أعلم أن الموت رصد لكل إنسان مقيم أو ظاعن، مطمئن أو عامل، متيقظ له أو غافل عنه. وأعلم كذلك أن كل نفس ذائقة الموت، وأعلم أن الله أنبأنا بذلك، وأنبأنا أن نفسًا من نفوس الناس لا تدري بأي أرض تموت.

كل هذا أعلمه ويعلمه الناس جميعًا؛ لأن الموت من أَوَّلِيَّات الحياة، ولكن هؤلاء الذين صُبَّ عليهم الموت ذات ليلة وهم وادعون آمنون، قد ناموا ونامت معهم آلامهم ولذاتهم، ونامت معهم آمالهم وأحلامهم، ونام معهم نشاطهم وجِدُّهم في سبيل الحياة لأنفسهم وأهلهم وللناس عامة.

ناموا ونام معهم كل أولئك وهم يقدرون أنهم سيُفيقون بعد ساعات؛ ليسلك الكبار منهم سُبُلَهم إلى العمل، ويسلك الصغار منهم سُبُلَهم إلى اللعب، وليأملوا ويحققوا ما يستطيعون تحقيقه من آمالهم، وليألموا ويخففوا ما يستطيعون من آلامهم.

ينتظرون الحياة!

أقول كل أولئك الذين صُبَّ عليهم الموت ذات ليلة وهم آمنون وادعون لا ينتظرون الموت وإنما ينتظرون الحياة، لهم علينا الحق كل الحق أن نسأل عن موتهم فيمَ كان؟ ولماذا كان؟! وعلى من تقع تبِعة هذه الكارثة التي دفنت آمالًا كثيرة وآلامًا كثيرة وأعمالًا كان من الممكن أن تكون وأن تنفع الناس قليلًا أو كثيرًا.

وما أقل اعتبار الناس بالموت الذي يرونه في كل لحظة من لحظات الليل والنهار والذي يقطع ما بين الموتى وما بين الدنيا من أسباب كثرت مشاهدتنا له، فألِفناه واطمأنَنَّا إليه وعرفنا أنه مكتوب علينا جميعًا فأعرضنا عنه وأقبلنا على جِدِّنا ولَعِبنا ننتظر أن يلقانا حين لا نستطيع له دفعًا ولا نستطيع منه إفلاتًا!

من قتلها؟

وألفنا كذلك أن نقول كلما رأينا الموت أو سمعنا به: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.» ثم نمضي بعد ذلك لما نحن في شئوننا كأننا لم نَرَ شيئًا ولم نسمع شيئًا، وكأننا لا نرجو أن يُلِمَّ بنا ما أَلَمَّ بغيرنا من الناس. وما أعرف أسخف من الإنسان الذي يرى الموت في كل لحظة من لحظات حياته فلا يكاد يُلقِي إليه بالًا إلا حين يُحِسُّ سَعْيَ الموت إليه، والموت ساعٍ إليه دائمًا صحيحًا كان أم مريضًا، قويًّا كان أو ضعيفًا، غنيًّا كان أو فقيرًا، عزيزًا كان أو ذليلًا.

وقُلْ إن شئت إني أحدِّثك بأشياء كثُر الحديث فيها حتى أصبحت وليس للحديث عنها معنى. قُلْ هذا وأنا أقوله معك ولا أجادلك فيه. ولكن سَلْ نفسك كيف وقعت بها أنباء هذه الكارثة التي يتحدث الناس عنها منذ أمس والتي روَّعت قومًا كانوا آمنين وأثكلت أمهات وآباء وأخوات وإخوانًا وبنات وأبناء، والتي وقعت فجأة، نام عليها الذين أثاروها ونامت عنها الحكومة أيضًا، فلم تحسب لها حسابًا، ولم نُلْقِ إلى أسبابها بالًا ولم تَحْتَطْ لحياة فريق من المواطنين.

ونحن نقرأ في القرآن الكريم أن ()، فمن الذي قتل هذه النفوس؟ ومن الذي يُسِّر له قتلها؟ وكيف السبيل بعد هذه الكارثة وبعد كوارث كثيرة أمثالها إلى أن يطمئن المواطنون إلى أنهم يعيشون في وطن متحضر، وأن لهم حكومة تقوم على حمايتهم ورعايتهم وتأمينهم أن يختطفهم الموت في غير حرب ولا مرض بطيء أو سريع.

