أكتب إلى قراء السياسة الأسبوعية من بودابست عاصمة المجر، وليس غرضي أن أصفها لهم؛ فقد وصفتها من عشر سنوات ماضية، ونشرت وصفها في كتاب «ولدي» بعد ذلك، إنما أريد أن أذكر لهم أنني غادرت باريس إليها فمررت في طريقي بألمانيا والنمسا قبل أن أبلغها، وفي ألمانيا لا سبيل إلى قبول عملة غير العملة الألمانية، ولا سبيل إلى التعامل أثناء اجتياز النمسا بغير العملة النمساوية، فإذا بلغت المجر لم يكن لك بد من أن تتعامل ﺑ «البنجو» المجري، هذا وأنت طول الطريق في عربة واحدة قامت من باريس وبلغت بودابست، والعملة مع ذلك أيسر خطبًا من اللغة، لقد نزلت بودابست فلم تنفعني العربية إطلاقًا، ولم تنفعني الفرنسية ولا الإنكليزية حتى بلغت الفندق الذي أكتب منه هذا المقال: فندق بلاتيش، وأردت أن أذهب في الصباح إلى مؤتمر المياه المعدنية الذي دُعيت له، فذهب بي السائق المجري إلى مؤتمر العيد المئيني للجمعية الطبية المجرية، ولم أتبين الخطأ ساعة نزلت، وتحدثت باللغتين الفرنسية والإنكليزية إلى مَن لقيت، ولم يَبْدُ لي أنه يفهمهما، وخرجت من حديثي بشارة للمؤتمر وبرنامج لأعماله وزيارته، فلما حضرت الاجتماع وسمعت الخطباء يتكلمون بالمجرية تداويت عن سماع ما لا أفهم بمراجعة البرنامج، فإذا هو برنامج المؤتمر الطبي! ثم سمعت خطيبًا يتكلم بالفرنسية وآخر يتكلم بالإنكليزية عن هذا العيد المئيني للجمعية الطبية المجرية؛ فحمدت للقدر على أنني فهمت غرض الاجتماع، وإن لم أفهم شيئًا مما ذكره البرنامج عن الطبيب العالمي المعروف الدكتور إيزلسبرج النمسوي، ولعلي لو كنت طبيبًا لأدركت بالإشارة ما لا يدركه غير الطبيب من شئون الطب.

وقد فهمت من عبارة ألقاها أحد الخطباء أنه ينوب عن جمعية استوكهلم الطبية، فلما أتم كلمته بالإنكليزية، حمدت له أنه لم يتعصب للغة بلاده، ولم يتكلم السويدية أو الإسكندنافية، لا أدري.

وذكرت وأنا أسمع هذه اللغات المختلفة مبلغ حرص الناس على ما بينهم من اختلاف، ومبلغ اعتزازهم به واعتبارهم إياه لاصقًا بكرامتهم؛ فهؤلاء الذين يتكلمون المجرية اليوم كانوا يتكلمون الألمانية فيما قبل الحرب إن لم تخُنِّي الذاكرة، أما اليوم فهم يعتزون بقوميتهم ويريدون المجرية كما أُنزلَت على نحو ما يقولون، شأنهم في ذلك شأن الأتراك الذين يريدون أن يتخلصوا من كل ما يسمونه دخيلًا على لغتهم من العربية والفارسية، وأن يعيدوها تركية طورانية مصفاة لا تعرف غير أصلها الذي يزعم الأتراك أنه مستمد من الشمس؛ وأن لغتهم لذلك هي اللغة الأصلية للإنسانية. ولقد يعجب الإنسان لهذا التناقض في النزعة الإنسانية تناقضًا بدا واضحًا جليًّا بعد الحرب الكبرى، وهو مع وضوحه وجلائه مطرد السيرة، يكاد يدل على أن هذه الإنسانية الحاضرة أشد حماقة من كل إنسانية سبقتها.

فالناس في أنحاء العالم ينادون بضرورة السلام وتوطيد أركانه، ويرونه الأمر المحتوم إذا أريد بالحضارة أن لا تتدهور، وسبيل السلام التفاهم؛ فما لم يصل الناس إلى اتفاق على الأمور الجوهرية في الحياة — سواءٌ منها المعنوي والمادي — فهم لا ريب مختلفون فمقتتلون، على أن النداء الذي يصدر منهم جميعًا يقابله عمل إجماعي ينقضه من أساسه، فتغذية فكرة القوميات على النحو الذي نراه في اللغات وفي غير اللغات سبب جوهري من أسباب الخلاف، والتعصب لهذه القوميات يزيد هذا السبب مناعة وقوة، والاعتزاز بها إلى حد اعتبار كل جماعة هم الذين فضَّلهم القدر على غيرهم يضاعف هذه المناعة ويؤكد عوامل الخلاف، وزيادة عدد اللغات والسعي المتصل لجعل كلٍّ منها مستقلة بذاتها أثر من آثار التعصب للقوميات، وهو بعد لا يقرب بين بعض الأمم وبعض، وقد أضافت الحرب عاملًا جديدًا هو التعصب للأديان، فاليهود يريدون أن يكونوا أمة لها كيانها على اختلاف عناصرها وأمزجتها ولغاتها، وبعض الشعوب الأوروبية تحارب اليهود باسم محاربة «السامية» وتُبدي لذلك من التعصب للآرية ما كان موضوعًا لسخرية كثير من العلماء قبل الحرب، هذا إلى ألوان أخرى من الخلاف يعمل الناس في مختلِف أنحاء البسيطة لتوكيدها، وكل هذه العوامل أسباب للنزاع وللحرب، والناس مع ذلك لا يفتَئُون ينادون بأن السلام غايتهم، وبأنه ضرورة للإنسانية إذا أريد للحضارة أن تستقر وأن تسير في سبيل التقدم لتبلغ غاية ما تطيق القوى الإنسانية أن تبلغه.

