في حقيبة البريد — هذا الأسبوع — شيء عن عمر، وشيء عن الفن الجميل.

أما الشيء الذي عن عمر فقد أسفت لما فيه من سوء الفهم وسوء الأدب، ولو شئت لأغفلته ولم أنظر إليه، ولكن دواعي الأسف ترجع إلى مَن كتَبه لا إلى مَن كُتِب إليه، وقد يكون من عُذر السن لمن كتبه أن ننظر في علته، عسى أن يكون فيها ما يُعالج وما ينفع فيه العلاج.

والعلة الكبرى أن تنطوي نفوس ناشئة على هذه الخلة التي تتصيد أسباب الاستياء والإساءة، وهي قادرة على أن تصحح شعورها لو كان يعنيها هذا التصحيح؛ لأن الأمر لا يحتاج منها إلى أكثر من الفهم البسيط والفهم المستقيم.

ففي رسالة من طالبات في بعض المدارس الثانوية يسأل الكاتبات: كيف تثبت أن ديننا يحل الرشى؟ هل تأتي بآية من كتابنا تدل على أننا نحلها؟

وقد أشار الكاتبات إلى ما جاء في الصفحة اﻟ (١٤٢) من عبقرية عمر، عن رأيه في استخدام بعض الذميين من أبناء عصره، وهو بنصه: «إنه لا يعدو النهي عن استخدام بعض الذميين.» ثم عللنا ذلك تعليلًا واضحًا لا لبس فيه؛ لأنه خطة سياسية تجري عليها جميع الأزمان مع جميع الغرباء، ولو كانوا من ديانة واحدة، فقلنا: «ما نظن أحدًا ينكر أن استخدام الغرباء عن الدولة خليق أن يحاط بمثل هذا الحذر، وأن تجتنب فيه مثل هذه الآفة؛ إذ يكثر بين المرتزقة الذين يخدمون دولة من الدول — وهم غرباء عنها كارهون لمجدها وسلطانها — أن ينظروا إلى منفعتهم قبل أن ينظروا إلى منفعتها، وأن يساوموا على نفوذهم قبل أن يستحضروا الغيرة على سمعتها، والرغبة في خيرها وخير أهلها، ولا سيما في زمن كانت الدول تُميز فيه بالعقائد قبل أن تُميز بالأوطان. وما من أمة في عهدنا هذا تبيح الوظائف العامة إلا بقيود وفروق تتفق عليها: أولها تحريمها على الأجانب ما لم تكن في استخدامهم منفعة عامة …»

وقد كان عمر ينظر إلى أناس معينين من طلاب الوظائف في ذلك الحين، وهم موظفو الدولة البيزنطية في أواخر أيامها، وكانت وظائفها يومئذٍ مضرب المثل في الرشوة والفساد وسوء الإدارة؛ فليس على الوالي الأمين من حرج أن يستريب بخدمتهم في الدولة الجديدة، وقد كانوا في دولتهم التي يدينون بالولاء لها يستبيحون الرشوة والانتفاع على حساب الدولة والرعية.

وفي عصرنا الحديث تحرم الحكومات استخدام الأجانب — ولو كانوا من ذوي الاستقامة — إذا كانت حكومتهم في موقف كموقف عمر من الدولة البيزنطية، فلا تسمح الحكومة الإنجليزية مثلًا باستخدام الألمان في إبان الأزمات السياسية، ولا فرق بين الإنجليز والألمان في أصل الدين، بل لا فرق بينهم في مذهب الكنيسة في بعض الأحيان.

وقد صنع عمر مثل هذا مع أجلَّاء الصحابة حين خامره الشك في إقبالهم على الدنيا، وصنع من قبله أبو بكر الصديق حين أوصاه في مرض وفاته فحذره: «هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله ﷺ الذين قد انتفخت أجوافهم، وطمحت أبصارهم، وأحب كل امرئ منهم لنفسه …» فلما خلفه عمر كان الصحابي من هؤلاء يسأله السفر، فيقول له: «إن خيرًا لك ألا ترى الدنيا وألا تراك» (ص٢٦٣).

فلا شأن لأديان الذميين بما صنعه عمر، وإنما هو حكم عام كان رضي الله عنه يلتزمه مع كل طالب وظيفة، ولو كان من أجلاء الصحابة المعدودين.

وليس عمر بالذي يقول السوء عن أوامر السيد المسيح ونواهيه؛ فإنه يتعلم من القرآن الكريم أن المسيح روح الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بوحي من الله.

أما الكاتب الذي ألَّف «عبقرية عمر»، فهو الكاتب الذي قال في كتابه عن الله وهو يذكر السيد المسيح: لقد «كانت بشارته أعظم فتح في عالم الروح؛ لأنها نقلت العبادة من المظاهر والمراسم إلى الحقائق الأبدية، أو نقلتها من عالم الحس إلى عالم الضمير. ولم يشهد التاريخ قبل السيد المسيح رسولًا رفع الضمير الإنساني كما رفعه، ورد إليه العقيدة كلها كما ردها إليه، فقد جعله كُفْئًا للعالم بأسره، بل يزيد عليه؛ لأن من ربح العالم كله وخسر ضميره فهو الخاسر في هذه الصفقة الخاسرة.

وماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ وماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟ إن الطهر كل الطهر في نقاء الضمير، فمناط الخير كله فيه، ومرجع اليقين كله إليه؛ فليس شيء من خارج الإنسان يدنسه، بل ما يخرج من الإنسان هو الذي يدنس الإنسان. وهناك حياته وبقاؤه، فليس حياته من أمواله إلخ إلخ» (ص١٤٧).

