سيدتي الآنسة: تجمع نفسك إلى وداعة الأوانس لطفهن وشيئًا من دقة الحس ورقة الشعور اللتين هما مصدر ما يمتاز به العقائل الحسان من مودة ورحمة، ومن بر وعطف، ومن رأفة وإشفاق.

أحْمَدُ منك هذا الخُلق، وأحمد ما ترين في الحياة من رأي ليس بالمشرق الضاحك، ولا بالمظلم العابس، وإنما هو اعتدال بين منزلتي الغلو في الأمل والإغراق في القنوط. سأم حلو تومض في جوانبه من حين إلى حين لمح وضاءة من نور الطمأنينة والرضى، وتظهر عليه من آن إلى آن مظاهر القوة والحياة.

هذه شخصيتك العقلية والخُلقية يمثلها لي أصدق تمثيل حديثك العذب، ورسائلك الرشيقة. وإلى هذه الشخصية أريد أن أُهدي هذه الفصول في حياة الخنساء.

فيك وجدت المثل الأعلى لما أتمنى من حياة عقلية لأوانس الشرق، فأردت أن أوثر نفسي بالحديث معك مرة في كل أسبوع.

ولقد أعلم أني رجل أثر، أحب نفسي أشد الحب، وأختصها بالخير ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، ولكني أردت في هذه المرة أن أجمع بين لذة نفسي ولذة نفسك في هذا الحديث؛ فجعلت موضوعه حياة الخنساء.

يرضيك هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة المرأة ونبوغها، وما تركت من أثرٍ في حياة العقل والشعور، ويرضيني هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة الآداب.

يرضيك لأن البحث عن الخنساء بحث عن أخص ما امتازت به المرأة من رقة الحس ونبل العاطفة، ومن كرم الخُلق واعتدال المزاج، ويرضيني لأن درسه درس لما اشتمل عليه العصر الجاهلي وصدر الإسلام من حقائق غامضة في الأدب والتاريخ لم يستكشفها الأدباء، ولم يصل إليها المؤرخون.

يعجبك لأن الخنساء ابنة الطبيعة الصريحة الساذجة: لا أعرف أنها تكلفت، أو تعسفت، أو اتخذت التصنع مذهبًا، ولأنك كثيرًا ما ضقت بهذه الحياة الحضرية، ووددت لو أتيح لك تجنبها من حين إلى حين، ويعجبني لأنه يكفل لي هذه الحياة الروحية العذبة التي يشعر بها الإنسان الحساس حين يتحدث إلى آنسة نبيلة ذكية القلب في موضوع نافع مفيد.

المرأة موضوع هذه الفصول، وإليك فيها أسوق الحديث، وليس أحب إليَّ ولا آثر عندي من أكون مفيدًا للآنسات في لحظة من لحظات الحياة.

غير أن بي أيتها الآنسة عيوبًا يأخذني بها الناس، وربما أخذت نفسي بشيء منها، فإذا كان يعجبك أن أتحدث إليك؛ فلا بد من أن تروضي نفسك على الإغضاء عن هذه العيوب.

أنا مكثر مطيل، ولكني لا أكثر ولا أطيل إلا حين اضطر إلى تحقيق مسألة غامضة، وشرح معنى خفي، وأنا صادف عن القديم كلِفٌ بالجديد، ولكني لا أصدف عن القديم إذا كان حقًّا نافعًا، ولا أكلف بالجديد إذا كان باطلًا مؤذيًا.

البحث عن الخنساء وحياتها ليس بالأمر الجديد؛ فالناس يروون أحاديثها منذ القرن الأول للهجرة إلى الآن، ولكن هذا البحث الذي أهديه إليك طريف من كل وجه.

طريف في منهجه وخطته، طريف في غايته ومقصده، طريف في أنه حديث معلن بين شاب وآنسة في حياة الآداب.

لن أسلك في هذا البحث طريق الرواية وجمع الأخبار، ولا طريق الفلسفة التاريخية التي لم تعتمد على قاعدة ثابتة ولا أصل صحيح.

أرى رأي (تين) في أن الخنساء ليست إلا ثمرة من ثمرات عصرها، وأثرًا من آثار بيئتها التي أنشأتها، وعلى ذلك لا أكفل الثقة بكتب الأدب والتاريخ إذا كان البحث عن عصرها وبيئتها ينتج غير ما اشتملت عليه.