وبينما تنفَق هذه الجهود لتدعيم أسباب الخلاف إذا المؤتمرات تُعقَد للتقريب بين الناس وتبادل الرأي فيما ينفعهم، فهذا مؤتمر طبي يُعقَد في بودابست، وهذا مؤتمر آخر للمياه المعدنية يُعقَد فيها، والذين يحضرون هذين المؤتمرين يمثلون من الأمم ما يكاد يجمع القارات الخمس، وهذا في باريس معرض دولي عام عَرضت فيه كل أمة من أمم الأرض ثمرة جهودها وخير ما فيها، والمؤتمرات والمعارض تتوالى في الدول المختلفة، ومصر من بينها، ما بين حين وحين. والذين يحضرون هذه المؤتمرات من أمم الأرض المختلفة يتحدثون جميعًا عن التعاون المشترك بين بني الإنسان جميعًا، وعن الثمرات التي تجنيها الإنسانية من هذا التعاون المشترك، وهم — إذ يقولون هذا القول — بحاجة إلى من يترجم لبعضهم ما قال البعض الآخر، وعن النتائج التي اهتدى إليها البعض الآخر في بحوثه لفائدة الإنسانية كلها، ومعنى ذلك أن أسباب الخلاف في النزاع بينهم تبدو جلية لمن يريد أن يراها في الساعة التي يذكرون فيها فائدة التعاون وعظيم ثمراته، أفيكون معنى ذلك أن هذا الخلاف طبيعي فيهم؟ أم يكون معناه أن الخلاف ضروري لإيتاء الثمرات التي يفيد منها الجميع، وأنهم لو اتفقوا وتعاونوا متفقين لَمَا أفادت الإنسانية من ثمرات اتفاقهم بعض ما تفيده من ثمرات خلافهم؟

قد يبدو هذا السؤال عجيبًا، وهو عجيب حقًّا في نظر الدعاة إلى السلام العام، لكن الجواب عليه بالإيجاب يبدو أكثر اتفاقًا مع العقيدة الحاضرة في حياة الإنسانية، قل: هي عقيدة مريضة، أو الْتَمِس لها ما شئت من صور، فذلك ما لا يكاد يختلف عليه رجلان، بل إن من الناس من يذهب إلى أن الحرب الأخيرة قد أفادت الإنسانية فائدة جُلَّى تعادل ما خسرته أثناءها من أرواح وأموال أضعافًا مضاعفة، وهؤلاء يرون أنه لولا الحرب لَمَا تحقق بالفعل — ولفائدة الجميع — ما كان أملًا بل أمنية بل خيالًا قبل الحرب، فالطيران قد تقدم في عشرين سنة تقدُّمًا فاق ما أمَّله المؤملون، والإذاعة اللاسلكية أصبحت حقيقة ملموسة وكانت قبل الحرب خيالًا أو أمنية، ونحن الذين أدركوا ما قبل الحرب وما بعدها نحس هذا الفرق الشاسع بين طمأنينة الركود ويقظة النشاط، أفتكون الصيحة في سبيل السلام هي الخيال وتكون حياة الإنسانية حياة نضال؟ وإذا صح ذلك، فهلا يجب على الأمم أن تنبذ هذا الخداع وأن تكتفي من التعاون بهذه المؤتمرات التي يتبادل فيها الناس الآراء من غير أن يثني ذلك كل أمة منها دون الاستعداد للحرب احتفاظًا بقوميتها وباستقلالها وحريتها.

