بين كل ألف يتكلمون عن الشيوعية لا تجد أكثر من عشرة يعرفون شيئًا عنها، ولا تجد أكثر من واحد يفهمها على حقيقتها، أو ما يقرب من حقيقتها، وربما كانت المبالغة في هذا القول إلى جانب الزيادة لا إلى جانب النقصان.

فالقول الشائع على الألسنة أن الشيوعية برنامج إصلاحي لتحسين أحوال الطبقة الفقيرة سواء كان هذا البرنامج على هدى أو على ضلال، ولكن الواقع أن الإصلاح الاجتماعي في الشيوعية مسألة ثانوية تأتي في عرض الطريق، ولا تأتي على سبيل التوكيد والتحقيق.

أما الشيوعية في حقيقتها فهي عقيدة ونبوءة ولا يهمها الإصلاح كما يهمها تقرير تلك العقيدة وتحقيق تلك النبوءة ولو شقي بهما الناس.

فالعقيدة الشيوعية هي إنكار كل شيء في الوجود غير المادة والماديات، فليس للوجود عقل مدبر ولا روح ملهم، ولكنه مادة في مادة، ومن مادة إلى مادة، بين الأزل والأبد بغير ابتداء ولا انتهاء.

وقد اهتم ماركس وإنجلز وغيرهما بإثبات هذه الدعوى قبل اهتمامهم بأي إصلاح وأي تحسين في أحوال الطبقات.

ولهذا سُمي مذهبهم بالفلسفة المادية الجدلية أو الثنائية، وانصرفت جهودهم قبل كل شيء إلى التفسير المادي للتاريخ.

فالأديان كلها إن هي إلا حبالة منصوبة لتغليب مصالح الأغنياء على مصالح الفقراء.

وهذا مع العلم بأن الأديان جميعًا تتضمن من النواهي للأغنياء أضعاف ما تتضمن من النواهي للفقراء؟

والفنون الجميلة وما احتوته من الآداب والبدائع ليست إلا تمثيلًا اقتصاديًّا لأهواء الطبقة الغالبة في المجتمع بقوة الاستغلال.

والأخلاق الإنسانية كذلك لم تتولد من شيء غير ما يسمونه بنظام الإنتاج على حسب اختلاف العهود.

وهكذا تصبح الحياة الإنسانية كلها في عرف هذا المذهب «مناورة» بورصة، أو لعبة سماسرة لا أكثر ولا أقل في هذه السوق السوداء التي تسمى تارة بالكون وتارة بالوجود.

هذه هي العقيدة، أما النبوءة فهي أن حرب الطبقات بين أصحاب الأموال والعمال ستنتهي إلى بقاء طبقة واحدة وزوال جميع الطبقات الأخرى، ولا تتحقق نبوءة كارل ماركس إلا على هذا الوضع دون سواه.

فلو وجد كل صانع في الأرض عمله ورزقه الذي يغنيه لما رضي الشيوعيون ولا عدلوا عن الثورة وقلب جميع الأوضاع؛ لأن المُهم عندهم هو تحقيق تلك النبوءة لا تحقيق الإصلاح وتدبير العمل لكل قادر عليه.

ولهذا يهونون كل إصلاح، ويتهمون كل برنامج، ولا يقنعون بما دون هذه الغاية بحال، وهي زوال الطبقات وبقاء طبقة واحدة تستمر هكذا إلى آخر الزمان.

ولو عاش «كارل ماركس» لرأى بعينيه أن زوال الطبقات مستحيل ولو بذلت الحكومات في سبيله كل مجهود.

فإن روسيا الشيوعية نفسها مضت عليها بضع سنوات فأصبح فيها ثلاث طبقات تتفاوت في المعيشة والسيادة والنفوذ: فهناك طبقة القادة وكبار الموظفين ومديري المصانع والدواوين؛ وهناك طبقة الفنيين المشهورين باسم «الستخانوفيين» نسبة إلى «ألكسي ستخانوف» الذي ابتكر الطريقة المعروفة باسمه لزيادة الإنتاج؛ وهناك طبقة الصناع الفقراء، وهم يتناولون بطاقات للطعام والكساء والسكن غير بطاقات هؤلاء وهؤلاء.

