يجب أن تكون قاسية مُلِحَّة هذه الضرورة، التي ألجأت الوزارة أمس إلى أن تَرُدَّ مجلس النواب إلى أجمل عهود الاضطراب، بعد أن كان قد أَلِف الهدوء والاستقرار منذ أيام.

فقد يبحث الإنسان ويمعن في البحث، وقد يفكر الإنسان ويطيل التفكير ليلتمس تفسيرًا لموقف الوزراء أمس من رئيس مجلس النواب، فلا يجد إلا شيئًا واحدًا؛ وهو أن ضرورة قاسية مُلِحَّة كانت تُلْزِم الوزراء أن يخلصوا من هذا المشروع الذي طال الكلام فيه، وكان يريد فيما يظهر أن يستمر في الطول!

وقد أمضى مجلس النواب للوزارة مشروعات إن لم تكن أعظم خطرًا وأبعد في حياتنا المالية أثرًا من مشروع بحيرة تانا، فليست أقل منه ولا أيسر شأنًا.

أمضى لها مشروع جبل الأولياء وهو يكلفنا الملايين، وأعرض لها عن رأي وكيل المالية، وكان قاطعًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع الآن، وأعرض لها أيضًا عن رأي المستشار المالي، ولم يكن أقل من رأي الوكيل إلحاحًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع، وأجاز لها تصرفات مالية مختلفة كان من الخير أن لا يجيزها، أو أن لا يجيزها إلا بعد درس وتمحيص، فتعوَّدَتِ الوزارة إذن من البرلمان عامة، ومن مجلس النواب خاصة ضروبًا من المجاملة، وألوانًا من التسامح، لم يكن من اليسير عليها أن تحرمها أمس، أو أن يُخيَّل إليها أن المجلس سيضن بها عليها.

والظاهر أن مشروع تانا هذا يعني الوزارة عناية خاصة، وأنها تحرص عليه حرصًا أقل ما يُوصَف به أنه شديد، وأنه غير مفهوم.

فلم يكد يظهر هذا المشروع في الأفق، حتى ضاق به الناس، ولجوا في إنكاره، وألحوا على الحكومة أن تصطنع فيه الأناة، وانتظروا من البرلمان أن يرفضه.

وجاء رئيس الوزراء فاصطنع اللباقة والمهارة، وقال كلامًا طويلًا واضحًا خَيَّل إلى الناس أن الحكومة لن تمضي في المشروع، ولن تذهب فيه إلى أبعد من أن تعرف رأي الحبشة، ثم كانت مفاوضات يظهر أنها لم تُخِلَّ من الحدة، وتحدث الناس أن رئيس الوزراء ضاق بها في بعض الأيام، وتحدث الناس أيضًا أنه اصطحب وزير الأشغال إلى دار المندوب السامي ليتحدث فيه أو ليسمع ما تقوله الدار فيه، ثم تكشفت الأيام عن اتفاق بين مصر وبين الشركة الأمريكية، يلزمنا بأن ننفق منذ الآن خمسين ألفًا من الجنيهات.

ثم مضى هذا الاتفاق في طريقه بسرعة غريبة مدهشة، وتحدَّثَ الناس أن وكيل المالية الذي أنكر خزان جبل الأولياء، لم يوافق على هذا المشروع الأخير، وأن مجلس الوزراء أمضاه على كل حال، فلما انتهى إلى اللجنة المالية في مجلس النواب، صرح وزير الأشغال لهذه اللجنة تصريحًا سُجِّل في محضرها بأن تأجيل هذا المشروع لا يضر، ومع ذلك أُمْضِي المشروع في هذه اللجنة، وجاء إلى مجلس النواب فألح قوم في تأجيله، وأبى عليهم المجلس هذا التأجيل.

ولم يكد يُنظَر المشروع أمس، حتى ظهر أن قومًا من الذين يضمرون المودة للحكومة ويظهرونها، يكرهون إقراره ويلحون في رفضه الآن، وطال الحوار وكثر الجدال، وأظهر بعض النواب ما تعوَّدوا إظهاره في مثل هذه المواقف من براعة خطابية، ومهارة بيانية، تجعلان لنا زعامة الكلام في هذه الأيام.

