من الحُجج الواهية التي يتمسَّح بها أنصار الشعر «السايب» وأعداء الوزن والقافية: أنهم يتعلَّلون «بالغيرة الشعبية»، فيزعمون أن إلغاء الوزن والقافية يقرِّب الأدب من الشعب، ويقولون ويعيدون إن الشعر الموزون المقفَّى تَرَفٌ «برجوازي» يتعالى على المدارك الشعبية ويصعب على السامع «الشعبي» أن يتتبَّعه بالفهم أو بالحفظ والرواية.

إن الغيرة الشعبية على هذه النغمة حجة باطلة؛ لأن العدو المُبِين للشعب هو الذي يُحرِّم عليه التعليم، ثم يفرض عليه الجهل ضريبة دائمة لا ترتفع عن كاهله الآن ولا بعد حين.

ولكن الأمر هنا أكثر من أمر الدعوى الكاذبة والحجة الباطلة؛ لأن الآداب العامية — إذا صح إطلاقها على أدب الشعب — تقوم كلها على الأوزان العروضية التي قامت عليها أشعار اللغة الفصحى، وينظمها الشعراء الشعبيون على قواعد البحور والقوافي التي نظمها شعراء الفصحى من امرئ القيس إلى المتنبي إلى البارودي وشوقي ومن نشأ بعدهم إلى هذه السنة الهجرية أو الميلادية، فالمسألة إذن عند دعاة التجديد المزعوم مسألة جهل بالشعب وافتراء عليه، وليست كلها مسألة الحجة الباطلة والرأي الهزيل.

إن عدد البحور التي نظم فيها شعراء اللغة العامية أزجالهم يزيد على عدد البحور التي احتوتها دواوين الشعراء الأقدمين والمُحدَثين من أقدم أيام الجاهلية إلى العهد الحاضر، فلا صعوبة فيها على السليقة الشعرية عند الزجالين ومنهم أميون لا يكتبون ولا يقرءون، ولم يسمعوا باسم الخليل بن أحمد — واضع علم العروض — وإنما كانوا جميعًا فنانين مطبوعين على النظم معولهم كله على السليقة التي تجرَّد منها أنصار الشعر «السايب»، وأبى عليهم الغرور أن يعترفوا بالعجز؛ فأرادوا أن يموهوه على الناس باسم «التقدمية» و«التحررية» … أو باسم الغيرة الشعبية بعد استنفاد الحجج والمعاذير!

***

إن آداب اللغة العامية قد اشتملت على موضوعات كثيرة، واختلفت في السعة والضيق وصعوبة النظم وسهولته؛ من الأغنية السريعة إلى الملحمة المطولة التي تستغرق عشرات الصفحات.

ومن هذه الموضوعات: حِكَمٌ وأمثال، وأغاني أفراح وأناشيد مآتم، وقصص حروب وغزوات، أشهرها حروب بني هلال والزير سالم، وأحدثها ملاحم الحوار بين السلك والوابور وبين القط والفأر، وبين الطير والصياد، وأشباه ذلك من ألوان القصة والملحمة، نَظَمَها — على الأكثر — أناس مجهولون، وعلى التحقيق أناس تعلموا الأوزان بالسليقة الفنية ولم يتعلموها في المكتب ولا في المدرسة ولا من صفحات كتاب.

وَقَلَّ من رواة الأدب العامي في القرى من لا يحفظ حِكَمَ ابن عروس التي يقول فيها:

ما يرقد الليل مغبون

ولا يقرب النار دافي

ولا يطعمك شهد مكنون

إلا الصديق الوافي

أو يقول فيها:

ما حد سالم من الهم

حتى الحصى في الأراضي

لا له مصارين ولا دم

ولا هو من الهم فاضي

وهي — كما ترى — مصرَّعة تلتزم القافية في الشطرين الأول والثاني، ولا تقتصر قافيتها على الشطر الأخير.

