زعموا أن رئيس الوزراء كان شديد الضيق بما كان يقترف من الآثام في الأقاليم حين كان وزيرًا للخارجية، يعمل مع صديقه وخصمه الدكتاتور العظيم. وزعموا أنه اشترك في هذا الضيق مع زميله وزير الحقانية يومئذٍ، وزعموا أن الوزيرين أحرجا رئيسهما حتى اضطراه إلى أن يرفع استقالة الوزارة إلى جلالة الملك، ثم يعيد تأليفها وقد أخرجهما منها إخراجًا؛ ليخلص له العمل في حماية الموظفين الذين كانوا يظلمون الناس، دون أن نجد منهما ما يعطل هذه الحماية أو يحول بينه وبينها.

زعموا هذه كله وأكده الوزيران أنفسهما حين تحدث إليهما الناس فيه. ثم لم يكد العام يتم دورته، حتى صعد رئيس الوزراء إلى منصب الرياسة، وأعلن إلى الناس أن وزارته ستوزع العدل بينهم في غير ميل، ولا حيف، ولا تأثُّر بأهواء الأحزاب. وظن الناس أن هذا الإعلان ملائم كل الملاءمة لذلك الموقف الذي وقفه عبد الفتاح يحيى باشا من صديقه وخصمه صدقي باشا. ولكن أسبوعين اثنين لم يمضيا على نهوض الوزارة الجديدة بأعباء الحكم، حتى ظهر أن رئيس الوزراء مُحرَج أشد الحرج، سواء أشعر هو بهذا الحرج أم لم يشعر به. فالموظفون يظلمون الناس في الأقاليم وهو رئيس الوزراء، كما كانوا يظلمونهم في الأقاليم في ظل الدكتاتور العظيم. والناس يضجون ويعجون ويشكون ويبكون، ويفزعون إلى الله أن يكشف عنهم الضُّرَّ ويرفع عنهم الشر، ويسألون رئيس الوزراء أن يسير فيهم وهو رئيس للوزارة، كما كان يريد أن يسير فيهم من صدقي باشا حين نشأ الخلاف بينهما.

والناس يلحون على رئيس الوزراء في ألَّا يحمي الموظفين حين يظلِمون، ولا يُقِرَّهُم على ما يأتون من الشر، وفي أن يتشدد على زملائه الوزراء في ذلك، ويأبى عليهم أن يخالفوه أو يخرجوا عليه. ورئيس الوزراء بين اثنتين، إما أن يلائم بين سيرته الآن وذلك الموقف الذي أخرجه من وزارة صدقي باشا، وإذن فسينشأ الخلاف بينه وبين بعض زملائه من غير شك ولا ريب، وسيُضْطَرُّ إلى أن يقيل بعض هؤلاء الزملاء، أو إلى أن يستقيل ويعيد تأليف الوزارة من جديد بعد أن يخرجهم منها. وهذا موقف لا يحب ولا يحسد عليه رؤساء الوزارات؛ لأنه مظهر من مظاهر الضعف، وسبيل من سبل النقد، واعتراف بأن الأمور ليست من الصلاح والاستقامة بحيث يذاع ويشاع. وإما أن يغضي عن الملاءمة بين موقفه أمس وسيرته اليوم، فيترك زملاءه يحمون الموظفين حين يظلِمون، ويضع أصابعه في أذنيه إذا ارتفعت إليه من الناس شكاة أو مطالبة بالعدل والإنصاف. وفي ذلك ما فيه من هذا التناقض الذي لا يحبه كرام الناس، ولا تطمئن إليه نفس الرجل المهذَّب النزيه. فرئيس الوزراء محرجٌ من غير شكٍّ، ولعله لم يكُن يشعر بهذا الحرج قبل أسبوع، أو لعله لم يكن يشعر به في هذه الأيام.

فهؤلاء موظفوه يظلِمون الناس ويسرفون في الظلم في إقليم المنيا، يفرضون عليهم ضرائبَ لا ينبغي أن تُفرض عليهم، ويأخذونهم بأداء هذه الضرائب الجائرة في غير رحمة ولا رفق. فإذا شَكَوْا واستغاثوا قيل لهم إنهم أبناء كلاب، وإن العمد سيمتصون دماءهم، وإن رجال الإدارة مكلفون أن يُخَرِّبُوا بيوتهم تخريبًا.

