اكتسب مرض النِّقْرِس — المقترن بآلام المفاصل واحمرارها وتورمها — سمعة سيئة ولكنها مجحفة بأنه مرض لا يصيب سوى الأثرياء بعد حياة من الإفراط في الملذات. والواقع أنه تركة من التغيرات التطورية التي حدثت منذ أكثر من ٢٠ مليون سنة، والتي ما زلنا ندفع ثمنها حتى الآن. كان مرض النقرس يُطلَق عليه في يوم من الأيام «ملك الأمراض ومرض الملوك»، ولكنه قد يكون أيضًا «مرض القرود».

رسم كاريكاتيري للنقرس.
رسم كاريكاتيري للنقرس.

المادة المسئولة عن هذا الداء هي حمض البوليك، الذي تتخلص منه الكُلَى عادةً عن طريق البول. إلا أنَّه إذا ارتفع منسوبه في الدم بصورة مفرطة، لا يذوب تمامًا، ويتسبب في تكوُّن بلُّورات كبيرة غير قابلة للذوبان تترسَّب في مفاصلنا. وهذا يفسر التورُّم المؤلم المقترن بالنقرس. كذلك ترتبط المستويات المرتفعة من حمض البوليك بالسمنة والسكري وأمراض القلب والكبد والكلى.

معظم الثدييات الأخرى لا تعاني من تلك المشكلة؛ فثمة إنزيم في جسدها يُدعى يوريكيز يحوِّل حمض البوليك إلى مواد أخرى يسهل إخراجها من الجسد.

اليوريكيز ابتكار تطوري عتيق، يوجد لدى البكتيريا والحيوانات على حد سواء، ولكن القرود تخلَّت عنه لسبب ما. وقد دخلت على جين اليوريكيز البشري بعض الطفرات أدت إلى غياب ذلك الإنزيم تمامًا لدى البشر؛ فهو «جين زائف»، أو ما يمكن أن نصفه بالنظير البيولوجي للملف التالف على الكمبيوتر. وهو السبب في بلوغ نسبة حمض البوليك في دمنا من ٣ إلى ١٠ أمثال الثدييات الأخرى؛ مما يجعلنا عرضة للإصابة بالنقرس.

كيف آل الأمر إلى ذلك؟ لماذا تخلَّينا عن ذاك الإنزيم المهم؟ ومتى؟

بغية معرفة الإجابات عن تلك الأسئلة، أعاد فريق من العلماء بقيادة إريك جوشيه في معهد جورجيا للتكنولوجيا إحياء نسخ بائدة من اليوريكيز لم يَرَها أحد منذ ملايين السنين.

قارن أعضاء الفريق وهم جيمس كراتزر وميجيل لاناسباك ومايكل ميرفي بين أنواع اليوريكيز لدى الثدييات الحديثة بغية استنتاج تسلسلات الأنواع التي انحدرت منها. وقال جوشيه عن هذا: «الأمر يشبه ما يفعله مختصُّو اللغويات التاريخية، عندما يدرسون اللغات الحديثة، محاولين فهم الكيفية التي كانت تُنطَق بها اللغات القديمة.» ثم تمكَّن أعضاء الفريق فعليًّا من «تصنيع تلك الإنزيمات القديمة» في مختبراتهم، وقارنوا بينها من حيث القدرة على معالجة حمض البوليك.

وجدوا أن النسخة الأقدم — التي حملها آخر سلف مشترك للثدييات كافة منذ ٩٠ مليون سنة — كانت هي الأنشط؛ فقد تفوقت على النسخ الأحدث كلها في الأداء. ومنذ فترة الازدهار القديمة تلك، بدأت الأمور في التدهور تدريجيًّا.

طيلة فترة تطور الثدييات — ولا سيما أثناء عملية «تطور الرئيسيات» — تعرَّض اليوريكيز لطفرات أسفرت عن انخفاض كفاءة الإنزيمات باطِّراد. وفي آخر سلف مشترك للقرود كافة، كان اليوريكيز قد ثُبِّط بالفعل إلى حدٍّ انعدمت معه جدواه تقريبًا. فكل ما فعلته الطفرات التي اختصَّت بها القرود والتي حولت اليوريكيز البشري إلى جينات زائفة أنها أبطلت عمل شيء كان بالفعل قد دُمِّر بلا رجعة.

فلماذا حدث ذلك التدهور التدريجي البطيء؟ يشكُّ جوشيه أنَّ المسألة تتعلق بالفاكهة.

تزامن أكبر هبوط في كفاءة اليوريكيز مع ازدياد مناخ الأرض برودة. نعمت الرئيسيات القديمة آكلة الفاكهة في أوروبا وآسيا بوفرة الغذاء في فصل الصيف، لكنها كانت تواجه خطر الموت جوعًا في فصل الشتاء عندما ندرت الفاكهة.

وهنا يأتي دور حمض البوليك؛ فخلايانا تنتج هذا الحمض عندما تقوم بتحليل الفركتوز؛ وهو نوع السكر الرئيسي الموجود في الفاكهة. وبدوره يستحثُّ حمض البوليك ترسب الدهون، وهي عملية يبطلها اليوريكيز. وفعلًا عندما عالج فريق جوشيه الخلايا البشرية بأنواع اليوريكيز القديمة عالية الكفاءة، انخفضت قدرة الخلايا على تكوين الدهون عند تعرُّضها للفركتوز، لكن عند معالجتها لاحقًا بأنواع غير نشطة من اليوريكيز، أنتجت الخلايا كميات كبيرة من الدهون.