على أني لا أجعل حال العصر والبيئة كل شيء، ولا أغلو فيهما غلو هذا الناقد الحكيم، بل أنا أقدر معهما الحال النفسية للفرد والجماعة قدرها؛ فإذا بحثت عن شعر الخنساء بحثت عنه من حيث إنه نتيجة لمؤثرات كثيرة يجمعها عنوانان اثنان؛ أحدهما: البيئة، وهي تجمع الزمان والمكان والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وكل أمر خارجي يمكن أن يكون قد ترك في نفس الشاعر أثرًا ما.

الثاني: الحالة النفسية، وإنما أريد بها ما عسى أن يكون للشاعر من شخصية انبعثت عن نفسه، وليس من وسيلة تاريخية أو علمية إلى تحقيق الصلة بينها وبين البيئة.

فمن الحق أن للشاعر المجيد والكاتب النابغة شخصية تميزه من أهل عصره وبيئته، ومن الحق أن شعر الشاعر وكتابة الكاتب مظهر هذه الشخصية، فلا بد من الاعتراف بهذين المؤثرين فيما يترك الشاعر والكاتب من منظوم ومنثور.

لست أذهب مذهب المؤرخين من قومنا الذين يعدون كل ما ورد عن العصر القديم تاريخًا، كأن لفظ التاريخ عندهم لا يدل على أكثر من ذكر الماضي، إنما التاريخ عندي ما له مصدر مكتوب، فإذا وقع إليَّ هذا المصدر استطعت أن أنقده وأُمحِّصَه؛ فإذا انتهى بي نقده وتمحيصه على النهج التاريخي إلى حق لا شك فيه؛ استطعت أن أعترف بأني قد اهتديت إلى حقيقة تاريخية، فإذا بلغت هذه الحقيقة تناولتها بما قدمت من الدرس الأدبي إن كانت تصلح له موضوعًا.

وليس معنى ذلك أني ألغي ما ليس مكتوبًا من آثار العهد القديم وأجحد قيمته؛ لأنه ليس من حقائق التاريخ، بل معناه أني أدرس هذه الآثار على نحو خاص من الدرس، وأستخلص منها قضايا، ربما كانت حقًّا، وربما كانت أدنى إلى الحق، فالفرق بين هذه القضايا وبين قضايا التاريخ أن الثقة المطلقة بها أمر غير ميسور.

على ذلك أيتها الآنسة نضع المسألة الأولى من مسائل بحثنا عن الخنساء وحياتها الأدبية، فهل هذه السيدة شخص تاريخي؟ لا.

ليست الخنساء شخصًا من أشخاص التاريخ؛ لأن أخبارها وحوادث حياتها لم تدون إلا بعد أن مضى عليها أكثر من قرن؛ فمن الجائز، بل من الحق الذي لا شك فيه أن أخبارها وآثارها قد عبث بها النسيان، فنقص منها ما لو بقي لنا لهدانا إلى شيء ربما كان ينفعنا في الدرس، أو قد بالغ فيها الخيال فزاد فيها ما عسى أن يُخفي علينا من أمرها وجه الصواب.

الخنساء إذن شخص يبحث عنه علم ما قبل التاريخ C’est une personne l’egendaire.

وسنتحدث في الأسبوع المقبل عن المصادر التي يصح الاعتماد عليها في درس هذا الشخص، وظني أننا سنوفق إلى شيء مفيد.

ترين، أيتها الآنسة، أن هذا البحث، وإن لم يكن جديدًا بالقياس إليك وإلى طائفة من شباب النهضة الحديثة، فهو بدعٌ بالقياس إلى رجال المدرسة القديمة من شيوخ الآداب.

ولعمري ليس من اليسير عليَّ أن أتجنب ما ألف شيوخنا، لولا أنه لا يهدي الآن إلى شيء. وأظنك قد قرأت ما كتبوا واستقصيته الاستقصاء كله كما قرأه منا نفر غير قليل، وأرى مع ذلك أنك لن تستطيعي أن تتمثلي منه للخنساء صورة صادقة، أو قريبة من الصدق، كما أنَّا لم نستطع أن نتمثلها من قبل.

سيسخط عليَّ الشيوخ وسيغضبون، ولكني محتمل سخطهم وغضبهم في سبيل إرضائك، أيتها الآنسة العزيزة، وإرضاء أترابك من شباب النهضة، وفي سبيل الوفاء للغة العربية بهذا النحو الجديد من البحث عن حياة الآداب، فإلى اللقاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.