كيف ناموا؟!

أما أنا فقد أُنبِئت بهذا النبأ صباح أمس، ولم أكن قرأتُه في صحيفة، وإنما ألقاه إليَّ بعض الناس، فلم أصدقه ولم أحفل به، حتى ألحَّ عليَّ مُنْبِئٌ بأنه لا يكذب ولا يغلو، فأسرعت إلى حيث وقعت الكارثة لأشهد بنفسي مكانها وآثارها. وعدتُ واللهُ يشهد ما اطمأنَّت نفسي إلى رضى ولا استقر هذا الشعور الثائر في قلبي نهار أمس وليلة اليوم.

ثم قرأت ما نشرت الصحف، فلم يزِد هذا الشعور إلا اضطرابًا واضطرامًا.

ولست أدري كيف نام أولئك الذين وَكَّلت إليهم الدولة حماية المواطنين من أن تَخِرَّ عليهم سقوف بيوتهم وأن يأتيهم الموت من فوقهم ومن تحتهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وهم آمنون مطمئنون لا ينتظرون الموت ولا يخشونه، وإنما ينتظرون الحياة وما يملؤها من آمال وآلام!

ولست أدري ما يضطرب في نفوس هؤلاء السادة ولا ما تحدثهم به ضمائرهم حين يخلون إليها، ولكني أقطع بأن كثيرًا منهم سيمرون بهذا الموت كما يمرون بالموت دائمًا لا حافلين به ولا آبهين له ولا مفكرين فيه، وسيقولون كما يقول الناس: آجال حلَّت ولم يكن منها بُدٌّ، وعسى أن ترتسم الابتسامات على شفاههم حين تعرض لهم أسبابها، وعسى أن تمتلئ حلوق بعضهم وأفواههم بالضحك حين يعرض لبعضهم ما يدعوه إلى الضحك. ولو قدروا تبعاتهم حق قدرها لما وجد النوم والضحك والابتسام والهدوء إليهم سبيلًا.

الشهداء

وقد أنبأنا النبي الكريم أن الذين يموتون محاربين أو يموتون في الحريق أو يدركهم الغرق أو يموتون تحت الردم شهداء. والشهداء مخاصِمون؛ يلقون الله يوم القيامة على الحال التي فارقوا عليها حياتهم الدنيا ويتهمون قاتليهم أمام ربهم، فيجزيهم الله ما يجزي الشهداء من نعيمه ورضوانه، ويجزي قاتليهم ما يجزي القاتلين العامدين إلى القتل من العذاب الذي لا مَرَدَّ له ومُنصرف عنه.

لقد كنت أظن أن في مصر وزارة لا تأذن بإقامة الدُّور ولا تأذن خاصة بإقامة الصروح الضخمة المشيدة، إلا أن تستوثق للذين سيسكنونها والذين سيقيمون حولها والذين سيمرون بها ليلًا أو نهارًا. وكنت أظن أن هذه الوزارة لا ينبغي لها أن تستوثق قبل أن تأذن ثم ترضى عن نفسها، وإنما تلاحظ وتفتش وتتحقق بين حين وحين من أن هذه الدور وهذه الصروح ما زالت صالحة ليسكنها الناس ويقيموا حولها ويمروا بها.

كنت أظن هذا كله، وكنت أطمئن إليه كما يطمئن إليه غيري من الناس، ولكن هذه الدور الكثيرة التي تنهار على من فيها فيُقتل تحت ردمها من يُقتل ويُجرح من يُجرح وينجو من ينجو؛ كل ذلك ينبئني وينبئ غيري من المواطنين بأن هذا الظن كان كاذبًا وبأن هذا الاطمئنان كان اطمئنانًا إلى الوهم.

وإذن فليحتطِ المواطنون لأنفسهم ولتنظر الحكومة في وزاراتها هذه؛ عسى أن يهديها الله إلى أن تصلح من أمرها فتصدُق فيها الظنون، ويمكن الاطمئنان إليها، ويأمن الناس أن يخطفهم الموت ذات نهار وهم آمنون أو ذات ليل وهم نائمون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.