ليست لرئيس الوزراء، فقد كفَّ المرضُ رئيسَ الوزراء عن الخطابة، واضطره إلى الإغراق في الصمت، أو إلى اختيار الوكلاء الذين يتحدثون عنه ويتكلمون بلسانه.

وليس من شك في أن البيان قد خسر بهذا الصمت الذي أُكْرِهَ عليه رئيس الوزراء آيات لا تُحصى، وفَقَدَ ما كان يمتاز به في هذا العهد السعيد مِنْ رونق وبهجة، ومن روعة وبراعة، وأصبح عاطلًا تَزْوَرُّ عنه الأسماعُ، وتنفر منه الطباعُ، وأحسَّت المنابر في القاهرة والأقاليم أنها فقدت خطيبها البارع ومنطيقها الذي لا يُجارى ولا يُشق له غبار!

وقد لاحظ الذين سمعوا وكيلَيْ رئيس الوزراء في الخطابة في مجلس النواب مرة، وفي قاعة جروبي مرة أخرى، أن هذين الوكيلين لم يقيما بيان رئيس الوزراء على وجهه، ولم يحتفظا له بجماله وسحره، وإنما عبثا به عبثًا غير قليل، وأصاباه من ضروب التشويه بما أثار الأسى في القلوب والحزن في النفوس!

ولكن الله عز وجلَّ خليق أن يعوض الوزارة مما فقدت، ويخلف عليها من خطيبها البارع خطيبًا بارعًا، ومن منطيقها الفذ منطيقًا فذًّا، وقد فعل، فأقام وزير التقاليد خطيبًا للوزارة مكان رئيس الوزراء!

وأشهد لقد برع وزير التقاليد في الخطابة؛ فلن يساميه بعد اليوم خطيب! ولقد نبغ وزير التقاليد في البيان؛ فلن يدانيه بعد اليوم بليغ! وأخشى أن يكون لبراعة وزير التقاليد في الخطابة وبراعته في البيان أثر يمحو آثار رئيس الوزراء ويعفيها، ويجعله لاحقًا بعد أن كان سابقًا، ويرده إلى الطبقة الثانية، بعد أن كان في الطبقة الأولى!

ولو قد نُشِرَتْ هذه الآيات التي تكشَّفَ عنها نبوغُ وزيرِ التقاليد في الصحف التي يقرؤها الناس، لا في صحف الوزارة، لأجمع المصريون على أنهم قد استأثروا في هذا العصر الحديث بزعامة الخطابة، بعد أن استأثروا بزعامة الشعر، وأن أمر الأدب كله قد أصبح إليهم، يقولون فيه فلا ينكر عليهم قول، ويقضون فيه فلا يُرَدُّ لهم قضاء.

ولو قد ذاعت هذه الآيات التي تكشَّفَ عنها نبوغُ وزيرِ التقاليد في الخطابة، لأجْمَعَ المصريون أيضًا على أن هذه الآيات يجب أن تُفرَض في المدارس فرضًا، وتُحشَر في نفوس التلاميذ والطلاب حشرًا، وتُتلَى في كل مجمع، وتُعلَّق في كل مكان، وقد سُطِّرَتْ بماء الذهب على صحف من الديباج، فلم يُقدَّر لمصر في يوم من الأيام أن تبلغ من البيان الرفيع، والأدب البديع، ما بلغته أول أمس، بفضل وزير التقاليد، حين قام خطيبًا في حفلة من حفلات الانتخاب!

وليس الغريب أن يتفوَّق وزير التقاليد في الخطابة إلى هذا الحد، ويرتفع من روعة البيان إلى هذه المنزلة؛ فهو مؤلف كتاب البيع، وهو صاحب الفصول البارعة المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفتي المبنى على التشفي والانتقام»! وهو وزير التعليم، وهو رئيس الجامعة الأعلى، فإذا لم تجتمع له بعد هذا كله أسباب البراعة الأدبية، والمهارة البيانية، فلمن تجتمع؟!

وإنما الغريب أن يظل هذا النبوغ سرًّا مكتومًا، وأمرًا مستورًا، على كثرة ما تكلم وزير التقاليد في مجلسَي البرلمان، وفي غير مجلسَي البرلمان، وعلى كثرة ما تحدَّث وزير التقاليد في بهو الكونتننتال، وفي غير بهو الكونتننتال، ولكن الله قد جعل لكل شيءٍ أجلًا، ورهن الحوادث بأوقاتها، فأراد فيما سبق من الغيب، ألا تتكشف الأيام عن براعة وزير التقاليد في الخطابة والبيان، إلا حين تضطر الأقدار رئيس الوزراء إلى الصمت والسكوت؛ لِيكُونَ في نبوغِ هذا عزاءً عن سكوت ذاك!