أقول هذا تفهيمًا وتأديبًا، ولا أقوله لملاطفة أو استرضاء؛ فإن الفتاة التي تسرع إلى الشتم والبذاء تستوجب التفهيم والتأديب، بل تستوجب الزجر الشديد، ولكنها لا تستحق الملاطفة ولا الاسترضاء.

***

وقد كان السؤال عن الفن الجميل أسئلة كثيرة، يدور بعضها على التصوير، وبعضها على التمثيل، ولا يتسع المقام هنا للكلام على التصوير؛ لأنه يحتاج إلى أمثلة من الصور المختلفة لا يتيسر عرضها في هذا المقام، فنكتفي بالسؤال عن التمثيل، وهو كما جاء في خطاب الأديبين صاحبي الإمضاء، قالا:

كانت إجابتكم في المطالعات أن التمثيل في مصر مقتلة للوقت، وأنه محاكاة فردية لهذه الصناعة، وأنه تمثيل للتمثيل.

ورجاؤنا أن تتفضلوا بالإدلاء برأي في المسرح المصري بعد هذا العمر الطويل الذي سلخه، وبعد أن ظهرت على خشبة المسرح فرق كثيرة انتهى أمرها جميعًا إلى الفرقة المصرية التي تعينها الدولة! ونرجو أن نعرف: هل حققت الفرقة المصرية رسالتها الفنية التي أُنشئت من أجلها؟ وما هي وسائل النهوض بالمسرح المصري …؟

محمد حسين الكاشف، أنور فتح الله، دبلوم في النقد والبحوث الفنية من المعهد العالي لفن التمثيل العربي

***

وخلاصة رأيي، بعد عشرين سنة من كتابة «المطالعات»، أن الاشتغال بالتمثيل قد أخرج لنا آحادًا من نوابغ الممثلين، ولكنه لم يخرج لنا فرقة كاملة يتم فيها التعدد، ويتم فيها التجانس مع تعدد الأدوار.

وأول ما يلاحظ على نوابغ الممثلين عندنا أنهم ينجحون في تمثيل النماذج العامة، ويندر بينهم من ينجح في تمثيل «الشخصيات» الخاصة، كما يُشاهد مثلًا في إعطاء «بول مني» لكلٍّ من شخصيات باستور، وإميل زولا، وفلاح الصين، والمجرم الهارب من السجن، والمخبول الذي يعيش بشخصية مزدوجة، وليست كلها نموذجًا واحدًا من الطبائع البشرية؛ لأنها تختلف في إعطائها وإخراجها أبعد اختلاف يقع بين إنسان وإنسان.

هذه القدرة قليلة عندنا إلى الآن، وعلتها أن الطراز العام هو الذي يفهمه عامة النظارة والمتفرجين، ولا بد للنجاح في الأدوار الخاصة من إدراك واسع لمناحي النفس البشرية، وأطوار الشخصيات المختلفة، يحبب هؤلاء النظارة والمتفرجين في تمثيل هذه الشخصيات إذا عُرضت عليهم؛ لأنهم يشعرون بما فيها من متعة الفوارق الدقيقة بين طبائع الإنسان.

وليس في طاقة الممثل أن يتفرغ لإحياء «شخصية» خاصة تكلفه الجهد واليقظة والدراسة الفنية والعلمية، إذا كان قصارى الأمر أنه «كله عند العرب صابون»، وأن المتفرج يقنع بما دون هذا الجهد، وقد يفضل الجهد اليسير على الجهد الكثير. هذه الآفة في التمثيل هي بعينها آفة فن الغناء.

فإنك تستطيع أن تسمع ألف أغنية، فلا ترى فيها ملامح الشخصية المختلفة، ولا تلمس فيها دقة التفصيل والتنويع؛ لأن التصنع فيها أبرز من الإحساس الأصيل. وهي آفة لا يلام عليها فن التمثيل المصري على انفراد؛ لأنها آفة المجتمع الذي لا يزال في طور التكوين والتنويع.

وإذا كان التمثيل المصري لم يُخرج لنا فرقة كاملة حتى الآن، فمما لا شك فيه أن المجتمع المصري لم يخرج لنا بعدُ جمهورًا كاملًا لتلك الفرقة إذا وُجدت على تمامها، أو تم فيها التعدد والتجانس بين جميع الأدوار.

فليس عندنا الآن جمهور كامل «مواظب» لغير نوع واحد من المسرحيات، وهو نوع التهريج والمجون، وإثارة الحس بمناظر الشهوات، ومناظر الشجار.

أما الفن الرفيع فله جمهور متفرق أو أشتات من جماهير عدة، لا يستقل واحد منها بإنهاض فن متقدم يثبت على قدميه. وينتهي بنا ذلك كله إلى نتيجة واحدة؛ وهي أن التمثيل المصري في حاجة إلى معونة دائمة من الحكومة، ومعونة دائمة من الموسرين الغيورين على هذا الفن الجميل؛ لأن التمثيل في العالم كله، وفي مصر خاصة، يعبُر محنته الكبرى مع الفتنة الطاغية من قِبَل الصور المتحركة، ولكنه هو الفن الباقي بعد هذه الفتنة، وهو الينبوع الذي ينبغي أن يعتمد عليه فن الستار الأبيض، ولا تؤمن عليه العاقبة إذا ترك وحده بغير معونة وتشجيع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.