فإذا أبطلْتَ عمل اليوريكيز خاطرت بترسب كميات كبيرة من حمض البوليك، وليس هذا فحسب، بل أصبحت بارعًا كذلك في تحويل الفاكهة إلى دهون. وبالنسبة إلى الرئيسيات القديمة التي كانت تعاني تقلبًا في توافر الغذاء وفقًا لفصول السنة، ربما كانت تلك المقايضة ضرورية.

إنها قصة شائقة، وإنْ كانت لا تفسِّر سوى المرحلة الأخيرة من انهيار اليوريكيز. فيكاد يكون من المؤكد أنَّ عوامل أخرى ساهمت في التدهور التدريجي لذلك الإنزيم. على سبيل المثال: ذكر مايكل هرشفيلد من جامعة ديوك أنَّ الرئيسيات المبكِّرة كانت تعيش في غابات مطيرة، فتيسَّر وصولها إلى المياه وكان بولها كثيرًا؛ وهو ما كان مفيدًا من أجل التخلص من فائض حمض البوليك. يتكهَّن هرشفيلد أنَّ تلك الظروف ربما أدت إلى تراجع الحاجة إلى اليوريكيز إلى حد يسمح لذلك الإنزيم بمراكمة طفرات ثبَّطته.

إلا أنَّ النتائج التي توصل إليها جوشيه تدعم إلى حد ما فكرة قديمة وإنْ لم تكن مثبَتَة علميًّا تُدعَى فرضية الجين المزدهر؛ تلك الفكرة التي طُرِحَت في عام ١٩٦٢ مفادها أنَّ البشر يحملون جينات كانت ملائمة لأسلافهم في أوقات ندرة الطعام، لكنها تجعلنا عُرضةً للسكري والسمنة في العصر الحديث بسعراته الحرارية الفيَّاضة. واليوريكيز أول مثال مناسب على ذلك؛ فالنسخة التالفة من ذاك الجين ربما ساعدت أسلافنا من الرئيسيات على الازدهار، لكنها تجعلنا معرَّضين للنقرس وغيره من الأمراض ذات الصلة بحمض البوليك، الذي ارتفعت معدلاته في السنوات الأخيرة ارتفاعًا شديدًا.

وقد تتمكَّن الإنزيمات التي أعاد الفريق إحياءها من مساعدتنا في ذلك الصدد أيضًا.

لما يربو على ٢٠ عامًا، حاولت الشركات الدوائية تطوير علاجات للنقرس باستخدام أنواع نشطة من اليوريكيز مستخلصَة من ثدييات أخرى. غير أنه لا يمكن ببساطة هكذا حقن مريض بشري بيوريكيز مستخلص من الخنزير؛ فاستجابتنا المناعية سَيُجَنُّ جنونها في وجود مثل ذلك الإنزيم الدخيل.

طوَّر فريق هرشفيلد طريقة للالتفاف حول تلك المشكلة عن طريق مزج اليوريكيز المأخوذ من الخنزير بنظيره لدى قرد البابون؛ فيقوم إنزيم اليوريكيز المأخوذ من الخنزير بالجزء الأصعب من المهمة وهو رفع معدل الأيض، بينما يعمل اليوريكيز المأخوذ من البابون على إخفائه عن أنظار جهازنا المناعي. وقد أقرَّت إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية ذلك الإنزيم المؤتلف في عام ٢٠١٠، والمعروف باسم كريستيكسا لعلاج حالات النقرس الحادة المزمنة.

يرى جوشيه أننا يمكن أن نجد حلولًا أفضل بالرجوع إلى الماضي؛ فقد وجد فريقه أنَّ أقدم إنزيم من بين الإنزيمات التي أعادوها إلى الحياة يتميَّز بزيادة كفاءته عن إنزيم الخنزير والبابون الخام المؤتلف، كما أنه يدوم لفترة أطول لدى الفئران. وعلى الرغم من قِدَمه، إلا أنه الأقرب شبهًا إلى اليوريكيز البشري، بل يتفوَّق على يوريكيز البابون في هذا الصدد؛ ومن ثَمَّ فقد يكون أقلَّ استفزازًا للجهاز المناعي. وقد قدَّم الفريق مؤخرًا طلبًا للحصول على براءة اختراع لإنزيمات اليوريكيز القديمة، وشرعوا في إنشاء شركة لتحويل تلك الإنزيمات القديمة إلى عقار فعلي.

يتوقَّع هرشفيلد وجود عقبات على هذا الطريق، وقال: «استغرق الحصول على موافقة إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية ١٧ عامًا منذ أن فكَّرت في تطوير إنزيم يوريكيز مؤتلف لعلاج النقرس المستعصي. أتمنى لهم النجاح، لكنِّي أشكُّ أنني سأكون موجودًا لأشهد الموافقة على عقارهم.» إلا أن جوشيه قال معارضًا إنَّ العقار الموجود قد مهَّد الطريق بالفعل للحصول على موافقة إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية، وصرَّح: «إما أن العقبات ستقل أعدادها أو تخف وطأتها.»

لا شك أنَّ أمامه شوطًا طويلًا يقطعه، لكنها فكرة مغرية أنَّ إنزيمًا لم يعد له وجود منذ أن كانت الديناصورات تحكم العالم يمكن أن يساعد من يعانون من النقرس في المستقبل. ومثلما قالت بِليندا شانج من جامعة تورونتو في تعليق ذي صلة بالموضوع: «كلنا سجناء التاريخ، ولكن ربما نتمكن من إيجاد حلول أفضل للمستقبل عن طريق التعلم من دروس الماضي.»

A Resurrected Cretaceous Answer to the “Disease of Kings” by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. February 17, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.