قيل هذا الكلام في السياسة، ونقلناه نحن عن السياسة، وسألنا عنه مع السياسة رئيس الوزراء، وطلبنا إلى رئيس الوزراء أن يبين فيه جلية الأمر، فإن كان حقًّا عاقب الظالمين عقابًا يردع أمثالهم، وإن لم يكن حقًّا نفاه نفيًا صريحًا قاطعًا يمحو الشك، ويزيل الشبهة، ويثبت أن النزاهة والعدل والإنصاف والمساواة هي وحدها الخصال التي يصدر عنها رجال الإدارة فيما يأتون وما يَدَعُون.

والصحف تنبئنا منذ أول أمس بأن الوزارة قد عُنِيَتْ بهذا الأمر؛ فهي تبحث وتستقصي، وهي تحقق وتدقق، وهي تُعِدُّ بيانًا لإذاعته في الناس. ولكن إنفاق الوقت الطويل في البحث والاستقصاء، وفي التحقيق والتدقيق، شيءٌ كان يحسن اتِّقاؤه واجتنابه؛ فإن الأمور الصافية النقية لا تحتاج إلى أن يبحث الناس عن صفائها ونقائها، وهي لا تحتاج إلى إنفاقٍ الجهد واحتمال العناء في إظهار صفائها ونقائها للناس.

وهؤلاء رجال الأمن في الأقاليم يتخطفهم المجرمون، يزهقون أنفسهم ويسفكون دماءهم سرًّا وجهرًا في الليل والنهار. ونظن أن من اليسير على رئيس الوزراء أن يسأل وزير الداخلية عن هؤلاء العمد والحراس النظاميين الذين قُتِلُوا أو جُرِحُوا في هذا الأسبوع. فسيتبين أنهم ليسوا واحدًا أو اثنين، وأن إزهاق نفوسهم وسفك دمائهم قد وقع في أجزاء مختلفة من الأرض. ورئيس الوزراء يوافقنا من غير شك على أن الوزارة التي يستهين المجرمون بسلطانها إلى هذا الحد، فيتخطفون في ظلها العُمَد والحُرَّاس، توشك أن تفقد ما لها من هيبة في نفوس الناس، وإذا فقدت الوزارة هيبتها في نفوس الناس فويلٌ للأمن وويلٌ للنظام. وهؤلاء أهل نجح حمادي يتحدثون إلينا بأن قرية من قرى مركزهم قد فسد فيها أمر الأمن، حتى تواصى أهلها بالاحتياط، ونادى المنادون فيهم أن روحوا إلى بيوتكم قبل غروب الشمس مخافة أن يَعْدُوَ عليهم هؤلاء المجرمون الذين أصبحوا أصحاب اليد على الطريق العام.

فإذا نشر هذا الكلام لم تكذبه الوزارة، وإنما أغري بمراسل الكوكب من الشرطة مَن يعذبه حتى يغمى عليه، وهذه أنباء القتل والاعتداء تنشرها الصحف في كل يوم فإذا هي لا تقل عن عشرة في يوم من الأيام، وإذا هي تنيف على العشرين أحيانًا. ومعنى هذا كله من غير شك أن وزارة الأمن عاجزة عن حماية الأمن، أو مقصرة في حماية الأمن فهي إذن لا تؤدي أول واجباتها عجزًا عن الأداء أو تقصيرًا فيه. وإذا أذيع الظلم من جهة والعجز عن حماية الأمن أو التقصير فيها من جهة أخرى عن وزارة الداخلية، فليس لذلك معنى إلا أنها في حاجة إلى التغيير الشديد، وإلى الإصلاح الجوهري الذي لا يقف عند البحث والاستقصاء وإنفاق الجهد في إعداد البيانات، بل لا يقف عند نقل موظف إلى غير عمل، وإقامة موظف آخر مكانه. فقد أُبعد مدير الأمن العام عن مصلحة الأمن العام منذ زمنٍ بعيد، وأقيم مقامه وكيله، ولم تحسن حال الأمن العام، ولم ينخفض عدد الجرائم، ولم تُحقَن دماء العمد والحراس …

