وإذن فلَمْ يأذن الله لوزير الداخلية القيسي باشا أنْ يستريح ولا أنْ يريح، فما زال مضطرًّا إلى حشد الشرطة وتعبئة الجند، وما زال مضطرًّا إلى أنْ يُنْفِق من براعته الحربية حظوظًا عظيمة ومقادير هائلة؛ ليحتل المحطات، ويراقب القطارات، ويذود الناس عن الطريق التي يمر منها رئيسُ الوفد، وما زال مضطرًّا إلى أنْ يقضي بياض النهار في مكتبه، يتلقى الأنباء عن رحلة الرئيس، كما يقضي القائد العام للجيش المحارب بياضَ النهار في معسكره، يتلقَّى أنباء الزحف وأخبار الدفاع والهجوم!

وإذن فلَمْ يأذن اللهُ لرئيس الوفد أنْ يغدو ويروح ولا أنْ يسافر ويقيم، كما يغدو غيره من الزعماء ويروحون وكما يسافر غيره من الزعماء ويقيمون في البلاد التي تعرف الحرية والنظام، وإنما هو مراقب حين يغدو ومراقب حين يروح، تسبقه الشرطة وتلحقه وتحيط به، مهما ينتقل من بلد إلى بلد، أو من مدينة إلى مدينة.

وإذن فلَمْ يأذن اللهُ للشعب المصري أنْ يكون حرًّا في حب مَنْ يحب وبغض من يبغض، وتأييد من يؤيد وخذلان من يخذل، وإنما يفرض عليه الحب فرضًا، ويضرب عليه البغض كما تُضرَب الأموال على المنقول والثابت من الأشياء والعقار.

ولَمْ يأذن الله لهذا الشعب المصري أنْ يجتمع أو يتفرَّق دون أنْ تُشرَع في وجوهه العصي، وتُصوَّب إلى صدوره الحِراب، وتَهْوِي على رءوسه وأبدانه السياط.

وإذن؛ فماذا صنع الإنجليز منذ أربعة أعوام؟! وماذا صنع أصدقاء الإنجليز منذ أربعة أعوام؟! وفيمَ كانت كل هذه الجهود؟! وفيمَ كان كل هذا الظلم؟! وفيمَ كان كل هذا الفساد؟!

إنَّ الشعب المصري لم يذلَّ بَعْدُ، وإنَّ الوفد المصري لم ينحلَّ بعد، وإنَّ الخوف من الشعب والوفد لا يزال يُؤرِّق ليالي الوزراء وينغص أيامهم، وإنَّ الخوف من الشعب المصري والوفد المصري لا يزال يُسخِّر الشرطة والجند للعمل في غير حاجة إلى العمل، والبطش في غير مقتضٍ للبطش، والقسوة في غير داعٍ إلى القسوة.

وإذن؛ فماذا يريد الإنجليز؟! وماذا يريد أصدقاء الإنجليز؟! وكيف يطمع أولئك وهؤلاء في إذلال شعب لا يريد أنْ يذل، وفي إفناء أمة لا تريد أنْ تفنى؟!

ما حب الظلم للظلم؟! وما حب القسوة للقسوة؟! وما حب الفساد للفساد؟!

ما بال قوم يأخذهم الإخفاق من كل مكان، وتتمثل لهم أشباح الفشل في كل وجه، ويكتب الله عليهم الخذلان في كل حركة ثم هم لا يتعظون ولا يعتبرون، ولا يكفون عن الشر ولا يريحون أنفسهم من هذا العناء العقيم؟!

أأصبح الظلم الذي لا يغني، والعسف الذي لا ينفع، والقسوة التي لا تفيد صناعةً من الصناعات يعيش منها الناس، ويتخذونها غرضًا من أغراض الحياة؟!

ما هذا الذي حدث أمس، حين انتقل رئيس الوفد إلى مصيفه في الإسكندرية؟! ما بال الوزراء ينتقلون، فيودعهم الناس كارهين؟! وما بال الزعماء ينتقلون، فلا يودعهم الناس طائعين؟!