وقد يكون من اللذيذ الممتع، أن يُمنى مؤرخو الأدب بتحليل هذه الشخصية البيانية الفذة، التي أظهرها وزير التقاليد أول أمس لعلهم أن يتبيَّنوا ويُبيِّنوا للناس سِرَّ المهارة الرائعة في التحدث إلى الجمهور.

وكم كُنَّا نود لو نقف هذا الموقف من خطبة وزير التقاليد، لولا أن في هذه الخطبة من أمور السياسة ما يشغلنا عما يُعْنَى به الأدباء، ولعل أظهر خصلة تُلاحَظ في هذه الخطبة البارعة والآية الرائعة؛ هي: استقامة المنطق، وحسن الاحتجاج، ودقة الاستنتاج، وبراعة الانتقال من فكرة إلى فكرة!

فقد أثبت وزير التقاليد أن الجهود التي بذلها الفلاسفة إلى الآن في تقويم العقول، وتمرينها على التفكير الصحيح، لم تُؤْتِ ثمرها، ولم تَنْتَهِ إلى نتائجها، إلا عند شخص واحد، هو شخصه الكريم! ولهذا فقد يصعب عليك أن تذوق هذه الخطبة، وتطمئن إلى منطقها، حين تقرؤها لأول مرة! فلا بد إذن من أن تقرأها مرات، ولا تَخَفْ من أن تقرأها عشرًا. ومن المحقق أنك بعد هذه القراءات العشر، لن تذوقها، ولن تطمئن إلى منطقها، فثِقْ حينئذٍ بأنك رجلٌ عاديٌّ، وبأن وزير التقاليد رجلٌ نادرٌ، وبأن من العسير على الرجال العاديين أن يذوقوا أو يفهموا كلام الأفذاذ الممتازين!

انظر إلى وزير التقاليد كيف أراد أن يكون مجدِّدًا لا مقلِّدًا، فلم يَقُل: أيها السادة، ولا أيها الأصدقاء، ولا أيها الأخوان — كما يقول عامة الخطباء — ولم يَقُل: يا حضرات السادة — كما كان يقول رئيس الوزراء — وإنما قال: أبناءَ المنوفية!

وقد استغنى عن حرف النداء، إما لأنه متعبٌ والوزير في حاجة إلى الراحة، وإما لأنه يدل على التحدث إلى عددٍ ضخمٍ من الناس، والوزير لم يكن يتحدث إلا إلى عدد قليل، وإما (وهذا هو الراجح) لأن حرف النداء يدل على بُعْد المخاطَبين، وهم كانوا أقرب إلى الوزير من ظِلِّه، وأدنى إليه من نفسه!

وانظر إليه كيف علَّلَ تجديده فأحسن التعليل، وكيف أوَّلَه فأحسن التأويل؛ فهو يدعوهم «أبناء مديريته» لأنه فخور بهم، ومُقَدِّرٌ لهم شعورهم ووطنيتهم. ولا تَقُلْ إن كل إنسان فخور بأهل إقليمه مُقدِّر لشعورهم ووطنيتهم؛ فماذا أحدث وزير التقاليد؟! فهذا كلام الرجال العاديين، فأما الأفذاذ الممتازون ففخرهم بأهل أقاليمهم فذ، وتقديرهم لشعورهم ووطنيتهم ممتاز، فلهم وحدهم أن يدعوهم أبناء المنوفية، كما دعاهم وزير التقاليد، وأن يعللوا هذا الدعاء بأنهم فخورون بهم، مقدرون لشعورهم ووطنيتهم!

ثم انظر إلى هذا الإبداع الذي لا نظير له، والذي لا يبلغه إلا النابغون النابهون، حين نسي وزير التقاليد أو تناسى، أو جهل أو تجاهل، ما بين حزب الشعب والاتحاد من تنافس، أدى إلى الأزمات في البرلمان، وإلى الاستقالات خارج البرلمان، وأعلن أن ليس بين الحزبين خلاف، ولا يمكن أن يكون بينهما خلاف، وإن كان هو وكيل حزب الاتحاد؛ لأن خلافًا حدث بين الحزبين أقصى وكيل الاتحاديين عن وكالته، وأقام وزير التقاليد مكانه، بعد أن استكان الاتحاديون لغضبة رئيس حزب الشعب! …

ولكن الاعتراف بالحق، والنظر إلى الواقع، شأن الرجال العاديين، فأما الأفذاذ النابغون، أمثال وزير التقاليد، فإنهم يخلقون الحق خلقًا، ويفرضون الواقع فرضًا، ويقررون الأشياء من عند أنفسهم وخلاص!

