… كنتُ قد قرأتُ قديمًا أن أحد الأدباء المفكرين قال ما معناه: إذا أردتَ أن تعرف مدى رُقي أمة فاستمع إلى أغانيها. وإني أرجو أن تتفضلوا بذكر اسم هذا الأديب المفكر ومَبْلَغ الصحة في كلامه.

محمد منير، مؤلف برنامج مع الناس بالتليفزيون

أفلاطون هو صاحب الكلمة الأولى التي يرجع إليها المفكرون المحدثون والمعاصرون الذين يريدون أن يثبتوا للموسيقى فضلًا كبيرًا في حياة الأمم وعملًا ملحوظًا في شئونها الجدية؛ ليترفعوا بها عن مجرد اللهو في ساعات الفراغ والبطالة.

ولم يرسل أفلاطون كلمته في هذا المعنى مثلًا سائرًا يتناقله المتحدثون من قبيل شواهد الحكمة على ألسنة الأقدمين، ولكنه أقامها مقام الحُجَّة المُقْنِعة في سياق حواره المُفَصَّل عن مُقوِّمات الحكم الصالح للجمهورية المثالية، فنبَّه في الجزء الرابع من ذلك الكتاب الخالد إلى خطر الاستخفاف بالتغييرات والتبديلات الموسيقية؛ لأنه يهدد «الدولة ويتبعه لا محالة تغيير وتبديل في الشرائع والقوانين».

وتناقل المطلعون على الفلسفة اليونانية هذا الرأي كأنه من القضايا المسلَّمة، فكثر وروده في الأحاديث والرسائل. وحُفِظ منه ما جاء في رسائل الكاتب السياسي أندرو فلتشر أحد مشاهير القرن الثامن عشر (١٦٥٥–١٧١٦) حيث يقول:

إنني أعرف رجلًا على غاية من الحكمة والسداد كان يعتقد أنه استطاع أن يضع أغاني أمة، فلا عليه أن يبالي بعد ذلك من يضع لها قوانينها، ونحن نعلم أن أكثر المشترعين الأقدمين كانوا يرون أنهم لا يَقْدِرون على إصلاح أخلاق أمة بغير معونة من شاعر غنائي أو شاعر مسرحي في بعض الأحيان.

والمفهوم — على الأرجح — أنه كان يعني بالرجل الحكيم ذلك الفقيه الكبير في عصره جون سلدن (١٥٨٤–١٦٤٥) الذي كان على علمه بفقه الشرائع خبير ثقة بالآثار الباقية من فنون الأولين.

وآخر المراجع المأثورة لهذه الكلمة في العصر الحاضر مقدمة الكاتب الأمريكي جورج جين ناثان للكلام عن الدنيا الزائفة The World in Falschood ؛ حيث يقول: «لست أبالي مَن يكتب قوانين أمة ما دمتُ أصغي إلى أغانيها.» وهو كاتب مقروء في البيئات السياسية، تُوفِّي منذ أربع سنوات (١٩٥٨)، ونظن أن السياسي الأمريكي الكبير الذي زار أفريقية الغربية حديثًا كان يشير إلى كلام هذا الكاتب حين قال بعد زيارة المجلس التشريعي وسماع الأغاني الشعبية، إنه كان سعيد الحظ لأنه استطاع أن يجمع في وقت واحد بين معرفة الذين يُشَرِّعون للأمة والذين يُغَنُّون لها خلال زيارة واحدة.

أما صواب هذه الكلمة أو مَبْلَغُها من الصحة، فقد يظهر لأول وهلة أنها إحدى المبالغات التي يسوغها في الأساليب الخطابية لتقرير الحقائق التي يستغربها الكثيرون وتحتاج إلى شيء من التوكيد والشطط — أحيانًا — لتنبيه الأسماع إليها.

ولكنها — بعد التأمل اليسير فيها — تُحسَب في عِدَاد الحقائق الرياضية، وتدل على معناها الصحيح دلالة حرفية.

ويكفي أن نعرض الحقائق التي نستطيع أن نفهمها من الاستماع إلى أغاني الأمة لنعلم أن الكلمة صواب بجميع معانيها.

فمن أغاني الأمة نفهم طبيعة الغَزَل فيها: هل هو صادر من بواعث الغريزة الحيوانية أو بواعث العواطف الإنسانية؟ وهل هو تعبير عن متعة جسد ليس إلا، أو هو تعبير عن شوق إلى التعاطف والمبادلة النفسية بين صفات اللطف والجمال في المرأة وصفات الإقدام والفتوة في الرجل؟

ومن أغاني الأمة نفهم هل تجري العلاقة بين الجنسين فيها على سنن العرف والحياء، أو على دواعي الإباحة والابتذال، وهل الحب فيها مسألة ذوق ونخوة وأريحية، أو هو مسألة متعة وحيازة ومساومة.

ومن الأغاني نفهم الفارق بين دواعي الطبيعة ودواعي المجتمع، وبين العشق الفطري والزوجية الشرعية في كل علاقة بين الجنسين، ونفهم مقدار ما في النفوس من الصراحة والاستقامة في حياتها العامة، ومقدار ما فيها من النفاق والمراوغة في تلك الحياة، ونقيس المسافة الصادقة بين الواجبات المفروضة والواقع المباح كلما قسنا المسافة بين ما يشتهيه الناس بالحس والاختيار وما يوجبونه على أنفسهم بحكم التقاليد والأوضاع المرسومة.

ومن الأغاني نفهم أفضل فضائل الرجل والمرأة جسدًا وروحًا، كما نفهم أحسن المحاسن التي تُرغِّب كلًّا من الجنسين في الآخر.

ومن الأغاني نفهم علاقة العاطفة بالثورة، وعلاقة الشمائل الإنسانية بالمنازل الاجتماعية والأقدار المتعارف عليها.

ومن أغاني الفخر والحماسة نفهم خلائق الأمة من العزة والمحافظة على الحقوق، أو من الطمع والعدوان على حقوق الآخرين.

ونفهم من أغاني الحداد تكون الأسرة وعادات الأقربين ومآثر كل فرد من أفراد الأسرة في تقدير أهله، ولا يخفى علينا نصيب المحزونين من الصبر والجزع ونصيبهم من الشعور الإنساني الحق وشعور التقليد والحكاية مطاوعة للعرف والعقيدة.

ولا نعرف شيئًا تنطوي عليه خلائق الأمم وعاداتها يخفى على مَن يستمع إلى أغانيها، وقد نمتحن هذه الحقيقة بتجربة ميسرة لكل من يريدها، وهي تأليف مجموعة صغيرة من مائة أغنية من أغاني الغزل والفخر والحداد والفكاهة والمناجاة على اختلاف بواعثها، فإننا سنجد بعد مراجعة هذه المجموعة أننا نستطيع أن نَحْكُم منها على أخلاق الأمة وآدابها وما تعمله القوانين والشرائع فيها، وسنجد بعد ذلك مصداق قول أفلاطون إن هذه الأغاني في المجموعة الصغيرة لا تتغير بمعانيها وألفاظها وألحانها إلا كان ذلك دليلًا على تغيير جوهري في كيان الأمة وكيان الدولة معها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.