعضه — جديرًا أن يدعو فرنسا وبريطانيا العظمى إلى شيء غير قليل من التفكُّر والتدبُّر، قبل أن تملأ العالم ضجيجًا وعجيجًا وإنكارًا واحتجاجًا، وقبل أن تُعَرِّضَاهُ لحرب مدمرة مبيدة يعرف أولها ولا يعرف آخرها. ولكنهما لم تفكرا ولم تتدبرا، وأقدمتا على فنون من الحُمق لا يعرف التاريخ أن أمة رشيدة قد أقدمت عليها، فأزعجتا هذا العالم قريبًا من عشرة أشهر في غير طائل، بدأتا بالوعيد والتهديد فظن الناس أنه كلام يُقال، ثم أخذتا في التعبئة وحشد الجنود وإرسالهم إلى قبرص، فظن الناس أنه ضرب من ضروب التخويف وخطل في الرأي وعبث لا يُقدِم عليه إلا الحمقى، ولم يقدر أحد أنهما ستمضيان في العبث إلى غايته. فليس العدوان على البلاد الحرة المستقلة من الأشياء اليسيرة التي تساغ في هذه الأيام كما كانت تساغ فيما مضى من الأيام، ولكنهما كانتا جادتين لا هازلتين لم تغفلا من شيء إلا عن أنهما تعيشان في القرن العشرين لا في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر.

ثرثرة

كذلك أنفق العالم ثلاثة أشهر يسمع ثرثرة لا حَدَّ لها، ويظن أنها ستنتهي كما بدأت، ويقدر أن الدنيا ستعود إلى مثل ما كانت فيه من الهدوء والدعة. وقد كادت هذه الثرثرة تنقضي وكاد العالم يسترد هدوءه وحياته الرَّخِيَّة الراضية، حين اجتمع مجلس الأمن وانتهى في أمر القناة إلى قرار قبله المختصمون جميعًا. ولكن الطفلتين اللتين أفسدهما التدليل وأبطرهما النعيم كبر عليهما الإذعان لقرار مجلس الأمن، وكبر عليهما أن تلقاهما مصر بهذا التشدُّد وهذا الإباء وهذا الخروج الصريح على أمرهما، فمضتا في الشوط إلى غايته، وأصبح العالم ذات يوم وإذا الحرب تُصَبُّ على مصر في نفس الوقت الذي كان يُنتظر فيه أن تبدأ المفاوضات لتنفيذ ما أصدر مجلس الأمن من قرار.

عدوان

ركبت فرنسا رأسها واستجاب لها البريطانيون مترددين بين الرضى والكره، وبين الخوف والأمن، وبين الشك واليقين.

فقد كان إيدن يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، يخطو مصبحًا إلى أمام ويخطو ممسيًا إلى وراء، يُشفِق إن رفض العدوان أن تسخر مصر من كبرياء بريطانيا العظمى، وستيئس فرنسا من نصر حليفتها وشريكتها في الحربين العالميتين، ويُشفِق إن أقدم أن تغضب الولايات المتحدة الأمريكية وتتعرض المصالح البريطانية لذلك لشر عظيم. وكذلك اضْطُرَّ البائس إلى أن يستجيب لطيش فرنسا غير مالك لأمره كله وغير مطمئن لعواقب ما يُقدِم عليه.

وتَثْبُتُ مصر للمعتدين، وتلقاهم بنفس الشدة والإباء اللذَيْن لَقِيَتْ بهما الوعيد والتهديد حين كان الأمر مقصورًا على الوعيد والتهديد.