فبينما يأكل السادة الكافيار واللحوم والحلوى ويركبون السيارات ويسكنون القصور، يعيش «المسخرون» عيشة الكفاف، ويخضعون في سكنهم وإقامتهم لأوامر الرئيس الذي يوجههم في العمل والمعيشة كما يشاء، ويحرم عليهم الاحتجاج والإضراب؛ لأنه يعاقب كما تعاقب خيانة الدولة، بأقسى عقاب.

وليس أدل على حقيقة الحالة التي وصلت إليها تجربة الشيوعية في روسيا من هذه الحواجز التي تقام حول البلاد الروسية، وحول كل قطر من الأقطار يدخل في حوزتها.

فمما لا شك فيه أن النجاح لا يتوارى عن الأنظار، ولا يجب أن يتوارى عنها … وحسبه أن يظهر للناس، فإذا هم مقبلون عليه آخذون بقدوته في غير حاجة إلى دعاية ولا ترغيب ولا إقناع.

ومنذ أيام كنا نتذاكر حديث المذاهب الاجتماعية مع بعض الزملاء في مجلس الشيوخ فقلت: إنني لا أقترح على الحكومة غير طريقة واحدة لمقاومة الشيوعية تغنيها عن كل طريقة، وهي إيفاد ألف مصري من مختلف الطبقات والأعمار إلى البلاد الروسية، فإذا قبلتهم الحكومة السوفييتية، شهدوا الأمور بأعينهم، وعادوا إلى شعوب الشرق بمقطع الحق المبين في هذه الدعايات والأوهام، وإذا رفضتهم علم الشرقيون جميعًا أن التجربة تحتاج إلى الستر ولا تحتمل الظهور، وأن كل ما يقال عن نجاحها تغرير بالعقول ومناقضة للعيان.

***

ومن تصوير الشيوعية على غير حقيقتها أن يقال إن الحجر عليها مخالف لمبادئ الديمقراطية.

فإن الشيوعية في دور العمل مؤامرة تنفذ، وليست برأي ينشر في حدود الحرية المباحة.

لأن أقوال كارل ماركس وأتباعه صريحة في أن العمل للشيوعية هو العمل للثورة الدموية، وأن الشيوعيين يجب أن يتعجلوا الثورة قبل أوانها إذا تأخر هذا الأوان لتأخر الأطوار الصناعية في بعض البلاد.

فالصبر على الشيوعية إذن هو صبر على جريمة في دور التنفيذ وإهمال لجميع القوانين، وليس من الديمقراطية أن تترك الجرائم تحت سمع الحكومات وبصرها إلى أن تعصف بالحكومة وبالمجتمع وبالشرائع كلها على السواء.

هذه خلاصة موجزة لحقيقة الشيوعية، فهي مادية خانقة ونبوءة كاذبة، ولا شأن لها بالإصلاح الاجتماعي المزعوم إلا في عرض الطريق.

وإذا كان إقفال الأبواب على روسيا الشيوعية دليلًا محسوسًا على حقيقتها، فهناك دليل محسوس على روحها لا يقل عن هذا الدليل في الوضوح والثبوت.

ففي عهد الاستبداد القيصري نبغ في روسيا عشرات من الكتاب والأدباء العالميين أمثال تولستوي ودستيفسكي ونرجنيف وشيخوف وارتزيباشف وجوركي وبوشكين وجوجول وإخوان هذا الطراز.

فأين هو الأديب العالمي الذي نبغ في ظل الشيوعية مع كثرة الكتب التي يطبعونها هناك؟

لقد نبغ بعض الأدباء الشيوعيين نبوغًا محليًّا لا يستحق الشهرة في أرجاء العالم، فانتحر اثنان من أكبرهم وهما مياكوفسكي ويسنين، ومات إمامهم إسكندر بلوك ميتة مشتبهًا فيها … وهو في ضحوة الشباب.

ومعنى ذلك أن ظل الشيوعية المادي أشد خنقًا لروح الأمة من استبداد القياصرة على الرغم من كثرة القراءة ووفرة المطبوعات.