وهذه مديرية الدقهلية تُمَثِّلُ فصولًا مضحكة محزنة مع جماعة ضخمة من المصريين، كان يجب أن يكونوا أشد الناس اطمئنانًا، وأعظمهم حظًّا من الراحة وهدوء البال، ليفرغوا لهذا الواجب العظيم الذي أوخذوا به، وهو تنشئة الأطفال. هذه مديرية الدقهلية تحكم فيهم حكم قره قوش، تفرض عليهم زيًّا دون زي، وشكلًا دون شكل، ويوقَف بعضهم عن العمل لأنه لم يطع المدير فيما لا تجب فيه طاعة المدير. وتسلط الخفراء وغير الخفراء من رجال الأمن على هؤلاء الناس ليراقبوا أزياءهم وأشكالهم، مع أن رجال الأمن لا تأجرهم الدولة لمراقبة الأزياء والأشكال. وتعرض هؤلاء المعلمين ليكونوا موضوع الهزء والسخرية أمام تلاميذهم، مع أن أول ما يجب إنما هو أن يكون المعلمون موضوع الهيبة والاحترام أمام هؤلاء التلاميذ. وقد رفع هؤلاء المعلمون أمرهم إلى رئيس الوزراء، وعرضنا نحن أمرهم غير مرة على رئيس الوزراء، ولكن الصحف لم تُنبِئْنا بعدُ بأن رئيس الوزراء قد أظهر عناية برفع هذا الظلم ومحو هذا العبث الذي لا يطاق.

ومعنى هذا كله أن وزارة الداخلية تدع بعض الأيدي تنطلق في الشعب انطلاقًا لا يبيحه القانون ولا يرضاه العدل ولا يقره الدستور، ومعنى هذا كله أن رئيس الوزراء بين اثنتين، إما أن يكون منطقيًّا مع نفسه، ملائمًا بين موقفه أمس وسيرته اليوم وإذن فلا بد له من أن يأخذ وزير الداخلية بتغيير هذا كله أو بأن يستقيل. وإما أن يكون قد خاصم نفسه وأنكر موقفه مع صدقي باشا أمس واتَّخَذَ لنفسه في الحكم مذهبًا جديدًا، أو مذهبًا قديمًا يلائم مذهبه حين نهض مع صدقي باشا بأمور الحكم، فأقر ما كان يأتيه صدقي باشا ويأذن به من ضروب الاعتداء على الحرية. وإذن فيجب أن يقول رئيس الوزراء ذلك للناس ليَتبيَّنوه، وليعلموا أن رياسة الوزارة في هذه الأيام تغير الطبائع والأمزجة، وتحمل الرؤساء على أن ينكروا أنفسهم ويلبسوا لكل يوم لبوسًا.

ومثل هذا يقال بالقياس إلى وزارة المعارف؛ فقد نبهْنا رئيس الوزراء إلى هذا الحيف الذي سُلِّطَ على رجال التعليم الإلزامي في أقطار مصر كلها، وطلبنا إليه أن يأمر بكَفِّ هذا الحَيْفِ، أو أن يتخفف من الوزير الذي يأبى إلا أن يسلطه على هؤلاء البائسين، ولكن رئيس الوزراء مُحرَج كما قدمنا، فهو مُضْطَرٌّ إلى إحداث أزمة إن أراد أن يُجري العدل في الناس على وجهه، أو هو مُضْطَرٌّ إلى أن يسير سيرة صاحبه صدقي باشا إن هو آثر العافية وأراد أن يحكم في غير قلقٍ ولا انزعاج.

ولكن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن القلق الذي يُحدثه إن أثار أزمة في سبيل العدل، أهون جدًّا من القلق الذي يعرض البلاد له إن آثر العافية وأقر زملاءه على بعض ما يفعلون، فليختر رئيس الوزراء بين هاتين الخَصلتين، وسنرى إن شاء الله ما يختار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.