تَثْبُتُ مصر ولكن العالم يضطرب؛ فالولايات المتحدة الأمريكية غاضبة وروسيا السوفيتية منكِرة منذرة، والبلاد العربية ثائرة، وسائر أقطار الأرض محتجَّة، وهيئة الأمم المتحدة هائجة مائجة تقضي على المعتدين بالإثم وتطالبهم بالكف فورًا عن العدوان. وتريد فرنسا أن تمضي في طيشها، ولكن اضطراب إيدن يشتد من حين إلى حين ويزداد من ساعة إلى ساعة، قد أفسد المرضُ عليه أمره كله وأضاع سُخْطُ العالم وتصايُحُ المعارضين من الإنجليز به عقلَه؛ فهو حائر أول الأمر، وهو حائر آخر الأمر، وهو ينتهي بعد أيام إلى الإذعان لأمر هيئة الأمم المتحدة إلى أن يدعو فرنسا إلى الكف عن العُدوان ثم إلى الجلاء عن بورسعيد للإمهال. وإنما يلح إلى وقف القتال فتُضْطَرُّ فرنسا إلى الإذعان، وفي نفسها ما فيها من الحسرات، وفي قلبها ما فيه من اللوعة والأسى ومن الشعور بالمذلة والخزي.

شقاء المعتدين

وفي أثناء هذا كله يشقى الشعبان الفرنسي والبريطاني بقسوة الحرمان من البترول، فتتعرض الصناعة والتجارة والحركة كلها لشر عظيم.

ولا يكاد إيدن يبلغ وقف القتال حتى يفقد قوته ومكانته، ويخونه كل شيء حتى دموعه فيضطر إلى أن يستقيل وإلى أن يفرغ لعلته يلتمس لها الدواء والشفاء وينفي لذلك نفسه من وطنه. ويظل رئيس الوزارة الفرنسية خَزْيَانَ أَسِفًا يكابر دون أن تغني عنه المكابرة شيئًا، ويثرثر ويلج في العناد دون أن ترد عليه الثرثرة أو العناد ما أنفق من الأموال ومن فَقَدَ من الرجال وما أضاع من سمعة وطنه الذي أصبح مثلًا يُضرَبُ للحمق والطيش، وحديثًا للذين يريدون أن يعتبروا بما يصيب الأوطان والأمم من المذلة والخذلان بعد ما كان قد أُتيح لها من القوة والبأس وحسن الذكر في آفاق الأرض. ويظل العالم بعد ذلك مترقبًا في شيء من الاضطراب لا يدرى كيف يخلص المعتدون من الأعقاب الأولى لهذا العدوان الذي أقدموا عليه في غير رَوِيَّةٍ ولا تدبر ولا تقدير لنتائج الطيش والحمق، ثم ينظر العالم ذات صباح أو ذات مساء فإذا الذين صدوا عن القناة قد أزمعوا العودة إلى القناة، وإذا الذين أقسموا جهد أيمانهم لا يؤدون إلى مصر شيئًا من رسوم المرور في القناة وقد أزمعوا أن يؤدوا إليها هذه الرسوم كاملة غير منقوصة لا يحتفظون بأكثرها ولا بأقلها كما كانوا يزعمون فيما مضى من الأيام؛ لأنهم أحرص على منافعهم العاجلة والآجلة من أن تضيعها الكبرياء الباطلة التي لا تغني عن أصحابها شيئًا.

فِيمَ كان الضجيج؟

وإذن ففيم كان الضجيج والعجيج أو فيم كان النكير والنذير؟! وفيم كان العدوان والإثم وسفك الدماء وإزهاق النفوس وإضاعة الجهود والأموال والسمعة في غير طائل؟ ألم يكن الخير كل الخير في أن يؤثِر غرب أوروبا العافية والمنفعة والمحافظة على السلام والإبقاء على مودة الصديق والإبقاء كذلك على السمعة الحسنة والذكر الجميل؟ ألم يكن الخير في أن يتفق المختصمون دون أن يفسد ما بينهم من العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، بل من العلاقات الإنسانية التي يجب أن تظَلَّ صافية بين الشعوب لا يكدرها طيش ولا غرور ولا إيثار للنفس من دون الناس بالخير، بل كان الخير كل الخير في هذا لولا أن أمور فرنسا كانت إلى رئيس أحمق وأمور بريطانيا العظمى كانت إلى رئيس مريض، واللهُ بعد ذلك وقبل ذلك يكتب النصر لمن يشاء ويفرض الخذلان على من يشاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.