وموضع العجب عند بعض الناس أن يوجد بين الشيوعيين صهيونيون أصحاب ملايين، وإنما يعجب المتعجب من هذا لاعتقاده أن الشيوعية والثروة المالية ضدان لا يجتمعان.

ولكن الواقع أن اشتغال الصهيوني صاحب الملايين بالدعوة الشيوعية مسألة طبيعية معقولة ليس فيها موضع للعجب على وجه من الوجوه.

فالشيوعية تريح الصهيونيين من أكبر العقبات التي تحول بينهم وبين السيادة على العالم، وهي عقبة الأديان وعقبة الأوطان.

والصهيونيون لا يصدقون في دخيلة نفوسهم أن الشيوعية تقضي على سلطان الأموال ولا على الحيل الاقتصادية، فإذا استراحوا من مقاومة الأديان لهم ووقوف الأوطان في وجوههم لم يبق بعد ذلك حائل بينهم وبين السيادة على العالم عن طريق الحيل الاقتصادية واللعب بالصفقات بين الشعوب.

ومتى أضفنا إلى ذلك أن الصهيوني الشيوعي لا ينفق من ماله بل ينفق من مال غيره، ويستفيد كما يستفيد الوسيط الماهر بين الأخذ والعطاء، فقد زال العجب كله، وأصبحت الشيوعية نوعًا من الصفقات التي تدر المكسب الجزيل على طلاب الأرباح.

على أنك تلقي نظرة واحدة إلى الصهيوني الذي ينشر الشيوعية في مصر والشرق فتعلم أنه فريسة لعلة نفسية تدفعه إلى هذه الحركة، وإن لم تدفعه إليها سليقة السمسرة وعقيدة الصهيونية.

فهو من الخلائق المهزولة الممسوخة التي تشعر أبدًا «بمركب النقص» ولا تستمرئ الحياة الطبيعية كما يستمرئها الأصحاء ذوو الخلق السوي والفطرة المستقيمة، وأمثال هؤلاء يطلبون تعويض النقص، وينقمون على كل موجود، وتستهويهم كل حركة تفسد الجو وتعجل بالهدم والانقلاب.

ويندر أن ترى شيوعيًّا لا ينطوي على مركب النقص ودخيلة الحقد والكراهية، فإنهم ينبعثون في حركتهم عن كراهة للأقوياء والأغنياء لا عن محبة للضعفاء والفقراء، وحسبك أن تعرفهم في حياتهم الشخصية لتعرف أنهم لا يدعون إلى خير ولا يهتمون بخير، وأن مستقبل النوع الإنساني عندهم لا يساوي شيئًا إذا اشتفت صدورهم من الحسد وشبعوا من شهوة الهدم والتخريب.

فمن أراد أن يضع الشيوعية الماركسية في موضعها الصحيح فليضعها إلى جانب النبوءات والعقائد، ولا يحسبها مع المذاهب الفلسفية وبرامج الإصلاح.

ولكنها نبوءة كاذبة وعقيدة لا تشرف الإنسان … لأنها تعتمد على أخس ما فيه وهو الحسد والشر وإنكار كل شيء في الحياة غير ضرورات المادة ومطالب الحيوان.

ولو ظهرت عقيدة بين البهائم العجماء لما كانت أقل من هذه العقيدة «الوسخة» لا في المقاصد ولا في الأصول.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (3)

  • default avatar
    Ahmed Saber ·٢١ أغسطس ٢٠١٥، ٣:٢٤ ص

    هل يمكنكم من اتاحة مثل تلك المقالات بصيغة ال PDF ليتسني لنا حفظها وقرأتها اكثر من مرةشكرااا

  • default avatar
    Ahmed Saber ·٢١ أغسطس ٢٠١٥، ٣:٢٤ ص

    هل يمكنكم من اتاحة مثل تلك المقالات بصيغة ال PDF ليتسني لنا حفظها وقرأتها اكثر من مرةشكرااا

  • default avatar
    Ahmed Saber ·٢١ أغسطس ٢٠١٥، ٣:٢٤ ص

    هل يمكنكم من اتاحة مثل تلك المقالات بصيغة ال PDF ليتسني لنا حفظها وقرأتها اكثر من مرةشكرااا