وأحدث من ذلك حِكَمُ الزجَّالين والمتأخرين، ومنها قول أحدهم في اختيار الزوجة لمالها:

يا واخد القرد أوعى يخدعك ماله

تحتار في طبعه وتتعذب بأفعاله

حبل الوداد إن وصلته يقطعِ احباله

تقضِّي عمرك حليف الفكر والأحزان

ويذهب المال ويِبْقَى القرد على حاله

***

وكل أناشيد النواح على الجملة من نظم النائحات الجاهلات اللواتي ينظمن المراثي لكل ميت وميتة على حسب المناسبة، ومنها — على سبيل المثال — قولهن في رثاء الأب الذي أعقب ذرية كلها من البنات:

يا بو البنات اوعى تقول نايم

عدي البحوره وتعال لهم عايم

وفي رثاء الأب الشاب الذي خلَّف بنتًا صغيرة:

ولا تسألوا إيش وخر الغندور

وخر بنية جناحها مكسور

وفي رثاء الوجيه الرئيس في قومه:

حطوا دراع السبع فوق بابه

إن طال غيابه يحسبوا حسابه

وفي رثاء فقيد الأسرة الكبيرة:

يا ولاد عمه عدوا عمايمكم

عمامة نظيفة غايبه منكم

ومعظم هذه المراثي ذو قافيتين لا يُكتفى فيه بقافية واحدة، بل ربما تكرر النواح بالبيت الواحد لتكرار القافية، كما يقال في تفريع الأبيات المتقدمة:

ولا تدفنوا الغندور في الرملة

تثور العجاجة وتغبر الشملة

ولا تدفنوا الغندور في الحيشان

تثور العجاجة وتغبر الشيشان

أو يقال في البيت الآخر:

حطوا دراع السبع فوق الباب

إن طال غيابه يحسبوا له حساب

ولا حصر لأمثال هذه الأناشيد «المأتمية» في تنويعاتها وتفريعاتها على حسب القوافي والمناسبات.

ولعل الأمثال المنثورة أدل على هزل الهازلين بحديث الوزن والقافية من هذه المنظومات في أبوابها المتعددة … فإن المثل العامي المنثور يلتزم القافية في كثير من الأحيان، ويلتزم الإيقاع على الدوام إن لم يلتزم القافية بحرف الروي المعاد.

انظر إلى هذه الأمثال:

جُحر ديب يساع مِيت حبيب.

جات الحزينة تفرح ما لقت مطرح.

الجوز موجود والابن مولود والأخ مفقود.

جوزوا مشكاح لريمة ما على الاتنين قيمة.

طوبة على طوبة تخلي العركة منصوبة.

***

فإذا جاء المثل بغير قافية فهو لا يخلو مرة من المقابلة أو الإيقاع، ومن شواهده قولهم:

عين ما تنظر قلب ما يحزن.

لا للبيت ولا للغيط.

ما لقوش للورد عيب قالوا يا احمر الخدين.

ويتفق لهم من «لزوم ما يلزم» شيء كثير يُلاحَظ في الشطر بعد الشطر، ولا يقنعون فيه بالبيت بعد البيت، كقولهم:

إردبا مالك

لا تحضر كيله

يتغبَّر شالك

وتتعب في شيله

أو قولهم:

القلب مرضان ومتعل

وكتر الحكاوي شماته

من بعد الكسترا العال

صبحنا لاقينش النكاته

والنكاتة في لهجة الصعيد الأوسط هي بقايا السجاير الملتقطة من الطريق.

هذه هي «سليقة الشعب» في الوزن والقافية يجري عليها شاعر اللغة العامية بوحي بديهته فلا يشكو صعوبتها ولا يحتاج إلى دراستها ونقلها. وما من شك في أنه يستطيبها ويستعذبها ويعلم بالبداهة والتجربة أن «الموسيقية» فيها كفيلة بتوضيح معناها وتثبيته وتعميق ذكره ومعونة القائل والناقل على حفظه وروايته، فإذا كانت القصائد الموزونة المُقَفَّاة تشق على أحد فهي لا تشق على «السليقة الشعبية» التي يتمسَّحون بها ويدارون عجزهم باصطناع الغيرة عليها؛ لأن سليقة الشعب أقدر من سليقتهم الفاترة على الخلق الفتي، وأسماع الشعب أقرب إلى الذوق الجميل من أسماعهم التي تنبذ «الموسيقية» المحبوبة التي تَوَارَثَ الأحياء حبَّها من أقدم الأزمنة ليضعوا في موضعها كلامًا سقيمًا لا يصلح للفن ولا للفكر ولا هو بالمأثور المختار عند القراء المطلعين ولا عند الجهلاء والأميين.

وفي سبيل ماذا كل هذا؟

ما هي تلك البلاغة المعجزة التي جاءوا بها وعجز الناطقون قبلهم عن مثلها في الوزن والقافية؟

لا بلاغة ولا يحزنون!

بل بلاهة ويحزنون!

أو ندعهم يحزنون أو يفرحون، على أية حال. وهم بعيدون عن الشعب المظلوم؛ لأنهم لا وزن لهم، وهو شعب «موزون»!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.