ولأمرٍ ما أراد الرئيس رفع الجلسة، وأكبر الظن أنه أحس تعب الأعضاء، وأكبر الظن أنه أشفق على نفسه وعلى زملائه، وكان الخطباء الذين يريدون أن يصولوا ويجولوا، وأن يظهروا حظوظهم المختلفة من البراعة البيانية كثيرين، فلم يَرَ الرئيس بأسًا بأن يؤجلهم إلى غد.

وأكبر الظن أن رئيس النواب قد استعذب هذا البيان فأراد أن يطول، وأي بأس على رجل أديب يستعذب لذة فنية؛ فيضن بها أن تقصر أو تنقضي، ويريد لها أن تمتد وتطول؟!

ولم يكن رئيس النواب وحده يستعذب هذا البيان ويحرص على أن يطول، بل كان زملاؤه يشاركونه في هذه اللذة العليا، ويطلبون منها المزيد!

ولم يكن رئيس النواب وحده يشفق على نفسه من التخمة البيانية إن اتصلت خطابة الخطباء، بل كان زملاؤه أيضًا يحسون امتلاء أجوافهم بهذا الحوار الدسم، ويخشون الكظة على أنفسهم؛ لذلك لم يعرض الرئيس رفع الجلسة حتى رضي النواب وهموا أن يتفرقوا، ولكن الوزراء قوم شرهون لا يشبعون ولا تُخشَى عليهم كظة ولا تخمة في البيان؛ فهم كانوا كإخوانهم يستعذبون الحديث، ولكنهم لم يكونوا قد شبعوا منه بعد، فلما أحسوا رفع المائدة وتنظيف الخوان؛ سِيئُوا بذلك وضاقوا به ذرعًا، وقالوا: هذا يوم عصيب! …

وأي يوم أعصب من هذا اليوم الذي تُنزَع فيه اللقمة من فم الجائع، ويُرَدُّ فيه الماء العذب عن شفتي الظمآن؟!

هنالك اشتد النزاع بين الشباع والجياع، وطال العناء بالرواء والظماء، وصدرت عن الوزارة شرارة من كهرباء، لم تكد تتجاوزهم حتى اتصلت بالصفوف القريبة منهم، فشبَّتْ فيها نارًا وأذكت أوارًا، وإذا المجلس لم يكن كله فد شبع، ولم يكن كله قد جاع، وإنما خُيِّل إلى قوم أنهم شباع، وخُيِّل إلى قومٍ أنهم جياع، أو قُلْ إن جوع الوزراء أزال شبع النواب؛ فشاركوهم في الجوع!

وهنا ظهر الخلاف بين رئيس المجلس وكثرته، يريد الرئيس أن ينصرف، ويريد النواب أن يبقوا مجاملة للوزراء، فلما طال الأمر بالرئيس انصرف، ومضت كثرة الحاضرين من النواب فيما كانت فيه من عمل!

والظريف الطريف أن الرئيس لم ينصرف وحده، وإنما انصرف معه بعض أعوانه من النواب؛ فلم تضق الكثرة بذلك، بل أقامت الوكيل مقام الرئيس، وانتخبت سكرتيرًا مؤقتًا بدلًا من سكرتير دائم، وخطب بعض الخطباء وتكلم رئيس الوزراء بالنيابة، ثم أُجِّل المجلس ليُقضَى الأمر مساء اليوم!

هذا تأويل، وهناك تأويل آخر لموقف الوزراء ذهب إليه بعض الناس؛ فأي غرابة في أن يختلف الناس من موقف الوزراء هذا وقد كان غريبًا عسير الفهم؟!