مَنِ الذي زعم أنَّ الوزراء أَحَقُّ بالحرية وأَحَقُّ بالأمن من بقية المصريين؟! من الذي زعم أنَّ أذناب الوزراء وعبيدَهم أَحَقُّ بالحرية من بقية المصريين؟! مَنِ الذي زعم أنَّ نفوس هؤلاء الأذناب وأجسامهم أَكْرَمُ على الشرطة من نفوس بقية المصريين وأجسامهم؟!

مَنِ الذي أباح لوزير الداخلية القيسي باشا — وهو فرد من أفراد الشعب — أنْ يقيم في الإسكندرية متمتعًا بنعمة الراحة، وجمال البحر، واعتدال الجو، ولطف النسيم، وأن يصدر إلى الشرطة هذه الأوامر التي تذل شعبًا بأَسْرِه، وتهين أمة كاملة، وتعرض المصريين لاحتمال العنف والبطش والأذى، والموت أيضًا؟!

مَنِ الذي حكَّمَ القيسيَّ باشا وأعوانَ القيسيِّ باشا في نفوس المصريين ودمائهم وأجسامهم، يمضي فيها أوامر لا يبيحها له الدستورُ ولا القانونُ؟! أين نعيش؟! وفي أي عصر نعيش؟! وعلى أي نظام نعيش؟!

ألم يأنِ لهؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أنْ يشعروا بأنهم لا يحكمون قطيعًا من الغنم والبقر، وإنما يخدمون شعبًا له عليهم السلطان، وليس لهم عليه سلطان، إنما هم نُوَّابُه في تنفيذ القوانين التي يشرعها ويرضاها؟!

متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أنَّ حياة أفراد الشعب ليست أهون على الشعب من حياتهم هم، وأنَّ دماء أبناء الشعب ليست أيسر على الشعب من دمائهم هم، وأنَّ الذي يقتل بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، وأن الذي يعتدي على فرد من المصريين فكأنما اعتدى على المصريين جميعًا؟!

متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم بأن دماء المصريين إن رخصت عند الإنجليز فلا ينبغي أنْ ترخص عند المصريين، وبأن المستعمرين إن وجدوا لذةً آثمةً في إذلال الشعب فإن المصريين يجب أنْ يجدوا اللذة في حماية الشعب من هذا الإذلال؟!

متى يفيق الوزراء من نشوة الحكم؟! فقد يظهر أنَّ هذه النشوة تنسيهم ما لا ينبغي أنْ ينسوا، وتُحمِّلهم ما لا يستطيعون أن يحتملوا.

إنَّ هذا الرجل الشهيد الذي فاضَتْ نَفْسُه أمس؛ لأنه أراد أنْ يُودِّع رئيس الوفد، وأن يؤدي واجبًا يفرضه عليه ضميرُه ورأيُه في خدمة وطنه، إنَّ هذا الرجل مصري لم يكن يحل لأحد أن يعرضه للموت.

فَلْيَنْظُرِ الوزراءُ في ذلك كله، ولْيَسْأَلِ الوزراءُ ضمائرَهم عن ذلك كله، أمنكر هو أم معروف؟ أمحظور هو أم مباح؟ ثم ليسأل الوزراء أنفسهم وضمائرهم أيهما أنفع لمصر وأجدى عليها؛ أنْ يبقى أبناؤها أحرارًا آمنين عاملين، أم أن يتعرض هؤلاء الأبناء للموت في الطريق؛ لتستمتع وزارة من الوزارات بحكم مهما يَطُلْ فهو منتهٍ إلى الزوال؟

في ذمَّة الله هذا الرجل الشهيد الذي ماتَ أمس فأثبتَ أنَّ مصر لم تَمُتْ، والذي صُرِع أمس فأثبت أنَّ مصر لم تُصرَع، وأنبأ الذين يريدون إذلالها وإفناءها بأنها أَعَزُّ من أنْ يمسَّها الذل، وأَخْلَدُ مِنْ أنْ يسعى إليها الفناءُ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.