… دارت بيني وبين زملائي مناقشة حامية حول موضوع تلحين القرآن الكريم؛ فبعضنا أيَّد فكرة التلحين، وفريق عارضها … ونتمنى ألا تبخل علينا بالكتابة حول هذا الموضوع في يومياتكم بالأخبار حتى تطمئن نفوسنا، ويزول ما علق بها ونحن في الانتظار.

محمود عبد العزيز دسوقي، بكلية الحقوق، جامعة الإسكندرية

من المفروض المطلوب أن نرتل القرآن ترتيلًا، ومن المستحب أن نستمع إلى القرآن من صوت جميل؛ لأن الجمال صفة إلهية، ونعمة ينعم بها الله على عباده، ويزيد في الخلق ما يشاء.

والترتيل في اللغة هو الترتيب والتنظيم، ووضع الكلام وغيره في موضعه، وإيقاعه في موقعه، وأصله من الثغر المرتل، أي مفلج الأسنان لا تتلاصق ولا تتراكب، بل تنتظم كما تنتظم اللآلئ المنسوقة في أسلاكها.

فقراءة القرآن على هذا النظام مستحبة، بل واجبة، ولا حرج فيها ما لم يكن فيها عبث يوقع الآيات الكريمة في غير مواقعها، وينحرف بها عن الأثر الواجب لها من الخشوع والوقار، وذلك مكروه في كل شيء فضلًا عن كراهته في أمر من أمور الذكر الحكيم.

وعندنا في ج. ع. م قراء مجيدون يحسنون الترتيل والتفصيل، نحسبهم مفخرة العالم الإسلامي؛ لأنهم يعاونون المستمعين على فهم الآيات، وحسن الإصغاء إليها، والرغبة في سماعها، وحسن التأمل فيها، ولا خفاء بحكم قراءتهم على أحد يسمعهم، فإنه ليدري موضع تلك القراءة من نفسه ولا يجهل ما توحي به إليه من أثرها النفساني، فإذا كانت تزيده فهمًا ورغبة في الإصغاء واعتبارًا بالمعنى فهي حسنة بل لازمة، وإن أحس منها أثرًا غير ذلك فلا حاجة به إلى فتوى.

ولكن ينبغي أن نذكر أن القارئ غير مسئول عن عوج الطباع، واختلال الأمزجة؛ فإذا بلغ من سامعة — مثلًا — أنها لا تصغي إلى صوت جميل إلا اقترن عندها بنزوات النفس، أو بلغ من سامع مثل ذلك كلما استمع إلى صوت قارئة محسنة؛ فالوزر في ذلك على الطبع الأعوج لا على الصوت الجميل، ومنع المعوج أولى من منع القراءة التي لا ذنب لها إلا أنها مقرونة بالجمال …

ومن الجائز على هذا القياس أن يحفظ الكتاب المبين في غلاف نفيس، وأن يكون حفظه على هذه الصورة مغريًا للسرَّاق والغواة … ولكنه ذنب يحسب عليهم ولا يحسب على من يقتني الكتاب، وينافس في حفظه وزينته، بل يشكر هذا، ويلام أولئك الغواة.

والحلال بيِّن والحرام بيِّن، والدين يسر وليس بعسر، قبل كل شيء وبعد كل شيء …

كيف نحارب الشوال؟

قال الأصمعي: «قدم عراقي بعَدْلٍ من خُمر العراق إلى المدينة فباعها كلها إلا السود، فشكا ذلك إلى الدارمي، وكان قد تنسَّك وترك الشعر ولزم المسجد، فقال: ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلها على حكمك؟ قال: ما شئت … فعمد الدارمي إلى ثياب نسكه فألقاها وقال شعرًا، ودفعه إلى صديق له من المغنين فغنى به، وكان الشعر:

قل للمليحة في الخمار الأسود

ماذا صنعت بناسك متعبد؟

قد كان شمَّر للصلاة ثيابه

حتى خطرت له بباب المسجد

ردَّى عليه صلاته وصيامه

لا تقتليه بحق دين محمد

فشاع هذا الغناء في المدينة وقالوا: قد رجع الدارمي وتعشَّق صاحبة الخمار الأسود، فلم تبق مليحة في المدينة إلا اشترت خمارًا أسود، وباع التاجر جميع ما كان معه.»

هذه القصة مهداةٌ إلى الرجل الصالح الغيور الذي يسأل عن لابسات الشوال والبرميل: أليس لهن رجال؟! ألا يستحين من إثارة الشهوات وفتنة الأبصار؟!

لا يا صاحبي الصالح الغيور … إنك إن اعتمدت على هذا الوعظ في التنفير من الشوال والبرميل لم يبق في المدينة شوال ولا برميل فارغًا من لابسة تتخايل به ليقال: إنها مغرية بالفتنة، مثيرة للشهوات.

وقليل من النساء من تأبى أن يقال عنها: إنها تفتن الناسك، وتعبث بالخليع الفاتك، ولكن الشوال والبرميل معًا يزولان في لمحة عين إذا عرف الناس أنهما زيان صالحان لستر العيوب في الأجسام المشوهة، وأنهما كساءٌ وقور تلبسه الحسناء والشوهاء فإذا هما سواء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.