زعم فريق من الناس أن الوزراء لم يكونوا جياعًا إلى خطابة الخطباء، وإنما كانوا مكتظين بفضل من قوة يريدون بذله، وبقية من نشاط يريدون إنفاقها، ووابل من كلام يريدون إرساله. قال هؤلاء الناس، وكان رئيس الوزراء بالنيابة قد أعد بيانًا طويلًا عريضًا عميقًا صبر عليه أول أمس وعجز عن حمله أمس؛ فلم يكن له بد من أن يلقيه ليهدأ، ويقضي ليلًا مريحًا، وكان تأجيل الرئيس للمجلس مؤذيًا له؛ لأنه كان يريد أن يضطره إلى أن يحتفظ بهذا البيان الطويل العريض العميق يومًا آخر.

وأنت تعلم أن ليس أشق ولا أمضى من كلام يريد أن يُقال، فيضطر إلى أن يظل محتجزًا مكتومًا.

ومهما يكن من شيء فقد حدثت في مجلس النواب أمس ظاهرة جديدة، ثار فيها الوزراء، وفريق من النواب برئيس المجلس ومكتبه، وخرج فيها الوزراء وكثرة النواب على التقاليد التي تقضي برفع الجلسة إذا رفعها الرئيس، وبانصراف النواب إذا انصرف الرئيس إلا أن ينصرف معتذرًا ويقيم الوكيل مقامه.

ولهذه الثورة خطرها؛ ففيها استهانة ما برياسة المجلس، وفيها تحكم من الوزارة لا في أمر الرئيس وحده، بل في أمره وأمر جماعة من النواب كانوا يريدون أن يتكلموا، فلما انصرف الرئيس انصرفوا معه، وأبوا أن يعودوا وأن يأخذوا بحظهم من الاعتداء على مقام الرئيس، ونشأ من هذا كله أن أصبح موقف الرئيس حرجًا حقًّا؛ فهو إن أذعن أدخل في الحياة النيابية تقليدًا خطرًا، وهو إن أبى أن يذعن أحدث خلافًا عنيفًا بينه وبين الوزراء، وكل شيء يدل على أن الكثرة ستؤيد الوزارة اليوم كما أيدتها أمس، وإذن فسيضطر الرئيس إما إلى الإذعان فيسيء إلى الحياة النيابية، وإما إلى الاستقالة من الرياسة.

وأكبر الظن أن قد كانت أحاديث ومقابلات، وأن ستكون أحاديث ومقابلات، وأن الجو البرلماني سيصفو مساء اليوم كل الصفاء. ولكن هذا كله لن يمنع من أن حقيقة واقعة قد كانت أمس، وهي أن مجلس النواب قد اجتمع بإرادة الوزراء رغم إرادة الرئيس، وأن فريقًا من النواب قد أرادوا أن يؤيدوا الرئيس، ويدافعوا عن كرامة المجلس، فحِيلَ بينهم وبين القول، ومُنِعوا من أن يدافعوا عن آرائهم في مشروع من المشروعات ذوات الخطر.

وقد يكون هذا غريبًا، وقد يكون هذا شاذًّا، ولكن مصر قد أَلِفَتْ كل شيء، حتى لم تَبْقَ فيها غرابة ولا شذوذ.

على أن هناك أمرًا أجَلَّ من هذا كله خطرًا، وأبعد من هذا كله أثرًا، وهو أن الإنجليز كانوا يزعمون أن الوزارة القائمة لا رأس لها بعد مرض صدقي باشا وانتقاله إلى باريس أو إلى فرسايل، فقد ظهر الآن أن هذه الوزارة الحاضرة ليس لها رأس واحد، بل لها رءوس!

وأي دليل على ذلك أقوى مما كان أمس، فقد جمعت مجلس النواب رغم رئيس المجلس وعدد غير قليل من أعضائه. أفهذه الوزارة التي تبلي هذا البلاء، وتفني هذا الفناء لا رأس لها؟!

قال صاحبي: إنك لساذج طيب القلب، ومتى احتاج الوزراء إلى جهد أو عناء ليبلغوا من كثرة النواب ما يشاءون؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.