ثم انظر كيف أقام وزير التقاليد الدليل الساطع والحجة المُفْحِمة، على أن ليس على الوزارة بأس، فقال إن رئيس الوزراء قد أعلن أن أمر الوزارات إلى جلالة الملك، وإذن فقد أخذ وزير التقاليد عهدًا على الأيام، وعهدًا على الأقدار، وعهدًا على الحوادث والخطوب، وعهدًا على جلالة الملك ألَّا تستقيل الوزارة ولا ينحل البرلمان حتى يتم أجله الدستوري! وإذن؛ فلن تكون الانتخابات قبل سنة ١٩٣٦!

أما عند الرجال العاديين، فهذا الكلام لا يُصوِّر رشدًا ولا ذكاءً، ولا فهمًا ولا تواضعًا، ولا اعترافًا بسلطان الأيام والحوادث، ولا تقديرًا لِمَا يجب لجلالة الملك من الإكبار والارتفاع بحكمته السامية عن أهواء الوزراء، وميول الساسة. وأما عند الأفذاذ النابغين أمثال وزير التقاليد، فهذا الكلام هو الرشد كل الرشد، وهو الذكاء كل الذكاء، وهو الإكبار كل الإكبار، لحق جلالة الملك، في أن يغير الوزارات متى اقتضت حكمته السامية ومصلحة البلاد هذا التغيير، وإن لم يبلغ البرلمان أجله، وإن لم تأتِ سنة ١٩٣٦، وإن لم تنفضَّ الدورة البرلمانية، وإن لم ينتهِ هذا الشهر الذي نحن فيه!

ثم انظر بعد ذلك إلى آية الآيات في المنطق الصحيح ومعجزة المعجزات في الاستنتاج المستقيم، وإلى البرهان الذي لا يقبل شكًّا ولا نزاعًا، ولا يحتمل بحثًا ولا جدالًا على أن أمورنا قد جُعِلَتْ إلى خيارنا، وأكثرنا بسطة في العلم والجسم، وأَقْوَمِنا منطقًا وأصدقنا فهمًا.

أراد وزير التقاليد أن يشير إلى عناية الحكومة بمصالح الناس وإلى نتائج هذه العناية، فذكر تخفيف أعباء المزارعين الذين اقترضوا على الحاصلات وذكر عناية الحكومة بالحماية الجمركية، فأما نتائج هذه العناية، وهذا التخفيف؛ فهي عند الرجال العاديين أن تحسن حال الزراع والتجار، أما عند وزير التقاليد النابغة الفذ فهي شيء آخر، تستطيع أن تبحث عنه شهرًا، وأن تبحث عنه دهرًا، ولن تظفر به، ولن تنتهي إليه؛ لأن منطق الرجال العاديين، لا يستطيع أن يوصلك إليه، أو يدلك عليه.

أتعرف ماذا ينتج عن الرفق بالزراع الذين اقترضوا على الحاصلات، وعن تقرير الحماية الجمركية؟! هو أن الطلبة قد انصرفوا إلى دروسهم ولم يشتغلوا إلا بها.

نعم؛ هذه هي النتيجة التي انتهى إليها منطق وزير التقاليد ونبوغه في حسن الفهم، واستقامة الاستنتاج!

ألم أَقُلْ لك أن أمورنا قد جُعِلَتْ إلى أشدِّنا ذكاءً، وأصحِّنا عقلًا، وأصْدَقِنا فهمًا، وأَقْوَمِنا منطقًا، من أمثال وزير التقاليد؟!

ثم يزعم المصريون بعد ذلك أن مصر لا تزال دون أوروبا، فهمًا وعلمًا وبيانًا، وأن وزراء مصر لا يزالون دون وزراء أوروبا تفوقًا ونبوغًا!

أما أنا، فأتمنى لوزير المعارف الفرنسية الذي تغدى عنده وزير معارفنا في الصيف الماضي أن يزور مصر، ويعاشر وزير التقاليد أسبوعًا أو أسبوعين؛ ليستقيم عقله ويصح منطقه، فيستقيم التعليم في فرنسا، وتصبح المدارس الفرنسية والجامعات الفرنسية راقيةً رُقِيَّ المدارس المصرية والجامعة المصرية، في ظل هذا العقلِ الواسع الخصب المستقيم؛ عقلِ وزير التقاليد!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.