الحوادث الجارية في العالم اليوم تدل كلها على هذا وتشهد به، فقد قامت إنكلترا تناصر عُصبة الأمم على أنها أداة السلام العالمي الفعالة، فاتُّهمت بأنها إنما تناصر فكرة السلام ممثلة في عُصبة الأمم، وفي عدم التسليح لتحتفظ بالإمبراطورية دون أن تبذل في سبيل ذلك مجهودًا يُذكر، ولقد عدلت إنكلترا عن برنامج السلام إلى برنامج الحرب، وهي الآن تنفذ هذا البرنامج بكل ما أوتيت من قوة واستعداد. واستعداد إيطاليا مضرب المثل، وألمانيا التي شنَّت عليها في الحرب الكبرى غارة واسعة النطاق من الدعاية، والتي نُزع سلاحها في أثر الحرب حتى تقلم أظفار الروح الحربي فيها، قد عادت إلى تسلُّحها وصار كل ألماني جنديًّا مستعدًّا غدًا للاشتراك في الحرب، وذلك الشأن في الدول الكبرى جميعًا، وقد بطش ذلك بأنشودة السلام فأخفَتَ صوتها وأضعف المنادين بها، وعُصبة الأمم أدنى إلى أن يكون عملها الوساطة لمنع الحرب وساطة عديمة الجدوى، ولولا ما تقوم به من العمل في الشئون الاجتماعية والاقتصادية ما إليها لكان وجودها اليوم أشبه بوجود الأكاديميات: المظهر فيه يحجب الجوهر ويكاد يقضي عليه، وأن كثيرين ليتكهنون اليوم عن الحرب المقبلة متى تكون، ويذهب بعضهم فيحدد لها موعدًا قبل انقضاء هذا العقد الرابع من القرن العشرين.

وهؤلاء جميعًا لهم العذر، للمتكهنين عذرهم عن تكهنهم، وللدول عذرها عن استعدادها للحرب، وهؤلاء الذين يعملون لتنمية الروح القومي والاعتزاز به لهم كذلك عذرهم، لكن ذلك ليس معناه أن السلام خيال لا سبيل إلى تحقيقه، وإنما معناه أن الإنسانية بحضارتها الحاكمة اليوم لم تَسْمُ بعدُ إلى إدراك أسباب السلام، ولا أدل على ذلك من أنها تقيم حياتها وتقيم العلاقات بين الناس بعضهم وبعض، والأمم بعضها وبعض، على عوامل الخلاف والنزاع والبغضاء بدل أن تقيمها على أسباب التفاهم والوُد والمحبة. بين الأديان عناصر جوهرية كثيرة تتفق فيها، بل يكاد الإنسان يقول إن العناصر الجوهرية في الأديان متفقة، لكن الناس يذرون ما اتفقت الأديان عليه ولا يتخذونه أساسًا لتفاهمهم، ويكبرون ما بين الأديان من خلاف ويجعلونه سبب النزاع والحرب، وكأنما ضاقت الإنسانية ذرعًا بأن يكون الخلاف بين أديانها الأساسية؛ فجعلت كل دين مذاهب، وجعلت أهل كل مذهب يختلفون مع غيرهم على أمور كثيرًا ما لا تقدم ولا تؤخر، ثم هي مع ذلك قد أثارت الثورة وأنشبت بين الأمم الحرب، وخُيِّلَ للإنسانية حينًا أنها فرغت أو يجب أن تفرغ من مشاحنات الأديان بما تواضعت عليه من الدعوة إلى حرية الرأي والعقيدة، لكنها إنما فعلت ذلك لتقيم منازعاتها على أساس مادي بحت، أساس توزيع الثروة بين الأفراد وتوزيعها بين الأمم، وثروة العالم ضخمة هائلة لا حدود لها، ولو أن الإنسانية تعاونت في تثميرها لعاش الجميع في بحبوحة وفي رخاء، لكن الناس يجب أن يكون بينهم الغني والفقير، ويجب أن يقتتلوا جماعات إن لم يقتتلوا أفرادًا، ولا تأبى أمة أن تغزو أخرى؛ لأن العيش ضاق بأبنائها على وطنهم كأنما لا يستطيع أبناؤها العيش في غير وطنهم إلا إذا غزوا غيرهم، أو كأنما ضاق بهم العيش بالفعل وأرضهم ما تزال قديرة على أن تعول أضعافهم.

إلى أن يقوم في الإنسانية من يدلها — عن إيمان — على أنها تستطيع أن تعمل وأن تثمِّر ما في الأرض، وأن توجه جهود العلم إلى ما في الكون كله، وأنها تستطع أن تعيش عيش إخاء ومودة ومحبة؛ إلى يومئذٍ سيبقى الناس يلتمسون أسباب الخلاف بينهم التماسًا، بل يخلقونها خلقًا، وهذا ما يفعلونه اليوم، ولشد ما أخشى أن يظل ذلك أمر إنسانيتنا زمنًا طويلًا، فهي بعدُ ما تزال تخضع للجهل وظلماته، وما يزال بينها وبين نور العلم الصحيح أمد طويل.

أليس حَرِيًّا بالأمم التي تبلغ من العلم هذه المرتبة المتواضعة التي بلغتها أوروبا أن تدأب لتبلغها ليكون لها فضل في تقريب الإنسانية من السلام.

هذا سؤال ألقيه على ساسة أمم الشرق لعلهم يتدبرونه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.